السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / هنيئاً للعتقاء من النار

هنيئاً للعتقاء من النار

قال ابن رجب في وداع رمضان، واسمعوا لقلوبهم رضوان الله تعالى عليهم كيف كانت تحترق لفراق هذا الشهر: يا شهر رمضان ترفق، دموع المحبين تدفق، قلوبهم من ألم الفراق تشقق، عسى وقفة الوداع تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبة وإقلاع ترقع من الصيام ما تخرق، عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق، عسى أسير الأوزار يطلق، عسى من استوجب النار يعتق.
قُلوبُ المتَّقين إلى هذا الشهر تحِنُّ، ومن ألمِ فراقه تَئنُّ، إذا كان هذا جزعُ من ربح فيه، فكيف بمن خسر في أيامه ولياليه؟ ماذا ينفعُ المفرطُ فيه بكاؤه، وقد عظمتْ فيه مصيبتُه وجلَّ عزاؤه؟ كم نُصِحَ المسكينُ فما قبلَ النُّصحَ، كَم دُعيَ إلى المصالحة فما أجاب إلى الصُّلح؟ كما شاهد الواصلين فيه، وهو متباعدٌ، كم مرَّت به زُمرُ السائرين وهو قاعد؟ حتى إذا ضاق به الوقتُ، وحاقَ به المقتُ، ندِمَ على التفريط حين لا ينفعُ النَّدم.
يا من أعتقهُ مولاهُ من النَّار، إياك أن تعودَ بعد أن صرت حرًّا، إلى رقِّ الأوزار، أيبعدُك مولاك من النّار، وأنت تقربُ منها؟ وينقذُك منها، وأنت توقعُ نفسك فيها، ولا تحيدُ عنها؟ إن كانت الرحمةُ للمحسنين فالمسيءُ لا ييأس منها، وإن تكن المغفرة للمتقين، فالظالم لنفسه غيرُ محجوب عنها.
جاء رمضان، ومن الناس من عرف عظمة هذا الموسم، وقدر أوقات الشهر، فاغتنمها وزاد من عمله الصالح، وتضرع فيه بين يدي مولاه، وسأله المغفرة والعفو، ومحو الذنوب والسيئات، والعتق من النار فقدم فيه خيراً، فليحمد الله على ذلك، وليسأله الثبات على الطاعة، والمزيد من التوفيق للأعمال الصالحة.
ومن الناس من دخل عليه الشهر، ولم يأبه بدخوله، ولم يقدر قيمة لحظاته، ونفاسة أوقاته، فلم يغير شيئا من نمط حياته، ولم يعدل طريقته في قضاء أوقاته، فأهدر هذا الموسم، وفرط في اغتنامه، فرحل شهر الصيام وهو غارق في غفلاته، فيحتاج هذا إلى محاسبة نفسه والتوبة إلى ربه، وفتح صفحة جديدة، وحياة يستغلها بالطاعة، ويوظف أوقاته في طلب مغفرة ربه ومرضاته.
فالناس بعد رمضان فريقان: فائزون وخاسرون، فيا ليت شعري من هذا الفائز منا فنهنيه؟ ومن هذا الخاسر فنعزيه؟! روي عن علي ـ كرّم الله وجهه: أنه كان ينادي في آخر ليلةٍ من رمضان: يا ليت شعري من هذا المقبولُ فنهنيه، ومن هذا المحرومُ فنعزِّيه؟ أيُّها المقبولُ: هنيئًا لك، أيُّهَا المردودُ: جبر اللهُ مصيبتك.
ومعرفة المقبول من المغبون غيب لا يعلمه إلا الله ولكن هناك علامات تدل على القبول منها:
أولاً: التوجه بالشكر لله عز وجل على التوفيق للأعمال الصالحة
فلقد أمر الله سبحانه عند إكمال العدة بتكبيره وشكره، فقال:(وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فأمرهم بشكْرُ من أنعم عليهم بتوفيقهم للصيام والقيام، وإعانتهم عليه، ومغفرته لهم وعتقهم من النار.
وقال تعالى:(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (.
فلمَ لا يُرجَى العفوُ من ربِّنا؟ وكيف لا يُطمع في حلمه؟ ومن أسمائه سبحانه العفو الحليم.
