السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / أقدم محلّ للكتب القديمة في الجزائر يُصارع من أجل البقاء
أقدم محلّ للكتب القديمة في الجزائر يُصارع من أجل البقاء

أقدم محلّ للكتب القديمة في الجزائر يُصارع من أجل البقاء

الجزائر ـ العمانية:
تستحقُّ مكتبة “النجمة الذهبية”، الواقعة بشارع ديدوش مراد بقلب الجزائر العاصمة، أن تُتوّج بوسام لخدمة الكتاب والقارئ، كما يستحقُّ صاحبها مولود مشكور، وقد بلغ 80 عاماً من العمر، قضى منها 66 سنة مكتبياً يخدم الكتاب وأهله، أن ينال جائزة نظير تكريس حياته لهذا العالم الذي زهد في خدمته أو انصرف عنه الكثير من الناس، فقد تحولت العديد من المكتبات التي كانت تزخر بها الجزائر العاصمة، في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، إلى محلاّت للأكل الخفيف أو بيع الألبسة الجاهزة.
وإزاء هذا الواقع، خاض مولود مشكور معركته كي يبقى محلُّه المتواضع الذي ورثه عن إحدى الفرنسيات منذ سنة 1950 مفتوح الأبواب أمام المثقفين والطلبة يُزوّدهم بالكتب القديمة بأثمان زهيدة.
حين تدخل مكتبة “النجمة الذهبية” (“ليتوال دور”، بالفرنسية)، يُدهشك دقة ترتيب المئات من عناوين الكتب وتكدُّسها بعضها فوق بعض بطريقة تُيسّرُ على مرتاديها البحث عن غاياتهم، مثلما يُدهشك كيف تستطيع مساحة لا تتجاوز 18 متراً مربعاً استيعاب كلّ تلك الكمية من الكتب، وحتى المجلات القديمة المتنوعة.
يتحدث مولود عن الخطوة الأولى التي جمعته بـ”خير جليس” على رأي المتنبي، فيقول: “علاقتي بالكتاب تعود إلى ما قبل سنة 1950 حين كنت أشتغل بائعاً عند صاحبة هذا المحل، وهي فرنسية.
وفي تلك السنة أخبرتني أنّها ستشتري فندقاً في مدينة نيس بفرنسا، وأنّها ستنتقل إلى العيش هناك، وستترك لي المحل للعمل به على مدار السنة، على أن تزورني مرة كل عام للوقوف على الشغل والاطمئنان على أحوالي، ولم تمرّ سوى سنوات قليلة حتى تخلّت نهائياً عن القيام بزياراتها السنوية، وصرتُ أنا منذ تلك اللحظة المسؤول بالكامل في هذه المكتبة، أُزاولُ وظيفتي بشراء الكتب القديمة واستبدالها أو إعارتها للراغبين في ذلك مقابل أسعار رمزية”.ويضيف مولود: “لقد قمتُ بهذه الوظيفة على مدار عشرات السنين التي اقتطعتها من عمري، حتى وصلتُ اليوم إلى سن الثمانين، ولم يعُد بمقدوري أن أستمرّ بالعطاء نفسه، ولهذا أنا أقوم حالياً بتعليم ابن أخي أصول الحرفة ليرثها عنّي، وحتى لا تنقطع الخدمات التي يُقدّمها هذا المحل للزبائن من الجزائر وخارجها”.ويذكر صاحب مكتبة “النجمة الذهبية”، كيف كان كبار الكُتّاب والروائيين الجزائريين والفرنسيين، يزورون مكتبته ويقضون الساعات فيها باحثين عن العناوين التي يرغبون في قراءتها، ومن الأسماء التي كانت كثيرة التردُّد عليه: مولود فرعون، وآسيا جبار، ومالك حداد.
ومن الفرنسيين: إمانويل روبلاس، وجورج آرنو، والفائز بجائزة نوبل للآداب ألبير كامو، وإدمون شارلو، وشارل بروني.
ويستذكر مولود تفاصيل عرفها عن ألبير كامو خلال زياراته للمكتبة ووطّد العلاقة بينهما، ويقول في ذلك: “كان كامو يعشق أكل الكسكسي (أكلة شعبية جزائرية مشهورة)، وكان يزورني كلّ يوم أحد، ويطلب منّي أن أصطحبه إلى بيتنا ليأكل الكسكسي من يد والدتي، وكنّا نذهب بعد ذلك إلى السينما لمشاهدة فيلم أو إلى الملعب لمتابعة مباراة في كرة القدم، وكنّا نتبادل الكثير من الحكايات والآراء”.ويضيف مستعيناً بقوة ذاكرته: “أذكر جيّداً ما كان يقوله لي ألبير كامو مراراً وتكراراً حين يُردّد بعض الفرنسيين في مظاهراتهم شعارات وهتافات تؤكد أنّ الجزائر فرنسية، هامساً في أُذني بأنّهم يُضيّعون أوقاتهم لأنّ الجزائر ستستقلُّ لا محالة”.ولمولود ذكريات مع الروائية الجزائرية آسيا جبار، يشير إلى بعضها بقوله: “عرفتُ آسيا جبار منذ كانت طالبة في الجامعة المركزية التي لا تبعد كثيراً عن مكتبتي، وكانت تُطالع بصورة غير اعتيادية.
يومها كان الطلبة الجامعيون مُعسرون، ولهذا كنتُ أعرضُ عليها، نظراً لما لاحظته من تعطُّشها للمعرفة، أن تستعير الكتب التي تشاء، وكانت عادةً ما تفعل ذلك بصورة يومية..، لقد كانت آسيا امرأة ذكية جداً ودودة كتب حقيقية، تقرأُ لكبار الروائيين أمثال بلزاك وموليير”.أما الروائي الشهير مولود فرعون، فيقول صاحب “النجمة الذهبية”، إنّ زيارته للمكتبة كانت تتمُّ عادة يومي الخميس والسبت، وهما يوما عطلته إذ كان يعمل مدرّساً، وكان “قليل الكلام، وهو في هذا يُشبه كاتب ياسين، الذي كان يأتي إلى المكتبة ويقتني حاجته من الكتب، دون أن يفتح نقاشات أو يسترسل في الكلام”.وعن واقع المقروئية في الجزائر لدى الأجيال الجديدة، لا يُخفي صاحب هذه المكتبة العريقة، أنّ الإقبال على الكتاب انخفض بشكل كبير، على الرغم من الأسعار الزهيدة للكتب التي يعرضها، وهي قديمة في أغلبها، وأثمانها تتراوح عادة ما بين 300 و400 دينار (3-4 دولار)، أما المجلات فلا يتجاوز سعرها 50 ديناراً (نصف دولار).وحول توجهات القراءة وتراجع القراء يقول مولود: “الزبائن القلائل الذين يقصدون المكتبة يبحثون بالخصوص عن الكتب والروايات الكلاسيكية مثل روايات إميل زولا، وكتب تاريخ الجزائر.
في خمسينات القرن الماضي، كانت المقروئية لدى الناس أفضل بكثير، أما الآن فالجزائريون لا يقرؤون.
في سنة 1961، كانت الجزائر العاصمة تعدُّ 600 ألف ساكن، بحسب آخر إحصاء قام به الفرنسيون في ذلك الوقت، وكان الزبائن كثيرين، واليوم العاصمة تعدُّ أكثر من 6 ملايين ساكن ولا تكاد تجد لهم أثراً بين الكتب، وهذا أمرٌ مؤسفٌ للغاية”.في مكتبة “النجمة الذهبية” بالكاد تقع عيناك على كتاب باللُّغة العربية، وهو ما يفسره مولود بقوله إنّ الكتاب باللُّغة العربية لا يلقى رواجاً كبيراً، ويوضح: “عندما تقول لزبون هل أُعطيك رواية مولود فرعون بالعربية أم بالفرنسية، يطلبها بالفرنسية دون تردُّد”، هذا إضافة إلى أنّ مولود نفسه لا يُتقن العربية بسبب التعليم الذي تلقّاه بالفرنسية خلال فترة الصبا.
وعند سؤال صاحب المكتبة هل لديه نية في تغيير نشاطه أمام هذه الأوضاع، يُجيبك على الفور: “قبل مدة زارني رئيس بلدية باريس لمدة ساعتين، وقال لي لقد سمعتُ بوجود هذا المحل وأنا في باريس، وعندما همّ بالمغادرة راح ينصحُني بعدم تغيير مهنتي.
في الحقيقة أنا مقتنعٌ بهذه النصيحة منذ البداية، ولهذا أجدني مُصرّاً على البقاء وسط هذه الأكوام من الكتب، لأنّها تُغريني أكثر من أيّ شيء آخر”.

إلى الأعلى