السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : فـي التقارب الإسرائيلي الإفريقي

في الحدث : فـي التقارب الإسرائيلي الإفريقي

طارق أشقر

أثارت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منتصف الأسبوع الماضي إلى أربع دول إفريقية، اهتمام الكثير من السياسيين والمراقبين لمسار الصراع العربي الإسرائيلي وتداعياته على العلاقات الدولية بالمنطقتين العربية والإفريقية. فيما حصر البعض نفسه في إطار التفكير بأن زيارة رمز الدولة العبرية إلى إفريقيا هدفها الأول والأخير عودة إسرائيل إلى مخطط استراتيجي قديم يعرف باسم (حلف الأطراف) يهدف إلى احتواء الطوق الإفريقي للدول العربية عله يؤثر على الصراع العريي ـ الإسرائيلي الذي (كان) عسكريا وسياسيا في حقبة السبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي.

ومع انحسار ذلك الصراع وتقوقعه في إطار إعلامي يحسبه البعض بأنه ربما يكون الأكثر فاعلية في الوقت الحالي؛ كونه أصبح من ضمن موجهات الدبلوماسية العربية التي ما زالت نشطة في ساحة المنظمات الدولية كمنظمات الأمم المتحدة بمختلف مسمياتها والمنظمات الأخرى الآسيوية والإفريقية التي للعرب فيها بعض التأثير، فقد بدأ بعض البراجماتيين من المراقبين قراءات مختلفة لزيارة نتنياهو الإفريقية التي شملت كلا من أوغندا وكينيا ورواندا وأثيوبيا، وذلك على الرغم من أن كافة هذه الدول تقع جغرافيا ضمن دول حوض النيل، حيث تحتضن منابع كل من النيل الأبيض والأزرق المكونين الرئيسين لنهر النيل المغذي الرئيسي للحياة في السودان ومصر اللتين تعتبران ضمن أبرز الأعداء التقليديين لإسرائيل.
ورغم أن العامل الجيوسياسي الذي يحكمه الموقع الجغرافي لهذه الدول الإفريقية الأربع التي استهدفتها إسرائيل بالتنشيط الدبلوماسي، يعتبر العامل الأكثر إغراء للمحللين للأخذ بنظرية (المؤامرة السياسية) ليتعمقوا ويبحروا في التحليل بأن محاصرة مصر والسودان من الجنوب والشرق هي المبتغى الإسرائيلي الأكبر، غير أن الحداثيين البراجماتيين في التحليل السياسي يرون غير ذلك، بل يدعون إلى الانفكاك من الجمود في قراءة الأحداث السياسية، خصوصا وأن الإضرار بمصر والسودان عبر البوابة الإفريقية قد لا يكون الأكثر تأثيرا في المرحلة الحالية، وأن يد العدو الإسرائيلي أطول وأقدر للوصول إلى أهدافها أن أرادت خصوصا في هذا الزمن الرديء.
وعليه يرى (الحداثيون) في التحليل السياسي إن صح التعبير والمصطلح، بأن الزيارة الإسرائيلية إلى إفريقيا هدفها ومنطلقها فلسطينيا في إطاره الضيق وليس عربيا في نطاقه الأوسع، وقد يجرؤ البعض ليقولوا بأن منطلقها محليا داخليا، وذلك إذا اقتنعنا بأن الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني بدأ تأثيره في الداخل الإسرائيلي يأخذ حيزا أكبر مما كان عليه الصراع موصوفا بالصراع العربي ـ الإسرائيلي .. ولكن كيف؟
إن الإجابة على كيف هنا يمكن استخلاصها من خلال ما حصلت عليه دولة فلسطين من اعتراف دولي واسع امتدت جغرافيته حتى دول أميركا الجنوبية اللاتينية وأوروبا وآسيا، بالإضافة إلى التأييد التاريخي التقليدي القديم في المنطقة العربية، بل تم تتويج ذلك برفع العلم الفلسطيني في مقر منظمة الأمم المتحدة في نيويورك جنبا إلى جنب العلم الإسرائيلي، فضلا عن أن الموافقة الأممية بشأن عضوية (دولة) فلسطين، وبغض النظر عن ما إن كانت عضوية كاملة أو ناقصة، أكسبت الفلسطينيين قدرة أكبر على التحرك الدبلوماسي على مستوى المنظمات الدولية لمواجهة دولة إسرائيل دبلوماسيا في تلك الساحة.
لقد دفع هذا الوضع الفلسطيني الجديد بإسرائيل أن تولي اهتماما أكبر بالساحة الدبلوماسية والسياسية في المنظمات الدولية، فسعت إلى (تكبير كومها) من الدول الإفريقية لتواجه به التكتل العربي الفلسطيني المدعوم بالإعلام العربي وبعض الإعلام الغربي المناصر للحق الفلسطيني في الحياة، مستفيدة في ذلك من التجاهل العربي للقضايا الاقتصادية الإفريقية الملحة، وذلك في وقت تأتي فيه العلاقات الإفريقية ـ العربية في ذيل اهتمامات الدبلوماسية العربية.
وما يدعم هذا التحليل البراجماتي أو ما نسميه الحداثي في قراءة الزيارة الإسرائيلية إلى دول حوض النيل الأربع في إفريقيا منتصف الأسبوع الماضي، هو فوز إسرائيل في يونيو الماضي برئاسة اللجنة القانونية في الأمم المتحدة وذلك بعد جهد جهيد خلال عمليات التصويت، حيث وجدت إسرائيل بأنها رغم بعض التغيير الذي طرأ على تركيبة الكتلة العربية، إلا أنها ما زالت في حاجة إلى مناصرين لها في المنظمات الدولية التي أصبحت الساحة الأكبر للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني بعد المكاسب الفلسطينية الجديدة التي تأتت بعد توسع دائرة الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، ما أشعر إسرائيل بالخوف أكثر من الفلسطينيين، خصوصا وأنها أي إسرائيل كانت حتى وقت قريب تعول على تلك المنظمات لما كانت تجده فيها من مساندة أميركية وأوروبية أساسها الفيتو الأميركي.
فضلا عن كل ذلك فقد تناقلت الأنباء تصريحا لنتنياهو خلال زيارته الأخيرة إلى كينيا بأنه يأمل في انضمام إسرائيل إلى الاتحاد الإفريقي كعضو مراقب، فهو عشم لا يخلو من فوائد سياسية دبلوماسية لصالح إسرائيل أن تحقق مرادها، خصوصا وأن دول الاتحاد الإفريقي يعرف عنها مساندتها السياسية لبعضها في الساحات الدبلوماسية، وعلى الأقل في إطار قمم الاتحاد نفسه.
وعليه فإن الهدف الأرجح في التقارب الإسرائيلي ـ الإفريقي هو دبلوماسي سياسي بالنسبة لإسرائيل لتتقوى به في مواجهة الفلسطينيين في المنظمات الدولية خصوصا بعد المكانة الجديدة التي اكتسبها الفلسطينيون دوليا وأمميا. واقتصادي بالدرجة الأولى بالنسبة للدول الإفريقية الأربع التي هي بالضرورة في أمس الحاجة إلى الدعم الفني والتكنولوجي والاستثماري الذي تحلم بأن تقدمه لها إسرائيل بعد أن تجاهلها العرب طيلة العقود الماضية.

طارق أشقر
من أسرة تحرير الوطن
ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى