الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : لا إنسانيات بل مصالح!

باختصار : لا إنسانيات بل مصالح!

زهير ماجد

في عالم المصالح لا مكان للإنسانيات، وفي سياسة الدول هنالك المغريات التي تتفوق على أي إحساس شخصي إذا كان موجودا .. الرئيس إردوغان تقدم بعرض مربح جدا بالنسبة إليه لكنه سماه “إنساني”، فهو يريد منح الجنسية التركية (تتريك) لـ300 ألف سوري مقيمين على أرضه .. رقم لا يعني شيئا قياسا بالعدد الموجود عنده ويصل إلى ثلاثة ملايين سوري.
هذه البادرة كيفما قلبناها، تجميع مكاسب في يد الرئيس التركي، في وقت الخيارات الصعبة التي تمر بها بلاده ويمر بها شخصيا. خصوصا وأنه خصص عملية المنح للذين لديهم رساميل معتبرة، أو من أصحاب الكفاءات العلمية (هندسة طبابة وغيره) أو من الذين تجاوزوا في أعمارهم 64 عاما. هذا التحديد الذكي يمكن لأي دولة مهما كان وضعها أن يفيدها تماما .. فالمال كما هو معروف جواز سفر يصلح لأي مكان، بل هو يفرض شروطه وبالطريقة التي يراها مناسبة، وليس ذكاء اختيار أصحاب الرساميل الذين هم إضافات وليسوا عوائق .. وأما أصحاب الكفاءات العلمية فهم أيضا يحملون شهادات تناسب كل المجتمعات المتقدمة والمتأخرة، وبالتالي لا يمكن رفض وجودهم في أي مجتمع كان بل إنزالهم المكانة اللائقة التي تستفيد منها الدولة، وخصوصا في عالمنا الذي ما زال بحاجة لكفاءات علمية من هذا النوع. يبقى كبار السن فهؤلاء يؤدون فريضة الهدوء الاجتماعي ولا يسببون لأية دولة مشكلة أو حرجا.
عملية التتريك ليست جديدة فهي دائما هاجس أي حاكم تركي له غرام قديم أصابه العثمانيون حين قاموا بتتريك العرب .. إردوغان على ما يبدو مصاب بهذا الوصف ويريد أن يحقق رغبة دفينة، خصوصا تجاه العرب وبشكل أخص تجاه السوريين، وهو يعلم أن جزءا من سوريا يدعى لواء أسكندرون تم سلخه في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي خضع نهائيا لأكبر عملية تتريك بحيث قضي على أصوله لكن جذوره ما زالت متشبثة في الأرض ترفض أن تكون تركية.
أبعاد الخطوة الإردوغانية إن حصلت سيكون لها صدى غربي طيب لأنها تحقق غاية أوروبية بإيقاف إرسال السوريين إلى أوروبا، إضافة إلى أن الفكرة دفع للبنان والأردن للقيام بخطوة مماثلة، وكان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قد زار مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان وأوصى بتجنيس نصف مليون سوري، لكن الأبرز كان زيارة الرئيس الفرنسي هولاند إلى تلك المخيمات مما فسر موقف رئيس أعلى سلطة أممية بان كي مون والغايات التي تدفع أوروبا إلى رفض وجود نازحين سوريين لديها باستثناء أصحاب الكفاءات المادية والعلمية.
يبدو أن مبادرة إردوغان صارت على نار حامية، وأكاد أقول أن ليس من نازح يمكنه رفض الخطوة فكيف بأولئك “المحظيين” الذين “سيتتركون” وسيدخلون عالما لم يكن في دائرة خيالهم ذات يوم، مما سيعني أن سوريا ستخسر أبناء من هذا النوع الذي كان واجهتها الوطنية والاجتماعية والعلمية والاقتصادية والثقافية، وكلما طال أمد الحرب على سوريا، سيزداد عطب المجتمع السوري الذي نقر جميعا أن إعادة تأهيله سيحتاج إلى زمن طويل بعدما تكون نار تلك الحرب قد خدمت، وهذه ليس معروفا متى يحين موعدها المجهول.

إلى الأعلى