الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ماذا استفدت من رمضان؟

ماذا استفدت من رمضان؟

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
ها نحن ودعنا رمضان المبارك .. ونهاره الجميل ولياليه العطره، فماذا جنينا من ثماره اليانعة, وظلاله الوارقه؟! هل تحققنا بالتقوى .. وتخرجنا من مدرسه رمضان بشهادة المتقين؟! هل تعلمنا فيه الصبر والمصابرة على الطاعة, وعن المعصية ؟!هل ربينا فيه أنفسنا على الجهاد بأنواعه؟! هل جاهدنا أنفسنا وشهواتنا وانتصرنا عليها؟! هل غلبتنا العادات والتقاليد السيئة ؟! هل .. هل .. هل..؟! أسئلة كثيرة .. تتداعى على قلب كل مُسلم صادق .. يسأل نفسه ويجيبها بصدق وصراحة .. ماذا استفدت من رمضان؟ أنه مدرسة إيمانية .. إنه محطة روحيه للتزود منه لبقية العام .. ولشحذ الهمم بقيه الغمر .. فمتى يتعظ ويعتبر ويستفيد ويتغير ويُغير من حياته من لم يفعل ذلك في رمضان ؟!إنه بحق مدرسة للتغيير .. نُغير فيه من أعمالنا وسلوكنا وعاداتنا وأخلاقنا المخالفة لشرع الله ـ جل وعلا:(.. إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ..) (الرعد ـ 11).

يقول النبي (صلى الله عليه وسلم):(من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) وقال:(من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، وقال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) .. هل قُبِل صيامكم وقيامكم أم لا؟!.
إن الفائزين في رمضان, كانوا في نهارهم صائمون, وفي ليلهم ساجدون, بكاءٌ خشوعٌ, وفي الغروب والأسحار تسبيح, وتهليل, وذكرٌ, واستغفار, ما تركوا باباً من أبواب الخير إلا ولجوه, ولكنهم مع ذلك, قلوبهم وجله وخائفة ..!.
لا يدرون هل قُبلت أعمالهم أم لم تقُبل؟ وهل كانت خالصة لوجه الله أم لا؟ فلقد كان السلف الصالحون يحملون هّم قبول العمل أكثر من العمل نفسه, قال تعالى:
(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون ـ 60)،
هذه هي صفة من أوصاف المؤمنين أي: يعطون العطاء من زكاةٍ وصدقة، ويتقربون بأنواع القربات من أفعال الخير والبر وهم يخافون أن لا تقبل منهم أعمالهم، وقال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): كونوا لقبول العمل أشد أهتماماً من العمل, ألم تسمعوا قول الله عز وجل:(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين) (المائدة ـ 27) َفمن منا أشغله هذا الهاجس! قبول العمل أو رده, في هذه الأيام؟ ومن منا لهج لسانه بالدعاء أن يتقبل الله منه رمضان؟ فلقد كان السلف الصالح يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان, ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم .. نسأل الله أن نكون من هؤلاء الفائزين .
من علامات قبول العمل:
1 ـ الحسنة بعد الحسنة فإتيان المسلمون بعد رمضان بالطاعات, والقُربات والمحافظة عليها دليل على رضا الله عن العبد, وإذا رضي الله عن العبد وفقه إلى عمل الطاعة وترك المعصية.
2 ـ انشراح الصدر للعبادة والشعور بلذة الطاعة وحلاوة الإيمان, والفرح بتقديم الخير, حيث أن المؤمن هو الذي تسره حسنته وتسوءه سيئته.
3 ـ التوبة من الذنوب الماضية من أعظم العلامات الدالة على رضى الله تعالى.
4 ـ الخوف من عدم قبول الأعمال في هذا الشهر الفضيل.
5 ـ الغيرة للدين والغضب إذا أنتُهكت حُرمات الله والعمل للإسلام بحرارة, وبذل الجهد والمال في الدعوة إلى الله.
من تخرّج من مدرسة رمضان أن يتخرّج بالتّقوى الّتي لأجلها شرع الصّيام؛ والّتي حقيقتها ألّا يجدك الله حيث نهاك، وألّا يفقدك حيث أمرك، وهذا يقتضي ممّن حفظ جوارحه في رمضان من الذّنوب والآثام، ومن اللّغو والرّفث وفضول الكلام أن يحفظ تلك الجوارح من ذلك في سائر شهور العام، كما يقتضي ممّن تعوّد في رمضان على الصّيام والقيام؛ أن يداوم عليهما في غيره من اللّيالي والأيّام وذلك لأنّ ربّ الشّهور واحد، وهو على أعمالنا مطّلع وشاهد، وهذه الشّهور وتلك الأيّام هي مواقيتُ للأعمال، ومقادير للآجال، وهي تمضي جميعاً، وتنقضي سريعاً، والذي أوجدها وابتدعها، وخصّها بالفضائل وأودعها؛ باق لا يزول، ودائم لا يحول، وهو يدعونا إلى عبادته صباح مساء؛ فلنكن من عباده الطّائعين الأتقياء، لا من العصاة الأشقياء فإنّ طاعة الله سبحانه وترك معصيته واجبةٌ على الدّوام حتّى نلقى ربّنا بسلام، كما قال تعالى حكاية عن عيسى ـ عليه السّلام:(وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) (مريم ـ31).
وقال تعالى:(وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر ـ 99)، وروى أحمد في (الزّهد) عن الحسن البصريّ قال:(أيْ قوم! المداومة، والله ما المؤمن الذي يعمل شهراً أو شهرين، أو عاماً أو عامين؛ لاَ والله! ما جعل الله لعمل المؤمن أجلاً دون الموت).
ألا فالزم يا رعاك الله! ما هداك الله إليه في رمضان من العمل الصّالح، واحذر الرّجوع إلى المخالفات والقبائح فإنّه لا ينبغي للمؤمن أن ينقطع عن صالح العمل إلا بحلول الأجل ولهذا قال (صلّى الله عليه وسلّم) كما في الصّحيحين:(أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ)، وكان من هديه ـ عليه الصّلاة والسّلام ـ المداومة على العمل الصّالح في سائر الأيّام، ففي (صحيح مسلم) عن عائشة رضي الله عنها قالت:(كَانَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ مَرِضَ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً).
وهكذا كان النّبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) يحثُّ أصحابه على الثّبات على الطّاعات، والمداومة على فعل القربات في جميع الأزمان وسائر الأوقات ليثقل ميزانهم بالحسنات، ويزدادوا قربا من ربّ الأرض والسماوات.

*(المصدر: من عدة مراجع).

إلى الأعلى