الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “إبرة في كوم قش”

“إبرة في كوم قش”

”هناك من يستند إلى أن حوالي عشرين من ركاب الطائرة من أمهر مهندسي أشباه الموصلات الذين يعملون لدى شركة لها علاقة بصناعات عسكرية أميركية وأن هؤلاء إما كانوا سبب “اختطاف” الطائرة إليكترونيا بواسطة قوات أميركية أو تفجيرها بعيدا عن مسارها للتخلص منهم لسبب ما.”
ـــــــــــــــــ
مع اقتراب نهاية شحنة بطارية “الصندوق الأسود” للطائرة الماليزية المنكوبة، والتي تستمر شهرا فقط رصدت فرق البحث اشارات يعتقد أنها من الصندوق. وحتى يتم التأكد من ذلك لا يتوقع العثور على الصندوق ـ ولا حتى أن يفيد العثور عليه في حل لغز “اختفاء” الطائرة الماليزية في رحلتها بين كوالالمبور وبكين قبل شهر من الآن وعلى متنها أكثر من مئتي مسافر. وبدأت التغطية الإعلامية للبحث عن الطائرة الماليزية تعتمل مجددا، مع استمرار عمليات البحث مركزة على عمق المحيط الهندي على افتراض أن الطائرة وصلت إلى هناك ـ عمدا أو اضطرارا ـ وأن وقودها نفد أو ما شابه ذلك.
تلك الآمال الكبرى التي تعلق على “الصندوق الأسود” قد تجعل الإحباط أكبر في حال لم يعثر عليه ـ وهو بالمناسبة آلة تسجيل إليكترونية محكمة تسجل كل ما يدور في قمرة قيادة الطائرة كما تسجل اتصالات الطائرة مع أبراج المراقبة. والأمل أن تلك التسجيلات ربما ـ مع تشديد على ربما ـ تعطي فكرة عما حدث للطائرة وجعلها تختفي. لكن فكرة تختفي هذه مثيرة حقا في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. الطائرة البوينج 777 ليست “إبرة” لتختفي في كوم من القش، حتى لو كانت سقطت في المحيط الهائل الاتساع والعمق. فمع كل هذه الأقمار الصناعية وتغطية الاتصالات في العالم يصعب تصور أن تضيع كتلة بهذا الحجم، وفيها أكثر من مئتي إنسان هكذا دون أن يعثر عليها أحد.
أين إذا تلك الأجهزة التي تمسح وجه الأرض ليل نهار، ولا تترك منه سنتيمترا واحدا غير مراقب؟ أين تلك الكاميرات والمجسات الدقيقة التي قيل لنا قبل عقد من الزمان إنها رصدت “علامة الملابس الداخلية لصدام حسين”؟ أين وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) التي تمسح أسطح الكواكب ليحلل علماؤها تفاصيل الأحجار والصخور ـ وبعضها أصغر حجما من البوينج 777؟ ليس الغرض من تلك التساؤلات القاء اللوم على أحد، ولا السخرية من التطورات العلمية والتكنولوجية التي حققتها البشرية في العقود الأخيرة إنما فقط للإشارة إلى أن هناك حلقات كثيرة مفقودة في قصة “اختفاء” الطائرة الماليزية. وربما هذا ما فتح الباب أمام الكثير من نظريات المؤامرة، خاصة لدى من لا يظنون أن التكنولوجيا يمكن أن تفشل تماما في لحظة واحدة. وباستبعاد فرضية تعطل أجهزة مع حريق إليكتروني، تكون فرضيات نظريات المؤامرة مبررة.
هناك من يستند إلى أن حوالي عشرين من ركاب الطائرة من أمهر مهندسي أشباه الموصلات الذين يعملون لدى شركة لها علاقة بصناعات عسكرية أميركية وأن هؤلاء إما كانوا سبب “اختطاف” الطائرة إليكترونيا بواسطة قوات أميركية أو تفجيرها بعيدا عن مسارها للتخلص منهم لسبب ما. ويربط آخرون بين “مجموعة كارليل” للأعمال، الشهيرة في المجمع الصناعي العسكري الأميركي، وبين الحادث لأن للمجموعة مصالح في الشركة التي عمل معها هؤلاء الركاب المعنيون. وهناك من يتحدث عن تكنولوجيا استولى عليها مقاتلون من طالبان في أفغانستان وباعوها للصينيين وكان يتم نقلها على تلك الرحلة، فاختطف الأميركيون الطائرة بركابها إلى قاعدة دييجو جارسيا في المحيط الهندي في عملية معقدة تكنولوجيا تقصد الإخفاء والتضليل.
هناك طبعا نظريات مؤامرة أكثر شططا، وبعضها لا يستند إلى تطور التكنولوجيا فحسب بل يغرق في الخيال العلمي إلى حد ادعاء اختطاف الطائرة من قبل كائنات فضائية متطورة لإجراء تجارب على ركابها من البشر. ولا يعدم من يطلقون تلك التفسيرات والسيناريوهات مصادر لها من أفلام السينما الأميركية التي صورت كل تلك المؤامرات سابقا. لا شك ايضا ان رواج تلك النظريات وراءه دافع مهم، وهو عدم قدرة الناس على تصديق فشل التكنولوجيا إلى هذا الحد الذي يجعل طائرة بهذا الحجم تضيع وكأنها “إبرة في كوم قش” كما يقول المثل. صحيح ان البشرية المبدعة ربما تعرف عن الفضاء والكواكب أكثر بكثير مما تعرف عن المحيطات في كوكبها الأرض، لكن ايضا ليس هناك ما يدعم فكرة أن طائرة بهذه الحجم وبكل هذه الحمولة من البشر يمكن أن “تختفي” في قاع المحيط، فلا بد وأن يطفو حطام وجثث. لكن اين البحث؟ تقديرات المنطقة التي يجري فيها البحث الآن لا يجوز أن تحد من امكانية مسح المياه المحيطة بماليزيا من جوانب مختلفة، ولو عبر عمليات المراقبة والمسح الروتينية للأقمار الصناعية والاستطلاع المعلوماتي الدائم في المنطقة.
حين تحطمت الطائرة الفرنسية في المحيط الهادي عام 2009 بعد اطلاقها من البرازيل باتجاه باريس، بدأ انتشال أول حطام بعد خمسة أيام من الحادث. ذلك ان مسار الطائرة كان معروفا وأمكن تحديد موقع تقريبي لتحطمها أخذا في الاعتبار وقت فقدان الاتصال بها. وساهم ذلك أيضا في العثور على الصندوق الأسود للطائرة بعد عامين كاملين من الحادث والبحث المضني في قاع المحيط. ولم يكن لصندوق تسجيل المعلومات أهمية كبيرة حينذاك سوى تأكيد فرضيات ما حدث للطائرة وأدى إلى تحطمها، وسط طقس قاس وعاصفة ثلجية عطلت بعض أجهزة الطائرة.
ما يجعل حادث الطائرة الماليزية لغزا حقيقيا ليس فقط قدرة التكنولوجيا (سيناريوهات الخطف والتفجير حسب نظرية مؤامرة) أو فشلها تماما بقدر ما هو تضافر عوامل عدة من قبل كل الأطراف المعنية: السلطات الماليزية والفيتنامية والصينية، الشركة المصنعة للطائرة، ما كان على متن الطائرة من ركاب وحمولة … فالواضح أن كل طرف يخفي شيئا، ليس بالضرورة معلومات يعرفها، بل رما فشل لا يريد الاعتراف به. على سبيل المثال فشل الرادارات العسكرية والمدنية في رصد طائرة “ضالة في الجو”.

إلى الأعلى