الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب: الهرولة إلى الماضي

رحاب: الهرولة إلى الماضي

يعرض بعض الناس عن الحاضر ويحبسون إدراكهم ووعيهم في الزمن الماضي. يفتشون عن الأحزان والسلبيات، ويجترون الأحداث المزعجة والوقائع المزعجة، ويرزحون بدون قصد منهم في المآسي والذكريات النفسية المؤلمة. مثل هؤلاء الناس لا يعرفون طعم السعادة، ويعتبرون الحياة قدرا حزينا، ويستبد بهم التفكير السلبي، ويكرس في عقولهم المنغصات والأحزان، وفي كثير من الأوقات يعتبرون أنفسهم ضحايا، إن السبب وراء ذلك يكمن في مفهوم الزمن في عقول هؤلاء الناس، فلكل شخص خط زمن يميزه عن الآخرين، وهم غالبا يودعون أفكارهم ومشاعرهم في الماضي. ويمكننا أن نستدل على موقع زمن هؤلاء من خلال اسئلتهم أن يحددوا موقعهم من الماضي والحاضر والمستقبل. ندما يشير الشخص إلى إحدى الجهات لغة أو جسدا أو بحركة من الحركات، يمكن معرفة خط الزمن المتعلق بهم. وأعتقد أن كثيرا من أبناء ثقافتنا وعاداتنا يعيشون في الزمن الماضي، يستمدون منه سر وجودهم ويحنون إلى أمجادهم، ويمكن تمييز هذا الصنف من الناس من خلال تفضيلهم لأنماط الحياة القديمة وحنينهم الدائم إلى النزوع إلى مناطق وبلدان تتوفر فيها كثير من مظاهر الماضي وبساطته وعاداته وتقاليده، فالماضي بالنسبة لهم يمثل خط الأمان، ويصرفهم عن تحديات الحاضر والالتزامات المتوقعة منهم، وذلك من خلال الهروب إلى الماضي.
وكل نزوح إلى أحداث الماضي أو اجترار لأحداثه التي صارت من رماد الماضي؛ كل ذلك هو بمثابة هرولة إلى الماضي بعيدا عن الواقع والمستقبل.
وتقع المسؤولية على مؤسسات التنشئة الاجتماعية على اختلاف مستوياتها وأهدافها وتنوع ثقافاتها وأساليبها لكي تعيد التوازن بين الأزمنة المختلفة في عقول الناشئة حتى يستوعبوا الحاضر والمستقبل ويتحرروا من وعي الماضي السلبي.
ولعل خير وسيلة لمساعدة الأشخاص على تحقيق التوازن بين إدراك خطوط الزمن وحسن توظيفها واستثمارها، يتحقق من خلال تحقيق التوازن بين العقل الواعي والعقل الباطن في عقل الفرد وتحقيق المصالحة بين أجزاء الشخصية المختلفة.
إن الدخول في دهاليز العقل الباطن وتنظيفها من الأحداث الماضوية السلبية، وفتح نوافذ العقل على خيارات إدراكية متعددة من شأنه أن يساعد الأفراد كبارا وصغارا على تركيز سيخ تفكيرهم في الحاضر كأقوى خيار لهم.
إن بقاء الإدراك حبيس لأزمنة منصرمة ومواقف مشدودة إلى الماضي، يغلق مسارات الإبداع والتفكير الابتكاري ويكرس بكل أسف البقاء النفسي والعقلي في تلافيف الماضي؛ وهذا من شأنه أن يخلق وهم الظروف وصولا إلى المناكفة العقلية والنفسية مع بقية الأزمنة. وهذا من شأنه أن يجعل الإبداع بدعة وأن يجعل معايير الماضي محكات حقيقية للتعامل مع الماضي وقيمه الايجابية والسلبية.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى