الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / جهود السلطنة في الحفاظ على التراث الثقافي غير المادي (1)

جهود السلطنة في الحفاظ على التراث الثقافي غير المادي (1)

مقدمه
إن الرغبة في بناء دولة عصرية تأخذ بأحدث أساليب العلم والتقنية لم تجعل هذا البلد يتنكر لتراثه العريق وأمجاده التليدة بل سعى دائما إلى دمج الحداثة بالأصالة”.
قابوس بن سعيد المعظم

يزخر التراث الثقافي غير المادي في السلطنة بالعديد من مفردات هذا الإرث نظرا للثقافة العمانية القديمة وتداخل الحضارة العمانية بغيرها من الحضارات العالمية قد تنبهت السلطنة الى ضرورة الحفاظ على هذا الجانب ليكون في مأمن من الاندثار والضياع ووضعت العديد من البرامج الثقافية والسياحية والاعلامية لإبرازه والعناية به بالإضافة الى الجهود الشخصية للعديد من الباحثين والدارسين.
حظي التراث الثقافي غير المادي في السلطنة منذ السبعينيات من القرن الماضي وحتى الآن وعلى مدار 46 عاماً، باهتمام كبير ومتواصل وفق رؤية حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، باعتباره ركنا أساسيا من الهوية الوطنية العُمانية ويسهم في ترسيخ الاحترام والتفاهم والسلام بين الشعوب ويساعد على تحقيق التنمية المستدامة وتؤدي المحافظة عليه إلى نقل المعارف والمهارات والمعاني والقيم من جيل لآخر. وكانت السلطنة من اوائل الدول التي صادقت على الاتفاقية على الاتفاقية الدولية لصون وحماية التراث الثقافي غير المادي التي تنظر السلطنة الى ضرورة تفعيلها عالميا حتى يتسنى الحفاظ على هذا الموروث العالمي القيم ويمكن للمتابع الثقافي أن يلاحظ الاهتمام العُماني بالتراث الثقافي من خلال عدة مؤشرات من أهمها:
أولاً: خطب وكلمات حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم وتوجيهاته في المناسبات المختلفة لبقية مؤسسات الدولة ذات الصلة هذا الاهتمام، حيث ربط الحاضر بالماضي وجعل التراث الفكري والثقافي للمجتمع العماني كقاعدة للانطلاق في بناء دولة عصرية ومن محفزات التنمية الوطنية الشاملة مروراً بالمنهجية المتبعة في القطاعات المعنية وصولاً إلى الممارسين الفعليين أو حاملي المفردة واعتزازهم بها.
ثانيا : تضمن النظام الأساسي للدولة الصــادر بالمرسوم السلطاني رقم 96/101 في المادة (13) ” ترعى الدولة التراث الوطني وتحافظ عليه.
ثالثا: مصادقة السلطنة على العديد من الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة بالتراث الثقافي غير المادي كاتفاقية 2003 لحماية وصون التراث الثقافي غير المادي، واتفاقية تعزيز أشكال التعبير الثقافي 2005.
رابعا : تخصيص عام 1994 عاما للتراث لما يمثـله من ركيزة اساسية للدولة العصرية وملحما من الملامح المميزة للمجتمع العماني باعتبار ان التراث عنصر اساسي في تشكيل الهوية الوطنية.
خامسا: تواصل معارض السلطنة الثقافية في مختلف دول العالم التي تتضمن العديد من مفردات التراث الثقافي غير المادي مكونة رسالة لنشر ثقافة التعايش والتسامح مع الآخر.
أسفر الاهتمام العُماني بالتراث الثقافي الى إعلان اللجنة الحكومية الدولية للتراث الثقافي غير المادي التابعة لليونسكو بإدراج عدد من الفنون والمفردات العمانية في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لليونسكو كتراث إنساني حي . وتهدف هذه الورقه بما لها وما عليها هي من جهد الباحث تقديم قراءة في جهود سلطنة عمان في الحفاظ على التراث الثقافي غير المادي.

