الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / البحث العلمي والمسؤولية الاجتماعية للشركات

البحث العلمي والمسؤولية الاجتماعية للشركات

تحدثنا في مقال سابق عن موقع البحث العلمي في استراتيجيات التنمية الوطنية، ويتناول مقالنا الحالي المسؤولية الاجتماعية للشركات في البحث العلمي، للقناعة بالحاجة إلى بناء أُطر تمويل أكثر تنوعا واستدامة، تجعل من البحث العلمي قاعدة استثمارية وقيمة مضافة لتوليد بدائل التنمية؛ ولأن مسألة التمويل الحكومي للبحث العلمي باتت معرضة للتذبذب وتعترضها حالات الفتور، لذلك اتجهت سياسات الدول المتطورة إلى إيجاد مصادر داعمة للبحث العلمي، من خلال تفعيل المسؤولية الاجتماعية للشركات والقطاعات الكبرى في الإنتاج، لاستقطاع نسبة محددة من أرباحها السنوية لتمويل الأبحاث العلمية، وفق خطط استثمار وإنفاق مقننة ومرنة للبحث العلمي، تتصف بسرعة الاستجابة والجاهزية في تمويل مشاريعه الابتكارية والعلمية بما يسهم في إيحاد حلول لمشكلات البيئة والصحة العامة والصناعات الدوائية، والتلوث وإدارة النفايات والمياه، وبحوث الإنتاج الحيواني والاستزراع السمكي، وبحوث الوقاية من الأمراض النباتية والحيوانية، والصناعات الكيمائية والبتروكيماويات والمعادن، وبحوث الطاقة البديلة والطاقة النووية النظيفة واستخدامات الأسمدة وغيرها.
ونظرا للتوجهات الإيجابية التي شهدها قطاع البحث العلمي في دول المنطقة العربية والخليجية، والتي برزت في مأسسة هذا القطاع، وما وفرته الدول من سياسات وبرامج وخطط استراتيجية، وبناء تشريعات وطنية للبحث العلمي، والدخول في شراكات محلية وعالمية تستهدف بناء قدرات وطنية في هذا المجال، لذلك كان من الأهمية تناول موقع المسؤولية الاجتماعية للشركات كقيمة مضافة قادمة بقوة في هذا القطاع الحيوي، ومع أن البيانات الرسمية لدول المنطقة، تشير إلى تأكيد جانب المسؤولية الاجتماعية للشركات والمؤسسات في قطاعات التنمية الاجتماعية والشباب والأنشطة الثقافية وتمويل المشاريع الاجتماعية المرتبطة بالاستقرار المعيشي؛ إلا أن مسألة توجيهها للبحث العلمي غير ظاهرة، فما زال البحث العلمي يستقطع ميزانيته من الموازنة العامة للدول، على الرغم من أن هناك تجارب ناجحة في المنطقة شكلت أنموذجا عمليا للمسؤولية الاجتماعية الموجهة لصالح البحث العلمي، وتستدعي الاستفادة منها في ظل خصوصية الدول، وتبرز في المقدمة، “مؤسسة الكويت للتقدم العلمي”، وهي مؤسسة كويتية تأسست عام 1976، تهدف إلى دعم التطور العلمي والتكنولوجي عبر الدعم المادي للأبحاث، وتقوم على مساهمة الشركات بنسبة 1% للمؤسسة، هذا النموذج بدأ أيضا يظهر في دول خليجية أخرى ـ وإن كانت على شكل مبادرات فردية وهو ما يظهر بالسلطنة أيضا ـ من قبل بعض الشركات المتخصصة، ففي المملكة العربية السعودية برزت مساهمة الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) وإنفاقها على البحث العلمي حيث بلغ في عام 2011 ما قيمته 219 مليون دولار، حيث تنفق 2% من إجمالي مبيعاتها على البحوث والتقنيات، وفي دولة قطر، هناك دعوة لمساهمة القطاع الخاص بنسبة تتراوح بين 2.5% إلى 1% من صافي أرباح الشركات المساهمة والمتداولة أسهمها في البورصة القطرية في دعم الأنشطة والاجتماعية والرياضية.
ويظهر بأن المسؤولية الاجتماعية للشركات مصطلح بدأ يحظى باهتمام على المستوى الرسمي في منطقتنا العربية والخليجية، إلا أنه في الغالب يتخذ إطارين، إما من خلال تعميق القيمة المضافة للشركات في المساهمة بتقديم خدمة مضافة في الأنشطة التي تتفوق فيها وتتميز بها في مجالات الاستشارات أو البرامج أو التدريب، أو من خلال المساهمة المالية، وهي ما زالت اختيارية وتعتمد على موقع الشركة ومبادراتها، وفي الغالب موجهة لأنشطة خدمية واجتماعية وثقافية، مع ما نتطلع إليه في مقالنا من تقنين هذه الجهود وضبطها وفق أطر محددة وتشريعات واضحة، إذ المسؤولية الاجتماعية للشركات اليوم، لم تعد استجداء منها، لاستقطاع نسبة 1% من أرباحها المعلنة لدعم برامج التنمية الوطنية، وهي ليست مجرد تبرعات وقتية تعتمد على المزاج أو الاستقرار الاقتصادي؛ بل التزام ومسؤولية وطنية وأخلاقية ومهنية لا يترك أمرها لاختيار الشركات، لذلك نعتقد بأهمية البحث في مأسسة قطاع المسؤولية الاجتماعية في ضبط مسألة التزام الشركات والمؤسسات بالوفاء بمسؤولياتها، وتعزيز نظم المتابعة والاشراف والتقييم والرصد الإعلامي التوعوي والمساءلة للتي لم تلتزم بتنفيذ عقودها.
إن خطط السلطنة نحو البحث العلمي طموحة جدا، ولكنها تستنزف موارد مالية كبيرة من الموازنة العامة للدولة، وفي ظل انخفاض أسعار النفط التي ستؤثر بلا شك على موازنة البحث العلمي، لذا يجب التفكير في حزمة المسؤولية الاجتماعية المقننة للشركات في البحث العلمي، واستقطاع نسبة محددة تتراوح ما بين 2.5% إلى 1% من صافي الأرباح من الشركات والمؤسسات التي لا تساهم فيها الدولة بنسبة معينة، كشركات التصنيع، والعمل اللوجستي، وقطاع السيارات، والشركات العاملة في البنية الأساسية، وإيجاد استثمارات وقفية مستدامة للبحث العلمي، فإن التفكير في أطر تصحيحية في إدارة هذا الملف، يستدعي بناء منظومة تكاملية للبحث العلمي، ينضم فيها مجلس البحث العلمي وهيئة الشراكة من أجل التنمية والتنمية الاجتماعية وغيرها مع جامعة السلطان قابوس، في إيجاد بيئة مساندة للاستثمار البحثي وتقديم الاستشارات، على أن يكون البحث العلمي خيارا استراتيجيا للمسؤولية الاجتماعية، في ظل حاجتها إلى الإلزام والالتزام وجاهزية نظم التقييم والرقابة والمتابعة فيها.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى