الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إسرائيل وسد الفراغ المصري في إفريقيا

إسرائيل وسد الفراغ المصري في إفريقيا

السيد عبد العليم

لقد انشغلت الأنظمة العربية عن إسرائيل حتى صارت عملاقة في المنطقة، في الوقت الذي تجاهلت فيه مصر والبلدان العربية البلدان الإفريقية حتى صارت غريبة عنها، فلم تقدم لها استثمارات أو تقيم معها علاقات تجارية واقتصادية، مع أن هذه العلاقات تعمل لصالح البلدان العربية وفي مقدمتها مصر.

جاءت الجولة التي قام بها قبل أيام رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي في بلدان حوض النيل الإفريقية لتظهر مدى تراجع الدور المصري خاصة والعربي عموما في القارة السوداء ومدى تغول السياسة الإسرائيلية فيها.
كان لمصر دور كبير في إفريقيا خلال العقود الماضية ولا سيما خلال سنوات التحرر الوطني، حيث ساعدت مصر أغلب بلدان إفريقيا في نيل استقلالها وتحررها من الاستعمار الغربي. وبقي الدور المصري في تلك البلدان قويا. وكان فيها منصب وزير الدولة للشئون الخارجية والذي تولاه لفترة طويلة الدكتور بطرس بطرس غالي والذي كان منصبا تقريبا على توطيد العلاقات المختلفة ببلدان القارة الإفريقية. وظلت العلاقات المصرية ـ الإفريقية عند مستواها المطلوب، حتى جاءت محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها الرئيس المخلوع حسني مبارك في أديس أبابا فحدث تحول في العلاقات المصرية ـ الإفريقية أدى إلى تراجع إن لم يكن توتر تلك العلاقات بشكل كبير.
ومنذ ذلك الوقت وحتى تاريخه ورغم التطورات السياسية التي حدثت في مصر منذ عام 2011، يمكن القول إن القاهرة تجاهلت تقريبا القارة الإفريقية رغم امتدادها الحيوي والمتمثل في شريان الحياة المصرية وهو نهر النيل الذي ينبع ويمر عبر بلدان حوض النيل. وردا على هذا التجاهل، بدا ما يشبه بحالات التمرد على ما يعرف بحصة مصر التاريخية من مياه النيل المحددة بموجب اتفاقيات دولية بين مصر والدولة البريطانية التي كانت تسيطر على بلدان المنطقة.
وخلال تلك السنوات من التجاهل المصري لإفريقيا، كانت دولة الاحتلال الإسرائيلي تنتهز الفرصة لتقيم وتحسن علاقاتها بتلك البلدان على حساب العلاقات المصرية. وذلك أن إسرائيل تنظر إلى بلدان إفريقيا على أنها سوق واسع لمنتجاتها من ناحية، وأنها منجم للثروات الطبيعية مثل النفط والمياه والماس حيث تعتبر إسرائيل إحدى أكبر 4 دول في العالم في صناعة الماس والذي يتم تهريبه إليها من بلدان إفريقية.
وكانت محاولات التغلغل الإسرائيلي تلك والتي استمرت لسنوات تتم في السر والخفاء. ولم تظهر بذلك الشكل العلني السافر إلا في الجولة الأخيرة التي قام بها رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والتي وصفها بالتاريخية والتي بدأت الاثنين الماضى، بزيارة العاصمة الأوغندية، كمبالا، كمحطة تقوده إلى جولته الأولى في إفريقيا، والتي زار خلالها أربعا من دول حوض النيل، هي أوغندا وإثيوبيا وكينيا ورواندا، والتقي خلالها سبعة من زعماء الدول الإفريقية، من بينهم رئيس جنوب السودان.
واختتم رئيس الوزراء الإسرائيلي الخميس في أديس أبابا جولته التي سمحت له بترسيخ الروابط السياسية والاقتصادية مع قارة لم تكن علاقاتها جيدة لفترة طويلة مع إسرائيل.
وتحدث نتنياهو أمام البرلمان خلال أول زيارة لرئيس حكومة إسرائيلي لأثيوبيا. وقال “نرى بوضوح إمكانات أثيوبيا وإفريقيا وأني فخور للإعلان بأن إسرائيل تعود إلى إفريقيا مع طموحات كثيرة”. وأضاف وسط تصفيق النواب الأثيوبيين “أعتقد أن أثيوبيا تتقدم وصناعاتكم تتطور ونفوذكم يتسع. نود توطيد علاقاتنا معكم”.
ويرى عدد من المراقبين أن زيارة نتنياهو لأثيوبيا تأتي للتأكيد على العقود التي ابرمها بين البلدين في عهد رئيس الوزراء السابق ميليس زيناوي، التي تقضي بقيام شركات إسرائيلية بتولي عملية توزيع الكهرباء وتصديرها، إلى جانب عقد صفقات عسكرية لتقوية الجيش الإثيوبي، وكذلك مشاريع أخرى تخص الزراعة والري واستخدام التقنية الإسرائيلية.
وكرر نتنياهو خلال الأيام الأربعة بأن “إسرائيل تعود إلى إفريقيا” حيث استقبله بحرارة قادة دول لطالما كانت تقيم علاقات فاترة مع إسرائيل وخصوصا بشأن القضية الفلسطينية.
وإبان الستينيات، نأى العديد من البلدان الإفريقية بأنفسهم عن إسرائيل بسبب حروبها مع جيرانها بين 1967 و1973 والروابط التي كانت قائمة بين تل أبيب ونظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.
وبهذه الزيارة سعى نتنياهو إلى تعزيز العلاقات مع دول إفريقيا التي يمكن أن تدعم إسرائيل في الهيئات الدولية، حيث تتعرض دولة الاحتلال لانتقادات حادة لاحتلالها الأراضي الفلسطينية أو لأنشطتها النووية.
ولم تكشف فحوى المباحثات في هذا الخصوص. لكن المسؤولين الذين التقاهم نتنياهو تعهدوا بدعم عودة إسرائيل بين الدول المراقبة في الاتحاد الإفريقي.
وقال رئيس وزراء أثيوبيا هايلي مريام ديسالين بعد لقاء مع نتنياهو “إسرائيل تعمل بكد في عدة دول إفريقية. لا سبب لعدم منحها وضع البلد المراقب”.
وقد بدأت هذه الجولة بشكل “مؤثر” بالنسبة لنتنياهو مع إحياء الاثنين الذكرى الأربعين في أوغندا لعملية عنتيبي التي قتل خلالها شقيقه يوناثان.
وكان شقيقه قائد مجموعة الكوماندوس، وقتل في 1976 في هذه العملية الرامية للإفراج عن ركاب طائرة كانت تقوم برحلة بين تل أبيب وباريس حين خطفت إلى عنتيبي حيث استقبل الرئيس الأوغندي عيدي أمين القراصنة. ومشيدا بـ”بطولة” الجنود الإسرائيليين اعتبر نتنياهو أن وجوده في عنتيبي بعد أربعين عاما يدل على تطور العلاقات بين إسرائيل وإفريقيا.
وفي اليوم التالي في كينيا شدد نتنياهو على أهمية الشراكة في مجالي الأمن ومكافحة الإرهاب. وقال بعد أن التقى الرئيس الكيني اوهورو كينياتا الذي دعا نتنياهو لزيارة إفريقيا خلال زيارة لإسرائيل في فبراير الماضي “من خلال العمل معا يمكننا هزيمة آفة الإرهاب بسرعة أكبر”.
وكانت المحطة الرواندية أيضا رمزية بالنسبة لنتنياهو. فقد زار في كيجالي نصب الإبادة حيث يرقد 250 ألفا من الضحايا الـ800 ألف الذين قضوا بين أبريل ويوليو 1994 لا سيما من أقلية التوتسي. وأشاد نتنياهو بـ”العلاقة الفريدة” التي تربط بين الروانديين وشعبه. وقال “لم نفقد يوما الأمل ولم تفقدوا أنتم الأمل. والآن إسرائيل ورواندا دولتان ناجحتان تعتبران نموذجين للتقدم”.
وطوال الأيام الأربعة أبرم نتنياهو الذي رافقه وفد من ثمانين رجل أعمال، عدة اتفاقات اقتصادية تطول خصوصا قطاعات المياه والصحة والهجرة (كينيا) والسياحة والتقنيات الجديدة (رواندا).
اللافت في تلك الجولة التي تمثل نقطة تحول في توغل إسرائيل في إفريقيا، هو عدم الاكتراث بها سياسيا وإعلاميا. فلم نر متابعة إعلامية لها إلا خبرا مقتضبا عبر بعض الفضائيات الإخبارية العربية. وذلك يوضح مدى انشغال الأنظمة العربية بمشاكلها الداخلية وصراعاتها الإقليمية وابتعادها عن دولة الاحتلال الإسرائيلي بشكل جعل لها اليد الطولى في المنطقة وتصول وتجول فيها بلا رقيب ولا حسيب.
ناهيك عن أن تلك الدول الأربع التي قام نتنياهو بأول زيارة لها هي الدول الموقعة فيما بينها على اتفاق عنتيبي لإعادة توزيع حصص مياه نهر النيل بين بلدان الحوض بما يتناقض مع مصالح مصر وحصتها المائية، كما تأتي قبل وقت قليل من تشغيل المرحلة الأولى من سد النهضة الأثيوبي الذي سيؤثر بشكل كبير على حصة مصر المائية. والغريب أن هناك شبه تجاهل تام على المستوى الرسمي المصري للجولة ودلالتها. وكذلك رد الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط الذي قال “إن العلاقات العربية ـ الإفريقية لن تتأثر سلبا بالجولة التي يقوم بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عدة دول إفريقية”. وهو ما يجافي الواقع تماما.
لقد انشغلت الأنظمة العربية عن إسرائيل حتى صارت عملاقة في المنطقة، في الوقت الذي تجاهلت فيه مصر والبلدان العربية البلدان الإفريقية حتى صارت غريبة عنها، فلم تقدم لها استثمارات أو تقيم معها علاقات تجارية واقتصادية، مع أن هذه العلاقات تعمل لصالح البلدان العربية وفي مقدمتها مصر، حيث في الوقت الذي أنشأت فيه إيران وكالة إفريقية رأسمالها مليارا دولار، أنشأت مصر الوكالة الدولية للشراكة من أجل التنمية في إفريقيا برأسمال لا يزيد على 20 مليون دولار ليقتصر دورها على إرسال القوافل الطبية وأجهزة الحاسوب وخدمات أخرى لا ترقى لمستوى دولة لها مصالحها الكبرى في المنطقة مثل مصر.
فضلا عن أن مصر لو أقامت علاقات تجارية مع أثيوبيا وغيرها من بلدان حوض النيل، وسمحت باستيراد اللحوم والمنتجات الزراعية من تلك البلدان لقلت أسعار اللحوم في مصر وانخفضت إلى ما يصل إلى 30 جنيها مصريا برأي خبراء الاقتصاد. ولو عملت على استغلال السوق الإفريقي القريب منها لتصريف منتجاتها فيه لأدى ذلك إلى تبادل المنفعة، وتحسين العلاقات السياسية بالتبعة، وغلق الباب أمام العبث الإسرائيلي في المنطقة التي تمثل شريان الحياة لمصر عبر نهر النيل والتي تمثل امتدادا للبلدان العربية في إقامة علاقات طبيعية واستثمارات مربحة في تلك البلدان، وفي نفس الوقت تحجيم دور إسرائيل في تلك المنطقة المجاورة والحساسة لمصر خاصة والعرب عامة.

إلى الأعلى