الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ

رحاب

أحمد المعشني

بين الصين والهند
منذ يومين تقريبا زارني صديق لتهنئتي بالعيد ، وأثناء حديثنا سألني كم بلدا زرت ؟ سردت له قائمة طويلة بالبلدان التي زرتها ، وهنا سألني : أي تلك البلدان أعجبت بها ؟ كان السؤال مألوفا ، فأخبرته أن أفضل بلدين زرتهما هما الصين والهند ؟ فسألني ما الفوائد التي خرجت بها منهما ؟ فأخبرته أن زيارتي الأولى إلى الصين كانت في عام 2009 وحينئذ كتبت مقالا بعنوان : ما لم يره ابن بطوطة في الصين حيث رأيت عجبا في كل من هونج كونج وفي مدينة شينزهن التي تقع في جنوب الصين ، فلا زلت أتذكر لحظة وصولنا إلى شينزهن عبر القطار قادمين من هونج كونج وكان الوقت عصرا ، لاحظنا أمواجا من البشر يتحركون في كل اتجاه ، مشينا من محطة القطار إلى فندق يبعد عن تلك المحطة مسافة 500 متر تقريبا وكنا مجهدين فصعدنا إلى غرفنا في الفندق وعندما استيقظت بالليل فتحت نافذة الفندق الذي نزلت فيه ، كانت الساعة تشير إلى العاشرة ليلا، وكانت المفاجأة أنني لم أر مخلوقا في الشوارع ، كانت المدينة التي يسكنها حوالي 25 مليون نسمة هادئة وادعة ، غادر سكانها الشوارع وآووا إلى بيوتهم للنوم وفي الساعة السادسة صباح اليوم التالي فتحت النافذة وكانت الشوارع التي يطل عليها الفندق آهلة بأفواج من البشر يتحركون بنظام دقيق جدا كما لو كانوا آلات بدون أن تسمع لهم همسا أو يزعجك منبه سيارة أو صراخ أو خلاف أو نزاع أو شتائم كالتي تراها في مدننا المقدسة والمتحضرة ! وكان أولئك الرفاق يتحركون لإطعام العالم وتدبير حياة كوكب الأرض من خلال توفير الآلات والمعدات والأطعمة وجميع ما تحتاج إليه البشرية ، لا يعانون من أعداد الباحثين عن عمل ولا من التضخم ولا من الفساد المالي والإداري ، فالشيوعية عرفتها الصين قبل جميع دول العالم، فقد خبر الصينيون الشيوعية والاقتصاد الاشتراكي في مراحل مختلفة عبر تاريخهم الطويل قبل الميلاد ثم أسسوا نظام الحزب الواحد بانتصار ثورتهم في 1949 وعندما سقطت الشيوعية في روسيا ودول أوروبا الشرقية استطاع الصينيون أن يستوعبوا محاسن اقتصاد السوق وأشاعوا قدرا مفيدا من الملكية الفردية دون أن يسقطوا في مستنقع الرأسمالية ، وبذلك ضمنوا البقاء لنظامهم الاشتراكي وأردفت أن ما أعجبني جدا في زيارتي الأخيرة إلى الصين وتحديدا إلى مدينة جوانزو في شهر يونيو الماضي ؛ هو النظام والنظافة والمثابرة في العمل والاستهلاك المعتدل للأطعمة وحيوية المدينة وتفاعلها مع المستجدات. والمدهش أن التجار الهنود الذين يتحكمون بتجارة البضائع عندنا يأتون بكل بضائعهم تقريبا من جوانزو ، فيما يعرض غالبية شبابنا عن العمل الحر ويبالغون في التفكير التشاؤمي والنقد السلبي ، فنحن بكل أسف ننتقد ونبحث عن الأخطاء والهفوات ونعرض عن العمل وعن ممارسة الاعتماد على الذات وتابعت حديثي فأخبرته بأن ما أثار إعجابي أثناء زيارتي إلى تشيناي في الهند الصديقة هو هدوء الناس وقناعتهم وصبرهم ، فعندما وصلت المدينة في الأسبوع الأول من شهر ديسمبر 2015 شهدت المدينة هطول أمطار غزيرة مصحوبة بفيضانات وعواصف عطلت الحركة في تلك المدينة الكبيرة فانقطعت الكهرباء وتعذر الوصول إلى المتاجر وتوقف كثير من محطات الخدمات عن تأمين ضروريات الحياة ، كان الهنود على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم ودياناتهم يسعفون بعضهم البعض بكل ما يستطيعون ، ويقفون لساعات طويلة في طوابير أمام محطات الوقود دون جدال أو نزاع أو صراخ أو مظاهرات تمنيت أن تكون الصين والهند وكلاهما من دول العالم الثالث نموذجا نحتذيه ونحاكيه وننقل تجاربهما في تغيير تفكير الناس من التركيز على ملاحقة الأخطاء والسلبيات إلى التركيز على العمل و الإنتاج.

* رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى