الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإرهاب والسياسة

الإرهاب والسياسة

أحمد مصطفى

بالتأكيد كل سبل مكافحة الإرهاب مهمة وضرورية، حتى الحملات والتحالفات الدولية التي لا يبدو أنها تنجز كثيرا في العراق وسوريا، إنما الأهم هو ما يخصنا نحن العرب والمسلمين. وأول وأهم جانب هو مكافحة هؤلاء الذين يشجعون على التعصب والتشدد ويبذرون بذور العنف والإرهاب، ومعهم هؤلاء الذين يستغلون الدين لأغراض سياسية.

أتذكر حين كنا شبابا أننا كنا متحمسين لشعار مضلل وهو أننا “وقود الثورة”، سواء كان ذلك بين شباب اليسار أو الجماعات الإسلامية (التنظيم الشبابي التابع للإخوان الصاعد وقتذاك والذي كان بداية الجماعات المسلحة ليس في مصر وحدها). كنا نردد ذلك الشعار بحماسة، دون انتباه لما يعنيه من أننا “وقود” يحرق ليشغل محركا أو يطبخ عليه الآخرون “طبخة” سياسية ما. بالطبع، أفاق البعض بوعي متأخر على أنه لا يريد ان يكون وقودا لطبخة ما ليست بالضرورة تعني مصلحته، وظل البعض على غوايته حتى انتهى به المطاف ضحية في الأغلب. ذلك رغم أن جيلنا كان يعتبر نفسه أكثر معرفة ووعيا، رغم عدم وجود الإنترنت ـ أو ربما لهذا السبب. فقد كنا نصل للمعرفة بجهد كبير، بدون جوجل، فترسخ ويصعب تبخرها كما يحدث الآن مع الأجيال الجديدة.
تلك المقدمة لتوضيح نقطة مهمة وهي أن الإرهاب وإن كان هناك من يستغله ويستخدمه لمصلحة قوى إقليمية ودولية فإن جذوره هي بيننا وأساسه هو ما سمي بتيار “الإسلام السياسي”. وتتسع دائرة الجذور لتشمل تيارات أخرى تغوي أتباعها بما ليس من صحيح الدين ولا روحه الأساسية السمحة. ونظرة على فضاءات الإعلام وغيره من وسائل التواصل الآن تكشف للمرء كم الدعاة والواعظين الذين ينشرون الفتنة في ثياب الدين، ويحثون بشكل مباشر أو غير مباشر على التطرف والتشدد بما يؤدي ببساطة لتعزيز فكر الإرهاب. ولن تستغرب إذا وجدت “شيوخ الفتنة والتطرف” هؤلاء يكنزون المال والثروات، ويرسلون أبناءهم للتعلم في المدارس والجامعات الغربية فيما يغوون أبناءنا بتفجير أنفسهم وقتل الأبرياء فيجعلونهم يخسرون دنياهم وأخراهم.
هؤلاء الدعاة، ومن يسمون “قادة الجهاد” ـ زورا وبهتانا طبعا ـ فهم قادة إرهاب ـ وزعماؤه، هم من يجعل من شبابنا “وقودا” لطبخاتهم الدنيئة وانتهازيتهم السياسية. ومهما كانت قدرة الخارج ومهارته في استغلال الوضع لصالحه فلن يستطيع أن يشعل فتيل هذا الشر بدون ذلك “الوقود” الذي يوفه المسلمون من شباب غرر بهم من وعاظ الفتنة، واستغلوا من قبل زعماء الانتهازية السياسية باسم الدين. سبق وكتبنا هنا في هذه المساحة مطلع شهر رمضان المبارك عن “داعش في رمضان”، وخلصنا إلى أن المضللين من شباب الإرهاب يقنعهم شيوخهم وقادتهم أن قتلهم أنفسهم ومعهم أبرياء مع تدمير وتخريب يكون جزاؤه في رمضان أضعافا عن الإرهاب في غير رمضان. ولعل هذا يفسر تصعيد الإرهاب لشره في الأيام الأخيرة، من دكا إلى اسطنبول مرورا ببغداد والأردن ولبنان وانسكابه على البحرين والكويت والسعودية.
بالتأكيد كل سبل مكافحة الإرهاب مهمة وضرورية، حتى الحملات والتحالفات الدولية التي لا يبدو أنها تنجز كثيرا في العراق وسوريا، إنما الأهم هو ما يخصنا نحن العرب والمسلمين. وأول وأهم جانب هو مكافحة هؤلاء الذين يشجعون على التعصب والتشدد ويبذرون بذور العنف والإرهاب، ومعهم هؤلاء الذين يستغلون الدين لأغراض سياسية. بداية، علينا فضح هؤلاء الدعاة المنافقين وتوعية أبنائنا من احتمال التغرير بهم فيما فيه هلاكهم وضرب استقرار أوطانهم. وثانيا علينا فضح هؤلاء المضللين وتعرية دعاواهم المتشددة والمتطرفة حماية لأبنائنا وأوطاننا ومجتمعاتنا، وقبل كل شيء حماية لديننا السمح الحنيف من التشويه. هذا جهد علينا نحن أبناء هذه الأمة وأتباع هذا الدين، ولا يصح أن نلقي بتبعته على غيرنا أو نقبل بأي تبرير لهذا الإفساد في الأرض بتخريب العقول والنفوس.
ولنضف هنا مسألة في غاية الخطورة أيضا، وهي التمويل والمساندة. فإذا كان ديننا يحثنا على البذل والعطاء والتصدق والإحسان، فعلينا أن ننتبه إلى أن بعضا من صدقاتنا تذهب، بطرق ملتوية، لدعم وتسليح عناصر الإرهاب والتطرف. فبعض الجمعيات التي ترفع شارة عمل الخير إنما هي واجهات لتمويل الإرهاب. فلنعطِ ونتصدق ونساهم في الخيرات، لكن عبر جمعيات ومؤسسات رسمية أو تخضع للوائح والقوانين. ومن واجبنا أيضا كشف تلك القنوات الملتوية التي تذهب بأموالنا من زكاة وصدقات إلى جماعات تشوه الدين وتقتل أبناءه الذين تكفرهم بغير وجه حق وتدمر وتخرب بلدان المسلمين.
يبقى الأخطر على الإطلاق هو أي مزج بين الدين والسياسة، والذي لا يمكن التغاضي عن أنه السبب الأصلي لكل ما أصبح يوصف بالإرهاب باسم الدين. وأي تهاون مع خلط الدين بالسياسة يصب في خانة التبرير لأعمال إجرامية في النهاية. ومثلما يتعين علينا مواجهة شيوخ الفتنة والتعصب علينا اقتلاع من يتبنى “الدين السياسي” من جذوره. ربما لا يتسق ذلك مع مصالح بعض القوى الكبرى في العالم، التي تقيس الأمور في النهاية على ميزان مصالحها، وقد ترى مصالحها أفضل مع ما يسمى “الإسلام المعتدل” سياسيا كما يصفون تنظيم الإخوان وغيره. لكن ذلك بالتأكيد أيضا ضد مصالحنا نحن، فنحن من نتحمل في النهاية الخسائر الأكبر من الإرهاب، سواء بتشويه ديننا أو بسقوط الضحايا من بيننا أو بدمار وخراب بلداننا ومجتمعاتنا.
بالنسبة لنا، يجب أن تبدأ الحرب على الإرهاب بمكافحة هؤلاء الشيوخ وتلك القيادات الذين يغررون بأبنائنا ويذكون نار التعصب والتشدد لتحقيق مآرب دنيوية لهم. نحن شعوب متدينة بطبعها، لكنه الدين السمح الذي هو بين العبد وربه والذي تحث عباداته على التآخي والتراحم وليس القتل والتفجير والانتحار.

إلى الأعلى