الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قصص قصيرة جدا

قصص قصيرة جدا

(وفاء)

في كل مرة ينتهي الأهالي فيها من دفن ميتهم يملأ ناصر بن خلف دلوا ويذهب إلى قبر على الطرف. يرشه بعناية ويعيد ترتيب صف الحجارة على حوافه. ثم يجثو أمامه ويغرق في نوبة من النشيج ويبدأ في إرسال دعواته المتهدجة إلى السماء. عشر سنوات والطفل الذي يحرص والده على اصطحابه إلى المقبرة يراقب. عشر سنوات وقبر فضيلة بنت سويف لم يجف.
ليلة البارحة حين فرغ الجميع من دفن آخر ميت بالبلدة لم ينتبه أحد إلى قبر في الطرف نبت العشب على جوانبه.. حوقلوا قليلا ثم أخذوا يتزاحمون على المخرج الضيق. انتظر القبر الذي على الطرف طويلا وهو يسمع خطواتهم تبتعد ويخفت دبيبها..
.
تناول صبي تجاوز العاشرة من عمره دلوا وجده في الجوار ورش القبر الذي صار يتيما هذه الليلة ثم غادر المقبرة وهو يترحم على ناصر بن خلف..

(حديث)

الطفلة الجالسة أمام منزلها لم تكن قد أنهت شتاءها السابع، ومع ذلك فقد كانت تحدث نفسها بصوت مرتفع. المرأة التي عبرت أمامها في الزقاق كانت هي الأخرى تدير في صدرها معارك كلامية مع الجارات ولكن بصوت غير مسموع. عامل ناقلة المياه الشاب أوقف صهريجه أمام الأنبوب المغروس في جدار أحد المنازل وجلس خلف المقود يهمس في هاتفه بصوت لا يمكن للطفلة الجالسة أن تسمعه . كان هواء المساء باردا وهناك احتمال وارد بأن تصاب الصغيرة بنزلة برد . ولكنها لا تهتم ولا تزال تتحدث، نزل الشاب من مكانه منتشيا بفعل المكالمة الهاتفية وأفرغ حمولة صهريجه في خزان المنزل. حين عاد إلى مقعده انتبه إلى طفلة تحادث نفسها أمام الباب ومر بجانبه بنغاليان يرطنان بصوت لا يفهمه.

(تلاشي)

تتبعه إلى الباب..
كغيمة صغيرة تحط يدها على كتفه..
يتوقف ، ويستدير لها . تصلح له انثناء ياقة دشداشته ثم تندس كقط سيامي في حضنه.
لا تتأخر… سأفتقدك.
ينصهر فتتلاشى فكرة الخروج..
ليس شرطا كونيا أن يحلق ذقنه صباح كل سبت.

(نوم)

أخرج من منزلي سالكا درب الضوء ..
ألقي التحية الصباحية على رجل أوقف سيارته بالقرب من منزلي على الشارع العام ونام ليلته مطمئنا كأنه في سريره . يعتذر لي ويقول أنه كان عائدا من دبي وداهمه النعاس فأوقف سيارته ونام. أطمأنه أنني لم أنزعج وأعتذر له لأنني أفسدت عليه نومه. ولأنني على عجلة من أمري ويجب أن أصل مقر عملي قبل الوقت فلم أدعه إلى تناول الإفطار في منزلي القريب كما يجب أن يفعل رجل قَبَلي..
أمضي وكأنني لم أصادف رجلا استيقظ قبل قليل قريبا من بيتي..

سعيد الحاتمي

إلى الأعلى