الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / اتجاهات القصيدة الغزلية

اتجاهات القصيدة الغزلية

القصيدة الغزلية في الشعر العماني (4)
لقد اختلف الشعراء العمانيون وتباينت النظرات تجاه فن الغزل؛ فظهر فريقان كانت مواقفهما متباينة. الفريق الأول من الشعراء أعرض عن الغزل وانصرف عنه ولم يحبذ الخوض فيه، ولتعليل هذا الإعراض وسببه ندرج عدة أسباب، منها أن طبيعة البيئة التي تربّى فيها هؤلاء الشعراء، وما كان لهم من منزلة اجتماعية، وما صاحب حياتهم العلمية والدينية من ملامح ومكونات لم تكن تسمح لأحدهم بأن يسلك شعره هذا المسلك؛ فاتجهوا بكل طاقتهم نحو المجالات الأخرى في الدين والحكم والتأملات والقوميات. لذلك آثروا الاحتفاظ بغزلهم ولم يظهروه حتى لا يقلل ذلك من مكانتهم في أعين الناس، على نحو ما أجاب به (أبو السائب المخزومي) لما سئل: ” أترى أحدا لا يشتهي النسيب ؟”، فقال: ” أما من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا “.
ومن الأدلة على ذلك نورد في الذكر(عبدالله بن سعيد بن خلفان) الذي كان له غزل يدل على مقدرته الفائقة في هذا الفن بأسلوب عذب ولفظ رشيق ومعانيه غاية في رقة العاطفة ولطفها، من ذلك قوله :
كم تمتعنا بوصل الغيد ، والعيش الرغيد
كم شــــققنا من رداء ونقـــاب لــــــــخرود
كم على الحب وردنا نجتني ورد الـــــــــخدود
ومع ذلك فلم يعثر إلا على بعض غزله ، ويقال أن ابنه أحرق ما تبقى من غزل والده تحرجا من نشره واستحياء منه.
كما أن انصراف هؤلاء الشعراء عن الغزل إلى غيره من الفنون الأخرى، بسبب تحرجّهم من إظهار عواطفهم والتنفيث عن مشاعرهم. ومن أمثال هؤلاء الشعراء ” أبو النبهان ” و”سعيد بن خلفان” و ” أبو مسلم الرواحي ” وقد ارتقوا بغزلهم إلى الحب الإلهي.
أما الفريق أو الصنف الثاني من الشعراء، فهم الذين أوقفوا فنهم أو معظمه على الغزل، ولم يجدوا في أنفسهم حرجا من الخوض في مثل ذلك، ومنهم من قال غزلا فاحشا فاضحا، ومنهم من اكتفى بالغزل العفيف. أي أن خصائص الغزل لديهم وبواعثه قد تنوعت متأثرين في ذلك بالبيئة الإجتماعية، وما كان لها من أثر على الحياة العاطفية. ومن هؤلاء الشعراء: ” أبو الأحول، وابن عرابة، والنبهاني، وابن رزيق، واللواح الخروصي، وعبد الله الخليلي ” وغيرهم.
وقد تميّز الغزل بمجموعة من السمات وملامح التجديد فيه، ففي بدايته كان الغزل تقليديا محضا؛ يقدم به الشعراء لقصائد المدح ثم لا يلبثون الخروج إلى الغرض الأصلي، شأنهم في ذلك شأن الشعراء القدامى. وقد اعتمدوا في غزلهم على إظهار الصفات الحسية والخلقية أكثر من ذكر الصفات المعنوية كالحياء مثلا فكل ما تحدث عنه شعراء الغزل القدامى نجد له أثرا في غزلهم، فيقول ” ابن رزيق “:
أيها البدر توارى إن لي – إن تواريت عن الطرف – قمر
إن تثنى بابتسام خلته غصن بان رصعت فيه الدرر
أما التعبير عن حالة الحب فقد كان يتناول حالة الشاعر وما يكابده من آلام الهوى، ومعاناة الهجر، ومحاولة كتمانه الحب مع ظهور آثاره النفسية ، كما عبر عن ذلك ” ابن رزيق ” في قوله:
كتمت ما بي من هوى ودفنته ولكن ماء العين للسر قد فشا
وبالرغم من أننا نلاحظ أن بعض الشعراء وخاصة في عهد النباهنة واليعاربة قد أسرفوا في قول الشعر الماجن الفاضح ، إلا أن كثيرا منهم بعد ذلك كانوا يحاولون الارتقاء بالحياة العاطفية إلى درجة قريبة من العفاف في هذا المسلك، فيسمون بالحب فوق المطالب الدنيا الرخيصة، وهذا راجع إلى تمكن الأخلاق من نفوسهم فيقول ( أبي وسيم ):
قد صان مدرعها العفاف ومدرعي وكــــذلك سيما الدين والإيمان
واستمر فن الغزل على هذا النحو حتى انتهى إلى منهج جديد من حيث أفكاره و معانيه، وطريقة التعبير عن هذه المعاني، فبعد أن كان مقدمات لقصائد المديح صار فنا قائما بذاته، كما هو الحال مثلا عند (أبي وسيم) فجاء جديدا في موضوعاته وأسلوبه، وكذلك معانيه التي لم توجد عند أسلافهم سواء من ” بني نبهان ” أو ” اليعاربة ” أو ممن ظهروا في بداية عهد الدولة البوسعيدية . ومن المعاني الجديدة ما قاله ” عبد الله الخليلي ” في معنى الحب :
الحب سيف الله في أهل الهوى ما جردته على الـقلوب العين

وفاء الشامسية

إلى الأعلى