الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حكاية نابليون بونابرت وزينب البكرية (2)

حكاية نابليون بونابرت وزينب البكرية (2)

محمد عبد الصادق

عقب مغادرة الجيوش الفرنسية القاهرة سادت حالة من الفوضى والاضطراب المرحلة الانتقالية, ودفع خليل البكري وابنته زينب ثمن خيانتهما غاليًا، فبالإضافة للعار والفضيحة والتجريس الذي نالهما من الأهالي, وتم القبض على زينب البكرية ضمن حملة للقبض على البنات الخارجات على الدين ومحاكمتها بتهمة الخيانة والفجور, وحاول البكري التبرؤ من أفعال ابنته…

خلال أحداث ثورة القاهرة الأولى, تجسدت خيانة خليل البكري وتآمره على قادة الثورة وإرشاد نابليون عن مكان اختبائهم ومساعدته في القبض عليهم, بل حول مخزن منزله لسجن الثوار حتى قيام الفرنسيين بإعدامهم, وفتح البكري منزله لاستقبال نابليون وحاشيته ليلًا وأقام لهم الحفلات والليالي الملاح, بينما دماء المصريين لم تجف في الطرقات, وشاركته ابنته الماجنة “زينب” الترحيب ببونابرت وجوقته, بعد أن تشبهت بـ”الخواجات” وخالفت الأعراف والتقاليد السائدة في مصر آنذاك, ولم يكترث أبوها بالأضرار التي لحقت بسمعته وسمعة ابنته, وكان كل ما يشغله رضا نابليون عنه والإنعام عليه بمنصب كبير دون الاكتراث بغضب وحنق المصريين.
قبل أن ينجح الفرنسيون في إخماد الثورة, ووسط حالة الفوضى والهرج والمرج التي سادت شوارع القاهرة, توجه جماعة من الثوار إلى بيت الشيخ الخائن, واقتحموه وانهالوا عليه ضربًا وتعنيفًا هو وأهل بيته, حتى تدخل بعض العقلاء وخلصوه من بين أيديهم, واقترحوا عليهم تسليمه للوالي ليحاكم محاكمة عادلة واقتادوا الشيخ الخائن إلى بيت الوالي وسط زفة من أهالي القاهرة, ولكن الوالي الذي عينه الفرنسيون تعاطف مع البكري وهربه إلى مكان آمن بعيدًا عن أعين أهالي القاهرة, حتى نجح الفرنسيون في إخماد الثورة.
خرج البكري من جحره, واتجه من فوره إلى مقر نابليون يشتكي له ما فعله به الأهالي, فطيب خاطره وأعطاه مكافأة وساعده في إعادة إصلاح منزله, وأعفاه من الضرائب والغرامات التي فرضها على أهالي القاهرة جزاء تمردهم عليه, واستعاد البكري معنوياته وزاد نفوذه وعاد لممارسة حياته الماجنة, وترك الحبل على الغارب لابنته زينب, في ارتداء الأزياء الجريئة ومخالطة الفرنسيين.
استتب الأمر لنابليون في مصر, وقرر أن يتجه شرقًا للاستيلاء على بلاد الشام, وأعد جيشًا جرارًا وتحرك حتى وصل إلى فلسطين, وهناك قابلته أول عقبة وهي مناعة حصون عكا بقيادة أحمد باشا الجزار, الذي تحالف مع العثمانيين والإنجليز في مواجهة جيش نابليون الذي تفشى بين صفوفه وباء الملاريا وفتك الطاعون بمئات من جنوده, واضطر بونابرت إلى فك الحصار عن عكا والتراجع مرة أخرى إلى مصر, لإنقاذ ما تبقى من حملته.
ظل بونابرت على اطلاع بالشؤون والأوضاع الأوروبية طيلة فترة وجوده في مصر, وذلك عن طريق الصحف والبرقيات التي كانت تصله من فرنسا بشكل متقطع, فاكتشف أن الدول الأوروبية تكالبت على بلده فرنسا وهزمتها، واستردت منها المدن والمناطق التي سبق واستولى عليها نابليون في غزواته بأوروبا، اغتنم نابليون فرصة الانسحاب المؤقت للسفن البريطانية من على سواحل فرنسا وأبحر مسرعًا إليها, على الرغم من عدم تلقيه أية أوامر من باريس بالعودة وترك لنائبه كليبر مسؤولية قيادة الحملة.
