السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قراءات متعددة في المشهد الوطني(1ـ13)

قراءات متعددة في المشهد الوطني(1ـ13)

سعود بن علي الحارثي

المشهد الوطني بكل تجلياته ومساراته وتبدلاته التي فرضتها ظروف وتطورات محلية ـ إقليمية وعالمية، سياسية ـ ثقافية ـ اجتماعية ـ اقتصادية ـ علمية ـ وإعلامية، يحتاج إلى مراكز بحثية ودراسات تحليلية متخصصة لرصد تلك التبدلات في الأنماط والثقافة العامة ومستويات الرضا، والتعرف على تخوفات المجتمع ومنابع قلقه ومستويات معيشته، وعلى الأسباب والعوامل ومعالجة الإشكالات وأوجه الخلل..

أولا: المشهد الوطني بين التحديات الاقتصادية والضغوط المجتمعية .

اعتدت أن آخذ نفسا طويلا ومساحة من الوقت تكفي للمزيد من المتابعة والتدبر، والاستماع إلى الكثير من الأخبار والملاحظات والآراء والتعليقات التي تصل حول ملفات ومستجدات مرتبطة بالمشهد الوطني من مختلف المصادر الرسمية والمجتمعية، مع ملاحظة أن ـ الأخيرة وعبر وسائل التواصل باتت هي الطاغية والمهيمنة على هذا المشهد برمته ـ وتحليلها والنظر إليها من مختلف الجوانب والزوايا، والتفكير فيها بشيء من التأني والتأمل والتثبت، متطلعا ومتأملا أن أقدم على الكتابة في موضوعاتها وأنا أكثر استعدادا واطمئنانا وتمكنا وقدرة على عرض وجهة نظري في هذا السيل الهادر من القرارات والتصريحات والتوصيات والاتفاقيات الاقتصادية، والخطط والبرامج التي يطلقها هذا المسئول أو ذاك الوزير، وعمليات الضبط التي تعلن عنها هيئة حماية المستهلك في وسائل الإعلام الرسمية، والأحداث التي شهدتها الساحة الوطنية عبر ما يزيد عن اثني عشر شهرا مرت فيها البلاد بأسوأ أزمة اقتصادية لم نكن للأسف الشديد في حالة توقع ورؤية واضحة ثابتة واستعداد للتعامل معها ومع نتائجها وآثارها العديدة، رغم الدراسات والرؤى والاستراتيجيات والندوات واللجان والسياسات والتوصيات…التي بدأت مبكرا في مطلع الثمانينيات وكان محورها الأساسي وأولوية غاياتها تحقيق سياسات تنويع مصادر الدخل وتعزيز الموارد واستثمار المقدرات وتنمية القطاعات الاقتصادية العديدة، السياحية والسمكية والبشرية والصناعية والمعرفة والمعادن والمحاجر والموقع الاستراتيجي وتهيئة البنى التحتية والمشاريع الإنمائية وخاصة الموانئ والمطارات والطرق والمصانع لتحقيق تلك الرؤى … والمضي في تنفيذ برنامج زمني يحقق هدف الاستغناء التدريجي عن النفط، مع ما رافق تلك الجهود آنذاك من شعور طاغٍ بخطورة اعتماد اقتصاد البلاد على مورد واحد معرض للنضوب والتلاعبات والتجاذبات السياسية وتذبذب أسعاره في أسواق العالم. وما زلت أذكر خلال مشاركاتي في عدد من لجان المجلس الاستشاري توقعات الخبراء والاقتصاديين بتوقع نضوب النفط ما بين 2018 – 2025م. فهل يمكن أن ندعي بعد ذلك أن الخطط والبرامج والسياسات والشعارات التي أطلقت عبر العقود الماضية وما زالت تطلق من قبل مسئولينا ووزراء الحكومة في مختلف مؤسساتها في قاعات المجلسين الاستشاري للدولة والشورى والمضمنة في الموازنات السنوية والخطط الخمسية ورؤية 2020، واستراتيجيات التعليم والسياحة والقطاعات الاقتصادية الأخرى تحقق أهدافها وتسير وفقا لما هو مخطط لها، وأدت إلى الرضا المجتمعي، وقادرة على الحفاظ على مستوى معيشته، وكانت على درجة عالية من الاستعداد مع أية محنة تتعرض لها أسعار النفط كما حدث الآن؟ وهل حققت القطاعات الإنتاجية الرئيسة التي يعول عليها في تنويع مصادر الدخل الوطني النسب المستهدفة لمساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد خلال الخطط الخمسية المتعاقبة التي أعدت في إطار الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني (عمان2020)؟؟ وأين نقف من تحقيق الهدف الرئيسي للرؤية القاضي بأن تتراجع نسبة مساهمة النفط الخام إلى 9% فقط من الناتج المحلي بحلول عام 2020م، ونحن على أعقاب الخطة الخمسية الأخيرة من هذه الرؤية؟؟ ألا يحق لنا بعد عقود من الحديث عن الخطط والبرامج الهادفة إلى تنويع مصادر الاقتصاد الوطني أن نتساءل عن مدى ما تحقق من تغيير في هيكل اقتصادنا في اتجاه رفع مساهمات القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي للبلاد بما يمكنها من أن تحل محل النفط أو تقليل الاعتماد عليه، على الأقل؟ أم أننا ما زلنا وسنظل للأسف الشديد معرضين لمخاطر تقلبات أسعاره إلى أمد غير معلوم؟ إن الحقيقة الماثلة أمامنا ـ والتي سنستعرضها بشيء من التفصيل في الأجزاء الأخرى من هذا المقال ـ تؤكد أننا ـ وللأسف الشديد ـ لم نتمكن من تحرير الاقتصاد الوطني على مدى العقود الأربعة الماضية من قيود الاعتماد على الإيرادات النفطية، فظل رهينة لتقلبات أسعاره التي تخضع لظروف وأسباب عالمية، وتعتمد على نسب العرض والطلب وحجم ونمو اقتصاديات الدول الكبرى وسياساتها القائمة على المصالح والصراع فيما بينها، ورغم سنوات الرخاء التي شهدت ارتفاعا في أسعار النفط، إلا أن تلك الخطط والسياسات لم تنجح في استثمار فوائض الأموال المحصلة منه في تنمية القطاعات الأخرى البشرية والصناعية والسياحية والسمكية وتوظيف الموانئ المطلة على الشواطئ والمواقع الاستراتيجية على بحر عمان وبحر العرب والمحيط الهندي حتى الآن على أقل تقدير؟ ورغم التوسع في برامج وإقامة وتنفيذ المشاريع الخدمية ودعم قطاعات الصحة والتعليم والإسكان والكهرباء والماء وغيرها، إلا أننا في المقابل لم نحدث ونطور سياسات وآليات وأنظمة متقدمة للتوظيف ولم نربطها بقيم المنافسة الشريفة والكفاءة والجودة، ما أدى إلى إشكالات وتحديات عديدة في سوق يقوم على منافسة ومزاحمة الأجنبي واستحواذه على معظم القطاعات والأنشطة وعلى التجارة المستترة، ولم تستهدف الموازنات والخطط أو أنها لم تقرن الأرقام والأهداف بآليات تنفيذ واضحة ودقيقة أو أنها أخفقت في إقامة مشاريع صناعية وتجارية وسياحية، وتطوير برامج التعليم وتنظيم سوق العمل بما يكفل قيام تنمية مستدامة تتسم بالشمولية، وتبتغي رفع الإنتاجية وزيادة الكفاءة والنمو الاقتصادي وتوليد فرص عمل حقيقية، وتعزز أنشطة البحث واستخدام وتوظيف التكنولوجيا، وتحسين أداء المؤسسات وتحويل المجتمع إلى مجتمع معلوماتي، وإعداد وتشجيع سياسات وطنية للابتكار والإبداع .