• تعريف التراث الثقافي غير المادي

عرَّف التراث الثقافي غير المادي، حسب الاتفاقية التي صدرت عن اليونسكو في باريس 17 أكتوبر 2003م وسُميت بـ ” اتفاقية صون التراث الثقافي اللا مادي”. ، بأنه: «الممارسات، والتصورات، وأشكال التعبير، والمعارف، والمهارات وما يرتبط بها من آلات، وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية، والتي تعتبرها الجماعات والمجموعات، وأحياناً الأفراد، جزءاً من تراثهم الثقافي. وهذا التراث الثقافي غير المادي ينتقل من جيل إلى جيل، ويقع بعثه من جديد من قِبل الجماعات، والمجموعات طبقاً لبيئتهم، وتفاعلهم مع الطبيعة ومع تاريخهم، وهو يعطيهم الشعور بالهوية والاستمرارية، بما يساهم في تطوير احترام التنوع الثقافي، والإبداع الإنساني”.
التراث الثقافي غير المادي في السلطنة
يشمل التراث الثقافي غير المادي ماينقل شفاهيا او يعبر عنه حركيا، كاللغات واللهجات والعادات والتقاليد والطقوس والمعتقدات والممارسات الشعبية والاحتفالات والأعياد الشعبية والدينية والمهن والحِرف والألعاب والأحاجي والألغاز والأمثال والحكايات الشعبية والأشعار المنقولة شفاهيا والغناء والموسيقى بأنواعها كالريفية والبدوية والعسكرية وفنون الاستعراض والرقص الشعبي كالرزحةعلى سبيل المثال لا الحصر . وتزخر السلطنة بالعديد من هذه المفردات فمن القنون الرزحه والعازي والبرعه والميدان وغيرها ومن الالعاب الشعبية نجد الحواليس والمسطاع والعنبر كما تزخر السلطنة بالعديد من الحكايات الشعبية من ذلك الحكاية الخرافية “النصف ذهب والنصف فضة”
الفنون والمفردات العمانية المدرجة في القائمة
تتسابق دول العالم في تقديم عناصر التراث الثقافي غير المادي ليتم إدراجها في القائمة التمثيلية للتراث غير المادي للإنسانية، وتحظى عملية الإدراج بأهمية كبيرة لدى هذه الدول وذلك لما تمثله هذه القائمة من حضور عالمي يضم مختلف عناصر التراث غير المادي للإنسانية جمعاء.
يصل عدد الفنون والمفردات العمانية المدرجة في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لليونسكو حتى الآن إلى 7 ملفات منها 5 ملفات مشتركة (التغرود، العيالة، الرزفة الحماسية، والفضاءات الثقافية للمجالس والقهوة العربية) وملفان منفردان (العازي والبرعة) مما يؤكد ما حظي به هذا التراث من اهتمام ورعاية على كافة المستويات باعتباره جزءًا مهماً من الذاكرة الشعبية والوطنية والإنسانية ودليل وعي المجتمع العماني باتفاقية اليونسكو لحماية وصون التراث غير المادي.
أن « إدراج هذه العناصر يأتي ليعكس البعد العالمي للإرث العماني كونه تراثاً إنسانياً يمثل الإبداع البشري على مستوى العالم، كما أنه يمثل نجاحاً للجهود العمانية في الحفاظ على هذا الإرث وتسجيله في القائمة العالمية للتراث غير المادي للإنسانية، وبجانب ذلك يعبر هذا الإدراج عن دور الممارسين والمهتمين وجميع أفراد المجتمع بالتمسك بتراثهم وهويتهم الوطنية
فن العازي
فن الإلقاء الشعري دون تنغيم أو غناء ، وهو لون فردي يؤديه شاعر مبدع أو راوية حافظ ،، ويتصدر شاعر العازي جماعته ممسكا بسيفه وترسه ، يمضي سائرا وهو يلقي بقصيدة الفخر أو المدح ، ويهز سيفه هزة مستعرضة عند كل وقفة في الإلقاء ، وهي الهزة التي يرتعش لها نصل السيف.
ومن خلف الشاعر تشارك مجموعة من الرجال وهم يلفون الساحة في تلك الدائرة المقفلة التي تحيط بالشاعر وتابعيه، وهم يرددون عدة هتافات محددة في نمط موروث مثل هتاف قصير قوي النبرة من كلمة واحدة هي : “وسلمت” يصاحبها –قديما- إطلاق الرصاص من البنادق، ولكن المشاركين وحتى الآن لا يزالون يشحذون بنادقهم في صوت مسموع نافذ مع هذا الهتاف الذي يلي البيت الأول -عادة- من شعر المقطع الذي يلقيه الشاعر. وهتاف آخر يقول “الملك لله يدوم” ومدد المشاركون حرف الألف في لفظ الجلالة تأكيدا لمعنى الهتاف ومضمونه الذي يرددونه أيضا في نهاية المقطع الشعري الذي ينشده شاعر العازي. وفي بعض ولايات المنطقة الداخلية ينهي الشاعر مقطعه الشعري في الفخر بأهله أو مدحهم أو مدح أصدقائه وعشائرهم بعبارة “صبيان كبار الشيم”.
وهناك ثلاثة أنواع من شعر العازي : الأول الألفية، والثاني العددية، والنوع الثالث المطلق. وتبدأ قصيدة “العازي” –عادة باسم الله لتنتهي بالصلاة والسلام على رسول الله.
فن البرعة
هي فن مرح الشباب يؤديها اثنان – سويا – وقد أمسك كل منهما بخنجره في يده اليمنى بينما تمسك اليسرى بدشداشته ثابتة عند وسطه. وفي “البرعة” تكون الحركة عبارة عن قفزة قوية ترتفع فيها إحدى القدمين عن الأرض ويتحرك اللاعبان حركة انسجامية متوافقة يتقدمان ويتقهقران بظهرهما ويدور كل منهما حول نفسه دورة كاملة وفي لحظة محددة يركعان سويا مقابل الفرقة الموسيقية التي يقوم أفرادها بالغناء وضبط الإيقاع. وتتكون الفرقة التي تؤدي فن “البرعة” من عازف على “القصبة” واثنان – أو أكثر – من ضاربي الطبل المرواس وهو الطبل الصغير واثنان – أو أكثر – من ضاربي طبل المهجر وهو الطبل الكبير وضارب واحد على الدف الصغير ذي الجلاجل. وتؤدى “البرعة” في كل مناسبة يجتمع فيها الشباب للسمر وفي المناسبات الاجتماعية السارة كالأعراس وغيرها وأغلب الأغاني المؤداه في “البرعة” هي في الغزل.