استغل العثمانيون فرصة مغادرة بونابرت لمصر, وأرسلوا فرقة من الجيش وفلول المماليك التي احتمت بالأستانة, وهاجموا القوات الفرنسية, وتسلل فريق من جيش الصدر الأعظم إلى داخل القاهرة وأثاروا أهلها للثورة ضد الفرنسيين وكانت ثورة القاهرة الثانية التي استمرت قرابة الشهر, واشترك فيها أعيان القاهرة وتجارها وكبار مشايخها ـ بخلاف ما حدث في الثورة الأولى ـ لما عانوه من ظلم وغدر الفرنسيين, فتقدموا صفوف الثوار منذ اللحظة الأولى وجادوا بالنفس والأموال لنصرة الثوار.
خرج السيد عمر مكرم بعد أن استعاد منصب نقيب الأشراف ومعه شاهبندر التجار على رأس جمع كبير من الأهالي حاملين “النبابيت والأسلحة البيضاء والبنادق” قاصدين معسكرات الفرنسيين على أطراف القاهرة, وتحصن الفرنسيون بمعسكرهم بالأزبكية, وأحضر الثوار المدافع التي تركها الأتراك وجلبوا عدة مدافع أخرى وجدت مدفونة في بيوت الأمراء واستبدلوا البارود بقطع من الحديد والأحجار كذخيرة للمدافع, ليقصفوا مقر القيادة الفرنسية بالأزبكية, كما أنشأوا مصنعًا للبارود, واتخذوا بيت القاضي وما جاوره من أراضٍ فضاء مقرًّا لصناعة وإصلاح المدافع والقذائف, وصنع العربات والإطارات التي تحمل المدافع, وأقاموا معسكرًا للأسرى بالجمالية وبثوا العيون للتجسس على الفرنسيين ومعرفة الخونة والمتعاونين معهم.
وانقض أهل بولاق بعصيهم ورماحهم وبنادقهم واقتحموا معسكر الفرنسيين، وقتلوا حراسه ونهبوا جميع ما فيه من خيام ومتاع، وانضم إليهم أهل الأرياف القريبة من القاهرة، ومدوا الثوار بالسلاح والمؤن اللازمة لمواصلة القتال.
وصلت أنباء الثورة لكليبر فعاد بجيشه بعد ثمانية أيام من اشتعال الثورة من الشام لنجدة ما تبقى من حملته في القاهرة, فوجدها تحولت لثكنة عسكرية, فأمر بتشديد الحصار ومنع المؤن عن الثوار، واتصل بمراد بك أحد زعماء المماليك وتفاوض معه على الصلح, وأبرم معه معاهدة أصبح بمقتضاها مراد بك حاكما على الصعيد مقابل أن يدفع مبلغًا للحكومة الفرنسية, وينتفع هو بدخل الإقليم, وتعهد كليبر بحمايته, وما كاد كليبر يحيد المماليك حتى شرع في دك أحياء القاهرة بالمدافع خصوصًا حي بولاق, واندلعت الحرائق والنيران في المنازل والقصور والأسواق, ولكنها لم تخمد الثورة في قلوب المصريين, وخرج مزيد من المشايخ والتجار يحرضون الناس لقتال كليبر.
تغلبت القوة الغاشمة بسبب التفوق العسكري والوحشية وقسوة الانتقام, وتحرك علماء الأزهر واستأنفوا مساعيهم لحقن الدماء ووقف عمليات الإحراق والتدمير, ودارت مفاوضات بين الثوار وكليبر انتهت بعقد اتفاق وقع عليه جميع الأطراف قضى بانسحاب المماليك بأسلحتهم الخفيفة إلى حدود سوريا مقابل أن يعفو كليبر عن سكان القاهرة بمن فيهم من اشترك في الثورة, ولكن سرعان ما تنكر كليبر لتعهداته وفرض الغرامات الفادحة، وصادر أملاك التجار والمشايخ وأرباب المهن وأصحاب الحرف البسطاء الذين شاركوا في الثورة, ما دفع سليمان الحلبي أحد طلبة الأزهر السوريين للتربص لكليبر وطعنه في غفلة من حراسه ليلقى مصرعه وتضطر فرنسا للانسحاب من مصر بعد احتلال لم يدم سوى عامين.
عقب مغادرة الجيوش الفرنسية القاهرة سادت حالة من الفوضى والاضطراب المرحلة الانتقالية, ودفع خليل البكري وابنته زينب ثمن خيانتهما غاليًا، فبالإضافة للعار والفضيحة والتجريس الذي نالهما من الأهالي, وتم القبض على زينب البكرية ضمن حملة للقبض على البنات الخارجات على الدين ومحاكمتها بتهمة الخيانة والفجور, وحاول البكري التبرؤ من أفعال ابنته رغم أن عمرها لم يتجاوز16سنة، وحكموا على زينب بالإعدام بكسر الرقبة, وربما هذا يفسر الجملة المصرية العامية “مقصوفة الرقبة”.

إلى الأعلى