الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / جَعْجَعَة الجمال

جَعْجَعَة الجمال

“لابد من ترك الصحراء نحو الماء”. كان والدي يجيد صنع المفاجآت، وكعادته لا يُمهد لقراراته. وساد الصمت برهة، وكأنها لم تسمعه أو تستوعب ما قاله، ثم هبّتْ جدتي واقفة وانطلقت كالرمح نحو باب الحوش، وما أن بلغته حتى استدارت، ووقفت تستنفر كل ما لديها من طاقة على الحركة والحديث، وعادت وقدماها تثيران عفار التراب وراءها، وصاحت في وجهه: “اللعنة عليكم يَهْل بحر.. مثل بحركم مَلْكُمْ أمان!” وظلت واقفة فوق رأسه تنتظر منه كلمة أو حتى همهمة لتصب عليه مزيدا من غضبها.

“مشـي بد من أخذ الأولاد إلى المدينة يا العودة.. هناك الأهل والجماعة”، قال لها أبي محاولا تخفيف وطأة قراره، وإقناعها أن مصلحتنا نحن أحفادها تستدعي الإقامة في صور بين أفراد الأسرة وبالقرب من البحر.. محاولة كان يعرف أنها لن تجدي نفعا. وحين اقترح عليها أن تأتي معنا، ضحكت هازئة وأضحكتنا معها حين قالت: “لم أخلق للعيش في مكان لا تهب عليه ريح الكوس، وداخل غيران طين لا تدخلها الشمس”.

جدتي التي تعبق جسدها برائحة العشب، وقد رسمت دروب القرية دربا دربا، ونسجت لكل غافة ثوبا وحكاية، وورثت دم جدها المراق على كثبان رمل أصرت على زوجها في ليلة الدخلة أن يقيم لها خيمة بجوار قبره.. لم يكن لتترك إرثها وقطيع غنمها وفيافي الصحراء الشاسعة من أجل الإقامة بقرب البحر تستنشق في أول الصباح هواء لوثته “روائح السمك وملح البحر وعرق الصيادين”.
***
كان زواج أبي من أمي بغير موافقة جدتي. ويعزى تحفظها إلى تواضع حالته المادية إلى جانب رغبتها في تزويجها من أحد أقاربها، فقد كان والدي حينئذ مجرد بحار صغير في سفينة عمه، جدي لأمي. روت لي أمي ذات يوم أن والدها دفع مهرها من جيبه، وأعطاه لابن أخيه دون علم أحد!

جدتي بعد كل هذه السنين لا زالت تُذكِّر أبي أنها كانت غير موافقة ـ حينذاك ـ على زواجه من ابنتها، ولا تخفي سبب رفضها. كانت تلتفت إلينا وتقول دون أن تداري ابتسامتها حتى في حضوره: “عندما جاء أبوكم من صور لخطبة أمكم، وكان يدخن “البوري”‹1›، اقترح عليه أصحاب القافلة التي رافقها التخلص من البوري و”التنباك”‹2›، وبيعهما في أول سوق تصلها القافلة وشراء “جحلة”‹3› ماء عوضاً عنهما.. هدية لعروسه! فنضحك جميعا حتى أبي باستثناء أمي التي سمعتها ذات مرة تعاتب أمها وتطلب منها التوقف عن الإشارة لتلك الحادثة أمامنا!

وأكتم أنا ضحكتي حين تتجسد في ذهني صورة أبي “العريس”.. يدخل دار عمه طالبا يد ابنته وهو يحمل على كتفه “جحلة” ماء، فتتحول ضحكتي تلك إلى نوع من الإعجاب حين أقارن بين صورته بجسده النحيل آنذاك وحضور شخصيته الآن وهو يقف معتدا بنفسه يمسك بندقيته بيد ويضع الأخرى على رأس خنجره.. يستقبل المرحبين بحضوره من شيوخ ورجال قريتنا والقرى المجاورة.
***
فرحت كثيرا عندما سمعت أبي يدعونا للتهيؤ للسفر إلى المدينة. فمنذ أن سمعته يروي بعضا من جوانب حياة أهله وأسفارهم الكثيرة إلى أماكن قصية على ضفتي بحر العرب والمحيط الهندي، أو يتحدث عن أهمية مدينة صور بوصفها الميناء الرئيس للمنطقة والجسـر الذي عبر عليه سكان المنطقة الشـرقية في هجراتهم إلى شرق أفريقيا وأسفارهم إلى الهند وإلى مدن الخليج العربي، وأنا أنسجُ للمدينة صورا خيالية في رأسي!

تلك الليلة ضج رأسي بالأسئلة. سألت أبي بعضا منها، واستعنت بأختي الصغرى.. ربيعتي، لسؤاله نيابة عني. وعلى غير عادته، تحدث والدي وأجاب على كل ما خطر ببالي وأكثر كما لم يفعل من قبل، وكان مرحا على نحو لم نألفه عليه!

