الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: ارجعي يا أم الدنيا ..!

باختصار: ارجعي يا أم الدنيا ..!

زهير ماجد

الخوف الذي يمارسه المحب على حبيبته مبرر، وخصوصا عندما تكون مصر .. ذلك القطر العربي الذي سنظل ندعي الانتماء إليه لأن العرب بحاجة ماسة إليه، ولأنه الصورة الحية لتاريخ كنا ولا نزال نشعر بالكبرياء كلما تذكرناه وأعدنا صوره الجميلة الجليلة إلى لحظاتها التي مرت.
ما كان يمكن لهذا المتغطرس نتنياهو أن يتقصد زيارة دول حوض النيل بالتحديد، لو أنه شعر للحظات أن ثمة ما يمنعه .. فهو بالتالي طليق السياسة واليد، غطرسته أوصلته للتدخل بنهر النيل من على منبر أثيوبي .. بل إن جل زيارته كانت مائية، وبالتالي تحريضية ضد القاهرة وضد عنوانها الذي نعرفه وهو أن مصر هبة النيل.
لا نشك لحظة أن إسرائيل تصارع مصر دائما وتفتش لها عن كل ما يعكر سلامتها وخصوصا قضية الماء .. فنتنياهو في زيارته الأخيرة إلى بلدان إفريقية، لم يسجل مجرد انفتاح عليها، فإسرائيل منذ عقدين على الأقل وهي على اختراق لهذه الدول وغيرها، بل إنها منذ حين مساهمتها الفاعلة بتقسيم السودان، وجدت نفسها تحكم تلك القارة وتتلاعب بأجوائها على كافة الصعد، كل ذلك لأن المخلوع حسني مبارك جلس على رمال شرم الشيخ فأنسته شمسها الخطر المحدق بمصر من عدو يظل عدوا حتى ولو وقعت معه عشرات الاتفاقات، فهو المستفيد فيها جميعا وأنت الخاسر الدائم.
ذات سنوات طموحة، كانت مصر ليس فقط وجه إفريقيا والعرب والمسلمين والعالم الثالث وعدم الانحياز وغيره، بل القوة السخرية التي جعلت من إفريقيا حركة نشيطة من الوطنيين المحليين الذين ناهضوا إسرائيل وشتى أنواع الاستعمار .. ففي عصر جمال عبدالناصر كانت تلك القارة تدلل على نفسها بأسماء قيادية أمثال جوليس نيريري، وكوامي نيكروما وجومو كينياتا وأحمد سيكوتوري ولومومبا ونيلسون مانديلا وهيلا سيلاسي وغيرهم .. تلك القيادات التاريخية الإفريقية شطبت تماما اسم إسرائيل من لائحتها، بل شكلت مانعا من الاقتراب لها في كل القارة السوداء.
صحيح أن الزمن يتغير بغياب العمالقة، فهل ينبغي أن يعود إلى الوراء، أن يتمكن كيان مرفوض كإسرائيل من اختراق ما لم يكن بوسعه التقرب منه ذات سنوات، والسبب دون أدنى تفكير، غياب مصر عن الريادة التي مثلتها في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وعندما طالت مدة غيابها كان ذلك بمثابة الهدية التي قدمت للعدو الذي تستر بـ”كامب ديفيد” ليقفز إلى اعتبارات كان يحلم بتحقيقها فتمكن منها.
إسرائيل اليوم الأقوى نفوذا في إفريقيا وتكاد تحكم بقوة السيطرة التي صنعتها هندسة أعوام الغياب المصري تحديدا.. وإلا، فكيف لنتنياهو أن يهدد بنهر النيل وهو لا دخل له به من قريب أو بعيد، سوى القول بأنه يملك السيطرة على تلك البلدان، فنقول بالتالي إن الآتي أعظم على مصر.
لنتصور كيف شكل الرئيس عبدالناصر فرقة عسكرية لحماية منابع النيل، تلك النظرية الاستراتيجية والوطنية والقومية في آن معا، فيما مصر صارت بكل أسف تستجدي أثيوبيا وغيرها من أجل الماء الذي هو حقها الطبيعي والتاريخي.
ارجعي يا مصر يا أُم العرب وأُم الدنيا إلى زمانك ذاك، زماننا الذي نعرفه ونحفظه عن ظهر قلب ونباهي به لأنها كانت تجسيدا لقوة الذات وللوطنية الصارمة والعظمة والكبرياء. إنها مصر التي في خاطرنا وفي فمنا ونحبها من كل روحنا ودمنا.

إلى الأعلى