الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (114)

الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله، وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد: فإن الجـهاد والمجـاهـدة هـما مـن الإيـمان بالله، وإن الـذين أعـانهـم الله عـلى مـقـاومة شـهـواتهـم، فـطهـروا نفـوسـهـم وصانـوا قـلوبهـم ابـتـغـاء وجـه الله ، فالله يـزيـدهـم هـداية ووقايـة ورعـاية، لأنه سـبحانه وتعـالى يـكـون معـهـم بفـضـله وعـونه وتأيـيـده ومـن كان الله معـه فـقـد سـعـد وفـاز، قال الله تعـالى:(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العـنـكـبـوت ـ 69)، وقال الله تعـالى:(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) (محمد ـ 31).
وقـد جـعــل الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) الإحـسان إلى الـوالـدين والـقـيام بحـقـوقـهـما مجـاهـدة تـنـوب عـن الجـهـاد في سـبيـل الله في الـمـيـدان، فـقـد روى البخـاري قـصة الفـتى الـذي أراد أن يخـرج غـازياً مـع رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) فـقال له الـرسـول:(أحـي والــداك؟)، قال الفـتى نـعـم، فـقال الـرسـول:(فـفـيهـما فـجـاهـد).
شـرف العـلم والعـلماء: إن شـرف العـلم والعـلماء لا يخـفى عـلى أحـد، والعـلماء هـم ورثـة الأنـبياء، إذ العـلـم هـو المخـتـص بالإنسانية ، فالله هـو عـلم الإنسـان ما لـم يعـلـم، فهـذا تكـريـم وتـشريـف للإنـسان دون سـائـر المخـلـوقات، قال الله تعـالى:(.. قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) ( الـزمـر ـ 9).
ولـم تكـن هـذه الـكـرامة للإنـسان فـقـط، وإنما يمـتاز الإنـسان بمشـاركـته في جـمـيع الخـصال سـوى العـلـم الـذي خـصه الله به، فهـو يشـارك سـائـر الحـيـوانات في أمـور كـثـيرة، كالشجاعـة والقـوة والشـفـقـة والمحـبة وغـيرها، وبالعـلـم أظهـر الله تـعـالى فـضـل آدم ـ عـليه السـلام ـ عـلى الـمـلائكـة الكـرام، وأمـرهـم بالسجـود لـه وهـو السبيـل للـوصـول إلى السـعـادة الأبـدية إن عـمـل به صاحـبه.
وقال رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم):(مـن يـرد الله به خـيرا يفـقـه في الـدين) وعـنه (صلى الله عـليه وسـلم):(العـلـماء ورثـة الأنبياء).
وحـسبـك أيها المـؤمـن هـذه الـدرجـة العـاليـة مجـداً وفـخـراً، وبهـذه الـرتـبة شـرفـاً وذكـراً، فـكـما لا رتبـة فـوق رتـبة الـنبـوة، فـلا شــرف فـوقـف شـرف العـلـم إذ العـالـم هـو وارث تـلك الـرتبة العـالية العـظـيمة.
وعـنه (صلى الله عـليه وسـلم): ذكـر عـنـده رجـلان أحـدهـما عـابـد والآخـر عـالـم، فـقال:(فـضـل العـالـم عـلى العـابـد كـفـضلي عـلى أدناكـم) وصـدق رسـول الله (صلى الله عـليه وسلم) حـيـث يـقـول الله سـبحانه وتعـالى:(.. قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الـزمـر ـ 9)، وقـال:(.. وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طـه ـ 114).
عـلم بـلا عـمـل شـجـر بـلا ثـمـر: والعـلـم بـلا عـمـل جـنـون ، والعـمـل بغــير عـلـم لا يـكـون ، وأعـلـم أيها الـمـؤمـن أن كل عـلـم لا يـبعــدك اليـوم عـن المعـاصي ولا يحـمـيك ، ولا يحـملك عـلى الطـاعة فـلـن يـبعــدك غـدا مـن نار جـهـنـم، فـإذا لـم تعــمـل للـيـوم الـذي لا ينـفـع فـيه مال ولا بـنـون، ولـم تـتـدارك الأيام الـماضـية، فـسـتـقـول غـداً يـوم القـيامة كـما قال الله تعالى:(حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (الـمـؤمـنـون 99 ـ 100)، وقـال:(..فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهـف ـ 110)، وقال:(فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا، إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا، جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) (مـريـم 59 ـ 61).