كان السلفُ الصالحُ: يجتهدون في إتمام العمل، وإكماله وإتقانه، ثم يهتمون بعدَ ذلك بقبوله: ويخافون من ردِّه، وهؤلاء الذين يُؤتُون ما آتو وقلوبهم وجلة، رُوي عن عليٍّ ـ كرّم الله وجهه:(كُونُوا لقبول العمل أشدَّ اهتمامًا منكم بالعمل، ألم تسمعُوا الله عز وجل يقول:(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ).
وعن فضالةَ: لأن أعلم أن الله تقبّل مني مثقال حبةِ خردلٍ، أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها، لأن الله تعالى يقول:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(.
وقال مالك بنُ دينار: الخوفُ على العمل أن لا يُقبل أشدُّ من العمل.
وقال عبد العزيز بن أبي رَوَّاد: أدركتُهم يجتهدُون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهمُّ: أتُقُبِّلَ منهم أم لا؟ وقال بعض السلف: كانوا يدعون الله ستة أشهرٍ أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم.
وكان بعض السلف يظهرُ عليه الحزنُ يوم عيد الفطر، فيقال له: إنه يومُ فرح وسرور فيقول: صدقتم. ولكني عبدٌ أمرني مولاي أن أعمل له عملاً، فلا أدري أيقبله مني أم لا؟ورأى وهيبٌ قومًا يضحكون يوم عيدٍ، فقال: إن كان هؤلاء تُقُبِّل منهم صيامُهم، فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان لم يُتقبل منهم فما هذا فعل الخائفين.
وعن الحسن قال: إن الله جعل رمضانَ مضمارًا لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبقَ قومٌ ففازوا، وتخلَّف آخرون فخابوا، فالعجبُ من اللاّعب الضاحك في اليوم الذي يفوزُ فيه المحسنون، ويخسرُ فيه المبطلون. متى يغفر لمن لم يغفر له في هذا الشهر؟ متى يُقبل من رُدَّ في ليلة القدر؟ متى يصلُح من لا يصلحُ في رمضان؟.
الاستغفارُ: ختامُ الأعمال الصالحة كلِّها، فتختم به الصلاة والحج وقيامُ الليل، وتختم به المجالسُ، فإن كانت ذكرًا، كان كالطابع عليها، وإن كانت لغوًا كان كفارةً لها، فكذلك ينبغي أن يُختم صيامُ رمضان بالاستغفار، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: يأمرُهم بختم رمضان بالاستغفار،فقال رحمه الله في كتابه إلى الأمصار: قُولوا كما قال أبُوكم آدمُ ـ عليه السلام:(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) وقولوا كما قال نوحٌ ـ عليه السلام:(.. وإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، وقولوا كما قال موسى ـ عليه السلام:(رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي)، وقولوا كما قال ذو النون ـ عليه السلام:(لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ(،
ويروى عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ أنه قال:(الغيبة تخرق الصيام، والاستغفار يرقعه، فمن استطاع منكم أن يجيء بصوم مرقع فليفعل(.
قال الحسن: أكثروا من الاستغفار، فإنكم لا تدرُون متى تنزلُ الرَّحمةُ، وقال لقمان لابنه: يا بنيَّ عوِّد لسانك الاستغفار، فإن لله ساعاتٍ لا يردُ فيها سائلًاً.
وفي الأثر: إن إبليس قال: أهلكتُ الناس بالذُّنوبِ، وأهلكوني بلا إله إلا الله، والاستغفار.
كان بعض السلف إذا صلى استغفر من تقصيره فيها كما يستغفر المذنب من ذنبه, إذا كان هذا حال المحسنين في عباداتهم فكيف حال المسيئين مثلنا في عباداتهم؟! .. اللهم ارحم مَنْ حسناتهُ كلها سيئات وطاعاته كلها غفلات.

إعداد/علي بن عوض الشيباني

إلى الأعلى