جهود السلطنة في الحفاظ على التراث الثقافي غير المادي
- انشاء وزارة مختصة للتراث والثقافة
- صادقت السلطنة على العديد من الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة بالتراث الثقافي غير المادي كاتفاقية 2003 لحماية وصون التراث الثقافي غير المادي، وتسعى هذه الاتفاقية إلى تحقيق الأهداف الآتية:
أ ـ صون التراث الثقافي غير المادي .
ب ـ احترام التراث الثقافي غير المادي للجماعات والمجموعات المعنية وللأفراد المعنيين .
ج ـ التوعية على الصعيد المحلي والوطني والدولي بأهمية التراث الثقافي غير المادي وأهمية التقدير المتبادل لهذا التراث .
د ـ التعاون الدولي والمساعدة الدولية .
- صادقت على اتفاقية تعزيز أشكال التعبير الثقافي 2005
- سجل وطني للتراث الثقافي غير المادي
تفعيلا لتلك الاتفاقيات، قامت وزارة التراث والثقافة بإنشاء سجل وطني للتراث الثقافي غير المادي ضم العديد من أبواب هذا الإرث، واستطاعت أن تكون عضوا في اللجنة الحكومية لاتفاقية (2003) خلال الفترة من عام 2008 إلى 2012م.
قانون حماية التراث القومي
صدر هذا القانون بالمرسوم السلطاني رقم 6/80 وكان ذلك بتاريخ 10/2/1980 وقد تضمن القانون 50 مادة نظمت كافة الجوانب المتعلقة بحفظ وصيانة الاثار المادية وغير المادية
الهيئة العامة للصناعات الحرفية
اولت السلطنة اهتماماً كبيراً بالصناعات الحرفية منذ بداية عهدها باعتبارها جزءاً مهماً من الهوية الثقافية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع العماني وأحد أهم الروافد العمانية. فمع بزوغ فجر النهضة المباركة حظيت هذه الصناعات بتقدير خاص من لدن مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – باعتبارها إرثا حضاريا وثمرة من ثمار تاريخ أمة كان لها دورها الريادي والحضاري.
ونتيجة للاهتمام المتواصل من قبل الحكومة الرشيدة في تفعيل دور الصناعات الحرفية اجتماعيا واقتصاديا ولحمايتها من الاندثار وإحيائها لجعلها الرابطة الوثيقة بين الماضي والحاضر ، جاء المرسوم السلطاني رقم 24/2003م بتاريخ 3/3/2003م بإنشاء الهيئة العامة للصناعات الحرفية وإصدار النظام الأساسي للهيئة واعتماد هيكلها التنظيمي بالمرسوم السلطاني 53/2003 بتاريخ 31/8/2003 ، بمثابة ترجمة صادقة للاهتمام السامي لحماية وتطوير الصناعات الحرفية في السلطنة قامت الهيئة العامة للصناعات الحرفية بالرصد والتصنيف الكامل للصناعات الحرفية من حيث أنواعها. تعمل الهيئة على الارتقاء بهذه الصناعات وتطويرها من منطلق أنها عملية إبداعية ، ولذلك خصصت لها مسابقة ” التميز الحرفي” ، وهي مسابقة سنوية لتحفيز التنافس بين الحرفيين ، كما خصصت تاريخ 3 مارس من كل عام يومًا للحرفي العُماني، يتم فيه تكريم المبدعين في مختلف الصناعات
• المتحف الوطني
يسعى المتحف الوطني الذي تم افتتاحه في عام 2015 بقاعاته الخمس عشرة إلى ابراز الشواهد والمقتنيات المادية والمعنوية المكونة لتاريخ وتراث وثقافة وفنون السلطنة والحفاظ عليها بكافة تجلياتها وإبراز الأبعاد الحضارية والتاريخية والثقافية مع توظيف واعتماد أفضل الممارسات والمعايير المتبعة في مجالات الإدارة المتحفية وإدارة المقتنيات والعرض. ويضم المتحف العديد من مفردات التراث غير المادي وهي ما يتصل بالطعام والشراب والشعر والقصص والرقص والغناء الشعبي إضافة إلى التسجيلات المرئية والصوتية والمكونات التفاعليه الرقمية.
ويحتوي المتحف على مركز تعليمي، وقاعة محاضرات مجهزة تجهيزا متكاملا، وشاملة لمنظومات لذوي الاحتياجات الخاصة، وللطلبة من مختلف الفئات العمرية، كما يضم المتحف مركزا للحفظ والصون، وهو الأول من نوعه على مستوى الشرق الأوسط، ومرافق تخصصية لدعم برنامج إدارة المقتنيات، من مخازن وورش عمل ومعامل، علاوة على الجانب الخدمي المتمثل في إنشاء مطعم ومقهى ومحل هدايا تذكارية.
وحتى تتفاعل الأسر والأطفال مع مرافق المتحف تم تخصيص مجموعة من القاعات تتيح لهم ممارسة عدد من التمارين والألعاب التثقيفية، اضافة الى وجود قاعة سينمائية توظف تكنولوجيا ثلاثية الأبعاد لعرض الأفلام الوثائقية ذات المدلول الثقافي الغزير الذي يتناول مجمل التاريخ العماني.
مركز عُمان للموسيقى التقليدية
تم تأسيسه في عام 1983 بأمر من صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم لتوثيق وصون وتشجيع الموسيقى العمانية التقليدية وقد تم من خلال هذا المركز توثيق أكثر من 80% من موسيقى عمان التقليدية بما في ذلك 32.000 صورة فوتوغرافية و580 وسيلة سمعية بصرية وعدد ضخم من التسجيلات الصوتية. كما قام المركز بإعداد قاعدة بيانات مرقمة لهذه المواد.