والإيمان الحـقـيقي قـول باللسان ، وتصـديـق بالجـنان، وعـمـل بالأركان، ودلـيـل الأعـمال كـثـير لا يحـصى ولا يعـد فـيستـقـصى، وإن كان العـبـد لا يـبلـغ الجـنة إلا بفـضـل الله وكـرمه، ولـكـن لا بـدل أن يـسـتعـد بالطـاعـة والعـبادة، لأن رحـمة الله قـريـب مـن المحـسـنين، بعـيـد عـن الـكافـرين والعـاصـين.
ومما يـروى عـن الحـسـن الـبـصـري، قال: يقـول الله تعـالى لعـباده يـوم القـيامة:(يا عـبادي أدخـلـوا الجـنة بـرحـمتي واقـتسمـوهـا بقـدر أعـمالكـم).
ويحكى أن رجـلاً مـن بني إسـرائيـل عـبـد الله تعـالى سـبعـين سنة، فـأراد الله أن يخـتـبره وهـو العـالـم بمكـنـونات الصـدور، ويعـلم بـكل مـن عـمـل عـمـلا ًما، ما ذا يـريـد بعـمله، فـأرسـل الله إلـيه ملكا يخـبره أنه مع تـلـك العـبادات لا تـلـيـق به الجـنة، (أي أن عـبادته لا تـدخـله الجـنة).
فـلـما أخـبره الـمـلك قال العـابـد نحـن خـلـقـنا للعـبـادة، فـينبغـي لـنـا أن نعـبـده، فـحـسبنا أن نمتـثـل أوامـره، أنـظـر إلى الإيـمان الـراسـخ، فـأخـذ العـباد ذلك مـن قـوله تعالى:(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ،إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الـذاريات 56 ـ 58).
فـلـما رجـع الـملـك إلى الله، قال: إلهي أنـت أعـلـم بما قـال عـبـدك فــلان؟، فـقـال الله تعـالى: إذ لـم يعـرض عـن عـبادتـنا ، فـنحـن مـع الكـرم لا نعــرض عـنه، اشهـدوا يا مـلائكـتي أني غـفـرت لـه، ذلـك لأن عـبادته كانـت خـالـصة لله وحـده، وهـكـذا يجـب عـلى بكل مـؤمـن بالله أن تـكـون جـمـيع عـبادته وأعـماله خـالصة لـوجـه الله.
وقال رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم):(حاسـبـوا أنفـسكـم قـبـل أن تحـاسبـوا وزنـوا قـبـل أن تـوزنـوا)، وقال الإمام عـلي بن أبي طـالب ـ كـرّم الله وجهـه:(مـن ظـن أنه بـدون الجـهـد في العـمـل يصـل فهـو متـمـن، ومـن ظـن أنه يـبـذل الجهـد ليصـل فهـو متعـنـت).
وقال الحـسن البصـري:(طـلب الجـنة بـلا عـمـل ذنـب مـن الـذنـوب) وقال رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلم):(الكـيس مـن دان نفـسه وعـمـل لما بعـد المـوت، والأحـمـق مـن اتبــع نفـسه هـواهـا وتمـنى عـلى الله الأماني)، وقال النبي (صلى الله عـليه وسـلم) :(من سـاعة أن يـوضـع الميت عـلى الجـنازة إلى أن يـوضـع عـلى شـفـير القـبر، يسأل الله تعالى بعـظـمته مـنه أربعـين سـؤالاً: أوله يـقـول: عـبـدي طهـرت منـظـر الخـلـق سـنين، وما طـهـرت منظـري سـاعة، وكل يـوم أنظـر في قـلـبـك فـأقـول: ما تصـنع لغــيري وأنـت محـفـوف بخـيري، ما أنـت أصـم لا تسـمـع مـا أقـول قال الله تـعـالى:(وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) (السجـدة ـ 12).
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى