الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تاريخيات

تاريخيات

المعاهدات السياسية بين عمان وبريطانيا (1)
بدأت الصلات السياسية بين عمان وبريطانيا منذ بداية ظهور المصالح البريطانية في الهند وبلاد فارس ومنطقة الخليج، وذلك في القرن السابع عشر الميلادي، وحرصها على التنافس مع القوى الأوروبية الاستعمارية مثل البرتغال وهولندا وفرنسا .
• في عهد سلطان بن أحمد 1792 – 1804م
وتعود أول اتفاقية سياسية بين عمان وبريطانيا إلى عهد السيد سلطان بن أحمد وبالتحديد إلى 12 أكتوبر 1798م ، عندما تم توقيع أول اتفاق سياسي بين الطرفين ، تعهد فيها السيد سلطان بتأييد الحكومة البريطانية في القضايا الدولية ، وبالامتناع عن منح أي امتيازات تجارية في أراضيه إلى كل من فرنسا وهولندا ، وبالاستغناء عن أي موظف فرنسي من خدمته ، وبإبعاد السفن الفرنسية من مسقط.
وكان الخطر الذي يمثله الوجود الفرنسي في مصر على اثر حملة نابليون بونابرت (1798م /1801م)، والتخوف البريطاني من اقتراب ذلك الخطر نحو الهند ، الدافع الأكبر وراء توقيع تلك الاتفاقية التي عرفت باتفاقية الحلف ، ذلك لأن عمان تحتل موقعا استراتيجيا متميزا في الطريق إلى الهند ، مما جعل السلطات البريطانية تبذل جهودا كبيرة لإنجاز تلك الاتفاقية. وفي عام 1800م أصبح لبريطانيا وكيل في مسقط يمثل المصالح البريطانية.
ففي سبتمبر 1798م صدرت التعليمات البريطانية إلى ميزرا مهدي علي خان، وهو من الجنسية الفارسية، لكي يتوجه إلى مسقط، وهو في طريقه لاستلام منصبه الجديد في بوشهر، وكان من أهم التعليمات التي زود بها أن يتأكد من السيد سلطان شخصياً، عما إذا كان على استعداد لإبعاد الفرنسيين والهولنديين من بلاده، وأن يستطلع رأيه في إمكانية قيام شركة الهند الشرقية البريطانية انشاء وكالة لها في مسقط.
وكانت هذه التعليمات هي الأساس التي بني عليها ميرزا مهدي علي خان الاتفاقية التي عقدها مع سلطان بن أحمد ويعتبر توقيع تلك الاتفاقية من قبل سلطان مسقط نجاحاً كبيراً لمهمة ميرزا مهدي.
وقد يكون من الأهمية أن نقف على أهم بنود اتفاقية 1798م، التي تتكون من سبع مواد، اختصت المادتان الأوليان منها بالتأكيد على إرساء علاقات الود والصداقة بين شركة الهند الشرقية البريطانية وحكومة مسقط، في حين اختصت المواد الأخرى بوضع قيود من شأنها عرقلة النفوذ الفرنسي في مسقط إذ تعهد السلطان بأن يطرد الفرنسيين والهولنديين من خدمته، ويمنع الفرنسيين من تأسيس أو إقامة أية مراكز لهم في بلاده أو الممتلكات التابعة له، وكذلك يمنع السفن الفرنسية من دخول موانئه، بينما يسمح بذلك للسفن الإنجليزية، كما تعهد بمقتضى المادة الخامسة من الاتفاقية بأن يقف إلى جانب السفن الإنجليزية إذا ما نشب صراع بينها وبين السفن الفرنسية في مياهه، أما في خارج تلك المياه فليس هناك ما يلزمه بالوقوف إلى جانب السفن الإنجليزية. ولعل أهم ما نصت عليه الاتفاقية هو إطلاقها المجال للإنجليز لانشاء وكالة تجارية في بندر عباس، وكان ذلك الميناء تابعاً لسلطنة مسقط، حيث أقرت لهم الاتفاقية أن يقوموا بإعداد الوكالة وتحصينها، وإبقاء حامية عسكرية بها تتألف من سبعمائة أو ثمانمائة جندي.
وفي 18 يناير 1800م ، وقعت اتفاقية أخرى بين البلدين في عهد السيد سلطان بن أحمد ، عززت من اتفاقية عام 1798م ، سمح بموجبها السيد سلطان لبريطانيا بإنشاء وكالة بريطانية في مسقط، وقعها نيابة عن الحكومة البريطانية جون مالكولم ، مساعد المقيم البريطاني في حيدر أباد.
• في عهد سعيد بن سلطان 1806 – 1856
وفي عام 1822م، وقعت بريطانيا اتفاقية مع السيد سعيد بن سلطان، كان الهدف منها إلغاء تجارة الرقيق جزئيا، كما اعطت للسفن البحرية البريطانية حق تفتيش السفن العمانية في المحيط الهندي حتى مسافة ستين ميلا من سواحل إفريقيا الشرقية.
وفي عام 1839م وقعت بريطانيا اتفاقية أخرى مع السيد سعيد بن سلطان ركزت معظم نصوصها على تنظيم حركة التجارة والملاحة بين البلدين، تضمنت حرية التجارة والاقامة ونقل البضائع ، وعدم فرض ضرائب تزيد عن 5 % على البضائع البريطانية، وقد وقعها عن الجانب البريطاني الكابتن كوجان، تضمنت بالإضافة إلى ماسبق 17 بندا، وقد ترتب عليها فتح أول قنصلية بريطانية في زنجبار عام 1841م.
وفي 12 أكتوبر 1845م ، تم توقيع اتفاقية أخرى بين البلدين تتعلق أيضا بتجارة الرقيق، والتي تعهد فيها السيد سعيد بمنع الاتجار بالرقيق في أملاكه سواء الآسيوية منها، أو الإفريقية، والتنسيق مع زعماء شبه الجزيرة العربية لمنع جلب الرقيق من ممالك السلطان الإفريقية ، وتخويل الأسطول البريطاني حق تفتيش السفن العمانية في مياه عمان الإقليمية، وفي مناطق الخليج العربي والمحيط الهندي، ومعاقبة التجار المرتكبين لهذه المخالفات ومصادرة سفنهم.
وفي عام 1846م تم توقيع اتفاق جمركي بين الطرفين، أهم ما نص عليه تحديد الرسوم على البضائع التي تنقل من سفينة إلى اخرى بنسبة لا تتجاوز 5 % في الموانئ التي كانت تخضع للسيد سعيد، وكذلك تنظيم الأمور الخاصة بالبضائع التي يتم انزالها في البر واعفاء البضائع الخاصة ببريطانيا اذا ما استدعت الضرورة وضعها في مخازن السيد سعيد.
• في عهد ثويني بن سعيد 1856 – 1866م
وفي عام 1864م، عقدت اتفاقية بين السيد ثويني بن سعيد ، وبريطانيا وتحديدا مع شركة التلغراف البريطانية سمح بموجبها للحكومة البريطانية بإنشاء خطوط المواصلات السلكية في الأراضي العمانية. وفي عام 1865م تم اضافة ساحل مكران إلى بنود الاتفاقية.

يتبع،،،

——————–

الهوامش:
1- تخلط الكثير من المصادر والمراجع خاصة العربية مابين اتفاق واتفاقية ومعاهدة دون التمييز بينها من النواحي القانونية، ويعتبر مصطلح اتفاق Agreement / Accord هو أقل شأنا من الاتفاقية والمعاهدة. أما مصطلح اتفاقية Convention فهو للدلالة على عقد دولي أشد قوة من الاتفاق وأقل أهمية من المعاهدة. أما المعاهدة Treaty / traite، فهي الاتفاقات ذات الأهمية السياسية التي تلي مرحلة المفاوضات، وتوقع من قبل المفاوضين، ثم تبرم من قبل رؤساء الدول
2- ميرزا مهدي علي خان: وجيه فارسي من أسرة عريقة، وقع عليه الاختيار من قبل الحكومة البريطانية ليكون المقيم البريطاني الجديد في بوشهر، خلال الفترة 1798 – 1804م، ونجح في توقيع اتفاقية مع السيد سلطان بن أحمد آلبوسعيدي حاكم عمان. تم فصله من الخدمة بعد مقتل السفير البريطاني في بومباي إثر مشاجرة بين خدمه وحرس الحكومة، فقام ميرزا مهدي بتوجيه رسالة إلى بلاط الامبراطور فور عمله بمقتل السفير تتضمن نصا غير صحيح عن الحادث، ولهذا فقد فصل من عمله كمقيم من بوشهر، ثم اعتكف في شهر ابريل عام 1803م، وبعد عام وافته المنية، وكان قد أوصى قبل وفاته بدفنه في مدنية النجف العراقية المعروفة، ونقل جثمانه على متن سفينة شراعية بريطانية تسمى كريول التي تعرضت لهجوم من قبل إحدى السفن الفرنسية في 18 سبتمبر 1804م، تدعى لافورتشيون، فتم إلقاء جثمان مهدي في عرض البحر
3- يعد جون مالكوم من أبرز الشخصيات السياسية التي لعبت دورا هاما في السياسة البريطانية خلال السنوات الأولى من القرن التاسع عشر الميلادي، وقد ترقى في المناصب حتى وصل إلى حاكم بومباي، وكان من الأوائل الذين دعوا إلى إتباع سياسة توسعية في الخليج.

د. محمد بن حمد الشعيلي
باحث في التاريخ العماني
m-alshuaili@hotmail.com

إلى الأعلى