“كان أبي قاسيا”، هكذا انطبعت صورته في ذاكرة الطفولة، وعزز ذلك غيابه المستمر، فحين كنت طفلا وبعد أن اجتزت مرحلة نطق “أماه”، وجاء دور كلمة “بويه” لم تجد أمي من تشير إليه مكان الوالد غير خالي، وهي لا تكف القول: “الخال والد”.

بيد أني، وما أن بدأت أدرك ما معنى انتساب الابن لأبيه، أخذت اقترب من أبي كلما جاء إلى القرية، أكثر فأكثر، أحرص على مرافقته إلى مجلس الرجال.. أقلده في لهجته الصورية.. أتعطر بعطره، وفي المرمس أتلحف رداءه وأنام بجواره!
***
في آخر ليلة قبل انتقالنا إلى المدينة، أبت جدتي إلا أن تودعني بطريقتها الخاصة! طلبت مني أن أنام معها في خيمتها.. المكان الوحيد الذي لا ينام فيه غيرها. روت لي أن قريتنا كانت في البدء، حين اختارها الظفري مكانا لإقامة عشيرته كانت واحة خضـراء.. زاخرة بشجر الغاف والسدر والسمر والراك ونباتات أخرى كثيرة، وكان الجليب بحيرة واسعة يعيش فيها “الصد”‹4› والضفادع وكائنات مائية أخرى لا يُعرف لها أسماء.

وحدثتني عن أهلنا في صور، وأن لجدنا الظفري أحفادا كثرا منتشـرين في أماكن أخرى غير البادية، وأن قريتنا ليست المكان الوحيد الذي يحتضن إرث بطولاته، ففي صور سأجد أيضاً من يسـرد حكاياته مثلما تفعل هي في قريتها الصغيرة وادي المر.

شـعرتُ تلك الليلة، وأنا أصغي إلى جدتي، بعد أن خصتني بحكاية لم يسمعها أحد غيري، أن لي حظوة في نفسها مثلما لها في نفسـي، إذ لم أسمع يوما أنها انفردت بأحد في خيمتها، ولا خصت أحدا قبلي من أفراد الأسرة بحكاية، ولعل ذلك يُعزى إلى أني لست حفيدها الذكر الوحيد فحسب، وإنما كنتُ أحمل أيضا اسم زوجها الثلاثي (جديلا لأمي)!

قبل أن يداهم النوم عيني، أوصتني العودة بأمي: “الله الله في أمك يا نظر عيني.. كن بارا بها”، وطلبت مني أن لا أخلع “المجدم” إلا عندما يولد لي صبي. وعدتها بذلك وسألتها: “وإذا لم أنجب صبيا؟”. ضحكتْ جدتي بصوت مسموع على غير عادتها؛ فسمعتُ أمي تقول من عريشها: “اللهم اجعله خيراً!”.
***
ذات فجر صحراوي ندي، وعلى أصوات جَعْجَعَة الجمال ورغَائها، استيقظت القرية ودب النشاط في أوصال ساكنيها، وسرت حركة غير مألوفة في ذلك الوقت المبكر من اليوم. وتردد دعاء “يا فتاح يا عليم” من كل بيت قبل موعده المعتاد.

جاء كل يحمل حيلته: مسن لا يقوى على المشـي فركب حمارة، وكفيف تقوده عصاه، وشباب تهتز الرمال تحت أقدامهم وفتيات يمشين الهوينة ونساء يعرفن أن حاجة أمي لهن الآن أكثر من أي وقت مضـى. كل بيت في الوادي بعث بمن يمثله في القيام بالواجب ومساعدة أهلي في تجهيز الأمتعة والمقتنيات وربطها على ظهور جمال القافلة التي ستقلنا إلى مدينة صور.

كان صبحا مَغْمُوما لا كغيره من صباحات تلك القرية الهاربة عن صخب الحياة العصـرية، والهاجعة في أحضان رمال الشـرقية. أسالت عيون النساء الدمع، وأجهشت بعضهن بالبكاء وهن يعانقن أمي وأخواتي قبل أن يبدأ أبي وخالي بمساعدتهن على اعتلاء ظهور المَطَايَا.

وقبل أن تتحرك القافلة، ربط المُكَارِي أخطمة الجمال بعضها بذيول بعضها الآخر، وتحركت القافلة يتقدمها والدي على ظهر ذلول حمراء تقود ناقة اعتلت ظهرها أمي وأختي الصغرى، وخلفها ناقة ردفت على ظهرها أختي الكبيرة وأختي الأصغر مني، ووراءها بعيران يحملان العفش، وركبتُ أنا حماري غديَّر وسرنا خلف القافلة.

كان “الرواح” حزينا والفراق صعبا.. خرجت القرية تودعنا، فعلى أبواب المنازل، وتحت أشجار الغاف، وعلى أسفح كثبان الرمل، وقفوا يدعون لنا بسلامة الوصول. وارتفعت أصوات النساء وهنَ يحمّلن أمي السلام لأهلنا في صور.

أدرت رأسي إلى الخلف فغشاني الحزن. رأيت جدتي تتبع القافلة، وكدت، أكثر من مرة، أنزل عن ظهر الحمار وأعود عدوا لأحضانها وأشم فيها رائحة عشب الجليب، واسمع لازمتها “يا نظر عيني”.

