الأحد 17 ديسمبر 2017 م - ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / السياسة / أضواء كاشفة

أضواء كاشفة

ناصر اليحمدي

حتى لا تنقرض عاداتنا الجميلة في زمن التكنولوجيا
انتهى العيد .. وكل عام وشعبنا الوفي وبلادنا الجميلة ووطنا العربي وأمتنا الإسلامية جميعها بألف خير وازدهار وسعادة .. وعاد كل منا إلى عمله ليزاول حياته مرة أخرى بشكل تقليدي كما كان قبل حلول الضيف العزيز رمضان .. ولقد استمتع كل منا بالعيد ومظاهره الجميلة، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه: هل عاش كل منا فرحة العيد كما كانت في السابق؟ وهل تأثرت مظاهره بالحداثة وتطور وسائل الاتصال؟
نحن لا ننكر أن المجتمع العماني ـ ولله الحمد ـ ما زال يحرص على الحفاظ على كثير من عاداته وتقاليده الأصيلة في الاحتفال بالعيد مثل تبادل الزيارات بين الأقارب والأرحام بصفة عامة والجيران والتجمع في المجالس العامة، وتناول القهوة والحلوى، إلى جانب إعداد الوجبات التي ارتبطت بهذه المناسبة مثل: العرسية والهريس والشواء والمكبوس مع اللحم .. كما قدمت فرق الفنون الشعبية رقصات شعبية وأهازيج من الموروث العماني الأصيل، وأقيمت استعراضات لفنون الخيل والهجن، إلى جانب ارتداء الصغار والكبار من النساء والرجال ملابس جديدة ذات ألوان مبهجة .. بالإضافة إلى تبادل الهدايا والعيديات وغيرها من المظاهر والعادات الصامدة في وجه الزمن لا تتغير والتي تعكس حرص شعبنا الوفي على تقاليده الأصيلة.
بالطبع كل هذه المظاهر الأصيلة لا ينساها أي منا وستظل محفورة في الذاكرة ونحرص جميعا على القيام بها كل عيد، لكن هذا لا يمنع أنه طرأ على عاداتنا بعض التغيير نتيجة التطور الطبيعي للمجتمع، فالمجمعات التجارية والمولات والمطاعم ومراكز التسوق استقطبت كثيرا من شبابنا الذي ذهب ليقضي عيده بها، وهي عادة لم تكن موجودة في الماضي إلى جانب أن تطور وسائل الاتصالات والتواصل الاجتماعي كالهاتف النقال والواتس أب وتويتر وفيس بوك وغيرها ساهمت في أن يكتفي البعض بتقديم التهنئة عبرها لكثير من الأقارب والأصدقاء، وليس بتبادل الزيارات شخصيا كما كان في السابق بالرغم من أن السيارات قربت المسافات وسهلت التنقل.
لا شك أن استغلال وسائل التكنولوجيا الحديثة شيء محمود ومطلوب لمواكبة تطورات العصر، إلا أنه يجب ألا ندعها تنسينا بعض تقاليدنا الأصيلة ونكتفي بمجرد الاتصال لصلة الأرحام وتأدية الواجبات الاجتماعية والتقارب والوقوف على أحوال الأقارب.
إننا بحاجة لأن نجمع بين الأصالة والمعاصرة بحيث تساهم التقنية الحديثة في تقوية ترابطنا ووحدتنا لا تباعدنا وفرقتنا خاصة أن دوامة مشاكل الحياة والعمل واللهث وراء لقمة العيش وانفصال الأبناء عن الآباء في منازل جديدة جعل كثيرا من الناس ينشغلون عن تقوية ترابطهم العائلي فصاروا يكتفون بالسؤال إلكترونيا.
قد يقول البعض إن وسائل الاتصال الحديثة تساعد على زيادة التواصل الاجتماعي لأنها تجعل الإنسان يصل لأكبر عدد من الأقارب والأصدقاء وهو في مكانه، بل جعلته يتعرف على مجتمعات جديدة على مسافات بعيدة منه بضغطة زر فيتواصل معهم ويقف على أحوالهم .. قد يكون هذا صحيحا بعض الشيء، لكن لا يمنع أنها ساعدت على اغتراب الإنسان داخل مجتمعه حتى يمكن القول إن صلة الرحم أصبحت إلكترونية في زمن أصبح فيه كل شيء إلكترونيا، وهذا بلا شك أثر على الإنسان نفسيا فأصبح يشعر بالعزلة والاغتراب داخل مجتمعه؛ لأن التواصل عبر التكنولوجيا يفتقد إلى الدفء الذي يشعر به الإنسان عند اللقاء .. لذلك لا يجب التكاسل والاكتفاء بالتواصل إلكترونيا واعتبارها الأساس في التواصل الاجتماعي، بل هي مجرد مكمل للصورة التي يجب أن يكون عليها التواصل حتى لا تنقرض عاداتنا الجميلة في زمن التكنولوجيا.
إن العيد جائزة الله للصائمين ويجب أن نحافظ عليه سعيدا ومبهجا للصغير والكبير بالحرص على عاداتنا وتقاليدنا الأصيلة حتى يحتفظ العيد بطعمه المميز لا يغيره الزمن.

* * *
حق العراق ضاع في تقرير تشيلكوت

أخيرا خرج إلى النور تقرير جون تشيلكوت رئيس اللجنة البريطانية المكلفة بالتحقيق في النزاع العراقي الذي ينتظره العالم على أحر من الجمر منذ سبعة أعوام .. فقد اعتقد العراقيون بأن تشيلكوت سينصفهم ويعيد لهم حقهم ويثأر ممن قام بتدمير بلدهم وقتل وتشريد شعبهم ونشر الفوضى في مجتمعهم .. لكن اللوم والانتقاد الذي جاء بالتقرير كان مغلفا بالمبررات حتى يمكن القول إن الألفاظ عائمة وغير محددة في بعض الأحيان.
لقد ألقى التقرير اللائمة على توني بلير رئيس الوزراء البريطاني آنذاك وقال إنه وعد الرئيس الأميركي جورج بوش “بالوقوف معه مهما حصل” ووجه انتقادات للتخطيط للحرب، مشيرا إلى أن مشاركة بريطانيا في غزو العراق كان يحتاج لأسس قانون مرضية، وأن بلير بالغ في الحجج التي ساقها للتحرك العسكري حيث إن المعلومات بشأن أسلحة الدمار الشامل المزعومة قُبلت دون تفنيد .. وأكد أن بريطانيا اجتاحت العراق بدون أن تحاول “استنفاد كل الفرص” السلمية، وأن العمل العسكري لم يكن حتميا .. إلى آخر التحليلات التي ذكرها التقرير وتناقلتها وسائل الإعلام المختلفة.
رغم أن هذا التقرير يتهم توني بلير بأنه ضلل الشعب البريطاني لأنه كان على دراية كاملة بأن العراق لم يكن يملك أسلحة دمار شامل، ومع ذلك شارك في الغزو الذي ما زال يتجرع مرارته حتى الآن الشعب العراقي الشقيق، إلا أنه لم يُدِنْه بشكل مباشر بانتهاك القانون الدولي .. فالتهم جميعها لا تتعدى الانتقاد اللاذع أو اللوم الذي لا يحمل صاحبها مسئولية قانونية .. وهو ما يجعلنا نتساءل: كيف سيحصل العراقيون على حقوقهم وليس هناك مسئولية قانونية على من قام بغزوهم وتدميرهم؟.. وما فائدة التقرير إذا كان لا يحمل إدانة صريحة؟
لا شك أن غزو العراق هو السبب فيما تعانيه المنطقة من فوضى وعنف .. فقد قام تحالف الشر أميركا وبريطانيا بنشر الطائفية والمذهبية بين أبناء الشعب العراقي الذين لم يكن يعرفون لها سبيلا طوال عهد صدام حسين .. وإذا كان صدام طاغية وديكتاتورا ـ حسب توصيف أعدائه ـ إلا أنه استطاع أن يوفر لبلاده الاستقرار والأمان من الصراع الطائفي إلى أن جاء الأميركان والإنجليز ليشعلوا نار الفتنة التي لم تنطفئ جذوتها حتى الآن وخرج من رحمها التنظيمات المتشددة التي أصبحت تهدد العالم أجمع وليس العراق وحده.
إن بلير يبدو عليه الندم على ما فعله في حق العراق بدليل قوله للجنة التحقيق إن بريطانيا لم تكن لتتنبأ بالصعوبات التي واجهتها قواتها في العراق بعد الغزو .. لكن تشيلكوت رد عليه بأن ما تعانيه بلاد الرافدين من نزاع داخلي وتفاقم نشاط القاعدة وكافة الاضطرابات التي أصابت المنطقة كلها كانت متوقعة قبل الغزو بوضوح؛ أي أنها مقصودة ومتعمدة والهدف منها هو نشر الفوضى وعدم الاستقرار في أمتنا العربية والإسلامية.
السؤال الذي يفرض نفسه: وماذا بعد تقرير تشيلكوت؟.. هل ستعيد إدانة بلير وبوش الاستقرار للعراق وتمنح الضحايا وأهلهم التعويضات المناسبة؟
الجميع يرى أن توني بلير عليه الاعتذار عن أخطائه، ولكن هل الاعتذار كافٍ.. وبهذه السهولة ينتهي الأمر بأنه كان غلطة وعلى بلير الاعتذار وعلى العراقيين التسامح؟
بالتأكيد لا يجب أن يقف الأمر عند هذا الحد، فما حدث للعراقيين من قتل وتشريد ودمار وأمراض وحرمان من التعليم وفتنة تضرب أبنائه وإرهاب يهدد حياتهم يجب أن يحاسب المسئول عنه حسابا عسيرا ليكون عبرة لكل دولة تسول لها نفسها الاعتداء ظلما على غيرها .. ولكن هل من منفذ للعدل والحق في الأرض؟.. فالدولتان أميركا وبريطانيا كبريان ولن تحاسبا لأنهما فوق القانون.
في رأيي أن تشيلكوت أجهد نفسه وأتعب حاله دون مقابل لأن التقرير الطويل الذي يتألف من 206 مليون كلمة والذي لم يدن المجرمين صراحة سيكون مصيره الأدراج وأرفف المكتبات، أما التطبيق على أرض الواقع فلن يكون من نصيبه .. ولا عزاء للعراقيين.

* * *

حروف جريئة
مواطن عراقي كان قد تم تصويره وهو يحطم تمثال صدام حسين بمطرقة أثناء الغزو الأميركي أعرب حاليا عن ندمه على فعلته وقال إن العراق كان أفضل حالا تحت حكم صدام .. ولكن بماذا يفيد الندم على اللبن المسكوب؟
الرئيس الأميركي باراك أوباما تعهد بمناسبة عيد الفطر بحماية مسلمي أميركا في مختلف أنحاء الولايات المتحدة من موجات الإسلاموفوبيا .. أفلح إن صدق.

* * *
مسك الختام
قال تعالى: “ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى”.

إلى الأعلى