دار الاوبرا السلطانية: هي أول دار أوبرا في منطقة الخليج العربي، وفي الجزيرة العربية, وافتتحت في 12 أكتوبر 2011 ويأتي إنشاء هده الأوبرا في إطار الحرص الذي يوليه حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم للتواصل الحضاري والثقافي ومجالات الفنون الراقية مع مختلف دول العالم. ومبنى دار الأوبرا السلطانية متعدد الاستعمالات يمكنه أن يستضيف فعاليات مختلفة كحفلات الأوبرا والحفلات الموسيقية والمسرحية والمؤتمرات والملتقيات الثقافية والفنية. ويعد انصهار التراث المحلي مع الحداثة في دار الأوبرا السلطانية علامة بارزة
توضح مدى الاهتمام بالانفتاح الحضاري على العالم وصولا إلى ترسيخ القيم الإنسانية الذي تؤكد عليها السلطنة وتعمل على غرسها وتعزيزها . وهي تقدم الكثير من الفنون الرفيعة والبرامج المبتكرة التي تدعم مجالات المعرفة والتواصل الحضاري والإلهام
ويمكن أن تقرأ دار الأوبرا السلطانية باعتبارها تتويجا حقيقيا للمشهد الثقافي العماني بل وتتويجا للاهتمام السامي بالفنون والثقافة بشكل عام والموسيقى بشكل خاص و يمكن أن نستذكر في هذا الموضع إنشاء الأوركسترا السلطانية العمانية منتصف ثمانينات القرن الماضي والتي تعد اليوم في مقدمة الفرق الأوركسترالية في العالم أجمع.

ملاحظة : المصادر والمراجع في الجزء الثاني من الدراسة
د. سالم بن سعيد البحري

إلى الأعلى