وظل كلب جدتي الأعور يمشـي خلفنا، لكن ما أن ابتعدت القافلة عن المساكن حتى أخذ يبطئ من سرعة مشيه، فكان يقف. ينظر إلى الخلف تارة، ويتبعنا بتثاقل تارة أخرى إلى أن توقف تماما، وبقي واقفا لبعض الوقت ثم عاد أدراجه إلى الوادي وظل يسير سيرا بطيئا إلا أنه لم يلتفت إلى الوراء قط!

***
مضت القافلة تمشي بهوادة بين الكثبان الرملية وأشجار الغاف، وما بين رأس ذلول أبي في المقدمة وذيل الحمار غدير في المؤخرة، ظل المكاري يتفقد أحزمة الجمال ويتأكد من أن كل شيء شُد وثاقه، بينما كان صبي القافلة يبعد “حاشي”‹5› مشاغب لم يفطم بعد.. يحاول رضع ما في ضرع أمه، مطية البنتين، من حليب!

واصلتُ الالتفات إلى الخلف حِيناً بعد حين حتى اختفى وادي المر وراء الكثبان الرملية المتموجة التي تتداخل بعضُها في بعضها الآخر، وتختفي رويدا رويدا في عدوها الحثيث نحو الصحراء.. متخذة أشكالا أَخَّاذة.. بعضها مستدير ذات أسطح انسيابية، وبعضها يقف منتصبا بزوايا شبه قائمة. ومثلما تختلف أشكالها تتباين ألوانها: مزيجٌ من العسلي الأقرب إلى الذهبي، والأحمر بلون الصدأ، والأبيض المائل للصفرة.

هناك كانت قريتي الصغيرة: وادي المر.. قطعة من الصحراء العربية.. مفازة مجنونة برمالها المتحركة وسباخها الخادعة وسهولها الجرداء، وبطقسها القاسي: لهيب في النهار وزمهرير في الليل.

في هذه البيئة القاسية المحفوفة دوما بالترقب والخطر، تشكلت طفولتي وبعض من ملامح سنوات صباي، وترعرعت وبلغت مبلغ الرجال قبل أواني، واكتسبت مهارات خوض الصـراع من أجل البقاء وأولها الولاء للعشيرة فهي طوق النجاة.

في وادي المر بدأت تَعَلُّم قراءة القرآن الكريم في الهواء الطلق تحت ظل شجرة، وغنيتُ “التغرود” و”الطارق”، وسهرت في ضوء القمر، ونمت تحت فوانيس النجوم، وتدربت على ركوب الجمال، وتصويب البندقية والضغط على الزناد. هناك عرفت الصحراء.. خصبها وجدبها، حكاياتها وأساطيرها!

إن أشد ما ترسخ في ذاكرتي عن تلك الفترة المبكرة من سنوات حياتي احتفالات الأعراس والأعياد الدينية ومناسبات أخرى سواها مثل: الختان، والاحتفال بعودة غائب. كان الناس في هذه المناسبات يرتدون أفضل ثيابهم وزينتهم وحليهم، فالرجال يلبسون الخناجر ويتوشحون أحزمة الرصاص ويحملون البنادق والسيوف، وتتزين النساء بأفضل حليهن من الذهب والفضة: كالعوص والغلاميات والمرتشحة والمرية والحجل‹6›. ويتبرجن بأطيب المعاجين العطرية.. كان أكثرها استخداماً المحلب‹7›، كما يدهنّ شعورهن بمسحوق ورق السدر لتثبيت تسريحة تسمى “العقفة” ويخضبن أياديهن وأرجلهن بالحناء.

مر ردح من الزمن على صور الأفراح تلك، لكنها ما زالت راسخة في ذاكرتي بأصوات الغناء المرتفعة، وقرع الطبول، وصليل السيوف، وخشخشة حلي النساء، ومنظر الرازحين ولمعان سيوفهم، وسباق الهجن، والأطفال بملابسهم الزاهية، الجميلات، وأريج عطور النساء الممتزجة في الهواء بروائح الطعام النفاذة.

لقد تركت تلك السنوات في نفسي تقديرا كبيرا للبدو والبادية والصحراء، فسُكنتُ بحب ذلك المكان وتاريخه، وتقاليد أهله وأسلوب حياتهم، وما استحضرته من ذكريات ذلك الماضي ودونته في هذه الأوراق لا يُعبر في الحقيقة عن الصورة الكاملة لذلك المكان وسكانه، ولا عن طفولتي.. طفولة آخرين مثلي!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. البوري: غليون الدخان يصنع من صخر صلصالي.
2. التنباك: تبغ محلي.
3. جحلة: إناء فخاري يستخدم لتبريد الماء.
4. الصد: أسماك صغيرة تعيش في المياه العذبة.
5. حاشي: صغير الإبل.
6. العوص والغلاميات والمرتشحة والمرية والحجل: حلي تقليدية
7. المحلب: مزيج من الزيت والصندل والزهور الجافة وماء الورد.

محمد عيد العريمي

إلى الأعلى