فأين يا ترى يكمن الخلل؟ هل في ضعف إمكانات وقدرات المسئولين والوزراء الحكوميين أو بعضهم؟ أم في الآليات والسياسات والخطط والاستراتيجيات التي تم الإعلان عنها أم في مراحل التنفيذ وعدم ربطها بخطوات عملية دقيقة؟ هل في الجهاز الإداري للدولة من حيث (الترهل والتضخم وسوء الإدارة وتداخل الاختصاصات…) وضعف العمل المؤسسي في مجالات (التشريع والرقابة والمحاسبة) أم أن الخلل في المواطن (الموظف) و(العامل) و(المتلقي) و(الطرف) الأهم، كونه هدف التنمية ومحورها وتقع عليه الكثير من الأعباء والمسئوليات في تحقيق تلك الخطط والسياسات والبرامج التي تهدف في الأساس إلى إسعاده وتحقيق تطلعاته، والحفاظ على مكتسباته وتنمية دخله. فلم يكن على قدر المسئولية والكفاءة لخلل في الثقافة أو التعليم أو الوعي العام، فكان عليه أن يكون متفهما واعيا مدركا مساهما في تحقيق الأهداف والغايات، وأن يشارك بفاعلية وقوة وكفاءة في جميع حقول العمل ومؤسسات الدولة لتنفيذ المضامين والمحاور التي تضمنتها تلكم الخطط والبرامج، بدلا من التبرم والنقد الحاد والتهجم على المسئولين والمطالبة بزيادة الرواتب والمستحقات المادية وتغليب المصالح الشخصية والسلبية في المبادرات وتقديم الأفكار والمقترحات…، وإن كان ذلك كذلك فمن المسئول عن سياسات وخطط التعليم وتصميم وإعداد البرامج التوعوية ودعم الثقافة والآداب والمبدعين والبحث العلمي… وتشجيعها وإشراك المواطن في صناعة واتخاذ القرار وتعزيز دوره الوطني والتواصل والتحاور معه؟ ومن الذي أسس وعزز ثقافة المصالح الفردية واستفرد بصناعة القرار وتكسب من المنصب وأثرى من الوظيفة؟ هل نحتاج إلى برلمان لديه صلاحيات تشريعية ورقابية كاملة قادر على القيام بالدور التشريعي والرقابي وإلى رئيس لمجلس الوزراء لضمان إخضاع السلطة التنفيذية وتهيئتها لرقابة البرلمان، وذلك على غرار العديد من الأنظمة الملكية في العالم العربي والعالم، وإصلاح الهيكل الإداري للدولة لنتمكن في المقابل من تحقيق نهضة تعليمية ونمو اقتصادي وازدهار اجتماعي؟ الأسئلة واسعة ومتداخلة والإجابات تحتاج إلى دراسات وجهود ومراكز بحث متخصص. المشهد الوطني بكل تجلياته ومساراته وتبدلاته التي فرضتها ظروف وتطورات محلية ـ إقليمية وعالمية، سياسية ـ ثقافية ـ اجتماعية ـ اقتصادية ـ علمية ـ وإعلامية، يحتاج إلى مراكز بحثية ودراسات تحليلية متخصصة لرصد تلك التبدلات في الأنماط والثقافة العامة ومستويات الرضا، والتعرف على تخوفات المجتمع ومنابع قلقه ومستويات معيشته، وعلى الأسباب والعوامل ومعالجة الإشكالات وأوجه الخلل، وتقديم التوصيات والرؤى القائمة على بيانات وتحليلات وقراءات دقيقة للمشهد بكل تجلياته وشموليته. ومن الأهمية بعد مرور أكثر من خمسة وأربعين عاما على انطلاقة نهضة عمان الحديثة أن نعجل في إنشاء جهاز لتقييم ومحاسبة المسئولين في الجهاز الحكومي على أدائهم وإنجازاتهم ومشاريعهم ووعودهم التي يطلقونها …
لقد تابعت خلال هذه الفترة عبر وسائل التواصل الاجتماعي الكثير من النقاشات والمداخلات والملاحظات والتعليقات والتسجيلات والمقاطع الساخرة، والمقارنات مع دول أخرى فيما يتعلق بنوعية وتكلفة وجودة ومدد إنجاز المشاريع … والتي اتسمت في معظمها بالنقد الحاد والترصد لأي تصريح رسمي أو إسقاط تصريح سابق على لاحق وإبراز أوجه التباين بينهما لاستخلاص الخلل والقصور، وعدم الالتزام والهجوم المتواصل من قبل شريحة واسعة من المواطنين، وجل هؤلاء ـ كما نعلم ـ من الشباب المفعم بالحيوية والنشاط على مختلف القطاعات والمسئولين والتجار ورجال الأعمال والأغنياء، على شبكات: المياه ـ الكهرباء ـ الاتصالات، والقائمين والمشرفين عليها بسبب الانقطاعات المتواصلة، والتنبيهات شبه اليومية حول انكسار أنبوب هنا وآخر هناك، ورداءة الخدمة وضعف الشبكة وارتفاع الأسعار. ولا ننسى أن موضوع تسعيرة النفط في السوق المحلي باتت مادة شهرية خصبة للإشاعة التي تنفيها وزارة النفط، والسخط والتبرم للارتفاع المتواصل لسعر اللتر، وصناعة وإنتاج النكتة. ويقول كير كيغارد (إذا بدأ أي شعب بإنتاج وصناعة النكتة فاعلم أنه بدأ يشعر بالجوع والفقر)، والتعبير عن القلق والخوف من موجة ارتفاع في أسعار السلع الاستهلاكية… بل وصل الأمر درجة من الخطورة أن أي رأي يخالف الجمهور أو يخرج عن السائد نقدا وهجوما سيجد هذا الرأي نفسه في دائرة المحاكمة والاتهام بالتخوين والتملق والتزلف للحكومة أو المسئولين أو الأغنياء والتجار… وبسبب هذه الظروف غير العادية في مجتمعنا التي ولا شك لها ـ أسبابها وجذورها التي تحتاج كما أسلفت إلى دراسة شاملة ـ والأوضاع الاقتصادية التي تمر بها البلاد، وحالة القلق الواسعة والضغط الشعبي غير المسبوق، شعرت بالكثير من القلق من التعليمات والقرارات والتوصيات والدراسات والتصويتات والتعاميم والمنشورات والأحكام القضائية التي تتخذ وتصدر في مرحلة حساسة وضاغطة وتحديات اقتصادية عميقة… فلدينا شركات صغيرة ومتوسطة تواجه تحديات كبيرة في ظل سياسات التقشف وعجوزات الميزانية والضرائب التي ترتفع وتراجع المشاريع الحكومية، باحثين عن عمل ترتفع أعدادهم سنويا في وقت شحت فيه الفرص والقطاع العام غير قادر على التوظيف والقطاع الخاص يعاني وقد يستغني عن العديد من موظفيه، ترقيات بين مسحوبة وموقوفة وإشكالات إدارية واسعة في القطاعين الحكومي والخاص في ظل تعدد اللوائح والأنظمة والامتيازات وصناديق التقاعد، اعتصامات واحتجاجات من قبل موظفين في هذا القطاع أو تلك المؤسسة على امتيازات فقدت ووعود لم تنفذ وترقيات سحبت، مسئولين قيدت مسئولياتهم فيما يتعلق بالترقيات والمكافآت، وهو ما سوف يؤدي إلى ضعف الجهاز الإداري وتدني الخدمات، ضغوطات معيشية كثيرة تواجه المواطن، مجتمع قلق وضاغط، جهات اختصاص غير قادرة على التعامل مع الوضع إلا بإطلاق المزيد من الخطط والبرامج والاستراتيجيات والوعود والتصريحات والبيانات الهلامية، وقطاعات ومشاريع تتطلب أموالا واستثمارات وسنوات من العمل والجهد والتعاون والمشاركة كي تؤتي أكلها وتتمكن من الإسهام في الاقتصاد الوطني… تحديات وإشكالات عديدة تنذر بالتفاقم والتمدد والتأزم إن لم تواجه بإصلاحات هيكلية شاملة في مختلف القطاعات الإدارية ـ التعليمية ـ الاقتصادية ـ العمل المؤسسي ـ الإعلام… وهو ما سوف تتناوله الأجزاء القادمة من هذه السلسلة من المقالات التي تسعى ما أمكنني ذلك إلى تشخيص أسباب هذا الواقع، وتقديم بعض الرؤى والملاحظات، مؤكدا كذلك أهمية قراءتها وتقييمها وطرح وجهة النظر بشأنها في إطار العناوين والمحاور الكلية للمقال؛ لكي تتضح الصورة للقارئ والمتابع من كل زوايا وجوانب المشهد، وعدم الاقتصار على جزء منه فقط وإلا جاء الرأي ناقصا .

إلى الأعلى