الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (31)

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (31)

عزيزي القارئ: تكملة لما نشر خلال شهر رمضان نواصل سلسلة هذه الحلقات حتى نهايتها.
الذكورية:
قال ابن قدامة:(والذكورية شرط لوجوب الجمعة وانعقادها، لأن الجمعة يجتمع لها الرجال، والمرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال، ولكنها تصح منها لصحة الجماعة منها، فإن النساء كن يصلين مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجماعة)، وأخرج أبو داود من حديث طارق بن شهاب أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض)، قال النووي:(.. نقل ابن المنذر وغيره الإجماع أن المرأة لا جمعة عليها .. ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أنها لو حضرت وصلت الجمعة جاز، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة المستفيضة أن النساء كن يصلين خلف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في مسجده خلف الرجال، ولأن اختلاط النساء بالرجال إذا لم يكن خلوة ليس بحرام)، وقال النووي:(.. ولا تجب على الخنثى المشكل للشك في الوجوب، وممن صرح به القاضي أبو الفتوح والبغوي وصاحب البيان).
ثانياً ـ الشروط المختلف عليها:
1 ـ البلوغ: لقوله (صلى الله عليه وسلم):(رواح الجمعة واجب على كل محتلم)، قال ابن قدامة:(.. وأما البلوغ فهو شرط أيضاً لوجوب الجمعة وانعقادها في الصحيح من المذهب، وقول أكثر أهل العلم، لأنه من شرائط التكليف، بدليل قوله ـ عليه الصلاة والسلام:(رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ ..)، وذكر في الصبي المميز رواية أخرى (أنها واجبة عليه بناء علي تكليفه، ولا مُعَوَّل عليه) (من كتاب المغني لابن قدامة)، وسبق ذكر حديث طارق بن شهاب مرفوعاً عند أبي داود:(الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض)، ولكن الصبي يؤمر بها لسبع ويضرب عليها لعشر، لدخوله في عموم قوله (صلى الله عليه وسلم) في حديث سبرة (مروا أبناءكم عليها لسبع واضربوهم لعشر)، قال النووي:(واعلم أن قوله (صلى الله عليه وسلم):(مروا أولادكم بالصلاة) ليس أمراً منه (صلى الله عليه وسلم) للصبي، وإنما هو أمر للولي فأوجب على الولي أن يأمر الصبي. وهذه قاعدة معروفة في الأصول أن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً بالشيء ما لم يدل عليه دليل، قيل: ويأمره الولي بحضور الصلوات في الجماعة وبالسواك وسائر الوظائف الدينية.
2 ـ الحرية: فلا تجب على العبد لحديث طارق بن شهاب عند أبي داود مرفوعاً:(الجمعة حق واجب علي كل مسلم إلا أربعة: مملوك ..)، قال ابن قدامة في المغني:(فأما العبد، ففيه روايتان: أحدهما: لا تجب عليه الجمعة، والثانية : تجب عليه، ولا يذهب من غير إذن سيده. نقلها المَرُّوزي واختارها أبو بكر، وبذلك قالت طائفة، إلا أن له تركها إذا منعه السيد، واحتجوا بقوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله) ولأن الجماعة تجب عليه، والجمعة آكد منها، فتكون أولى بالوجوب، وحكي عن الحسن وقتادة أنها تجب على العبد الذي يؤدي الضريبة، لأن حقه عليه قد تحول إلى المال، فأشبه من عليه الدين، قال ابن قدامة: ولنا ما روى طارق بن شهاب عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:(الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض) ولأن الجمعة يجب السعي إليها من مكان بعيد، فلم تجب عليه، كالحج والجهاد، ولأنه مملوك المنفعة، محبوس على السيد، أشبه المحبوس بالدَّين، ولأنها لو وجبت عليه لجاز له المضي إليها من غير إذن سيده، ولم يكن لسيده منعه منها كسائر الفرائض، والآية مخصوصة بذوي الأعذار، وهذا منهم، وذهب السعدي إلى أن الجمعة و الجماعة تجب على العبيد و الأرقاء، لأن النصوص عامة في دخولهم، ولا دليل يدل على إخراج العبيد و ضعف حديث طارق بن شهاب وقال: ضعيف الإسناد، وذهب إلى العمل بعموم حديث حفصة عن النسائي مرفوعاً:(رواح الجمعة واجب على كل محتلم)، قال: وهو عام في الحر والمملوك، والأصل: أن المملوك حكمه حكم الحر في جميع العبادات البدنية التي لا تعلق لها بالمال، وقال ابن تيميه: تجب إذا أذن له سيده، وهي الرواية الثالثة في مذهب أحمد، وهذا قول وسط بين قول من يلزمه جمعة مطلقاً، وقول من لا يلزمه مطلقاً.
3 ـ الإقامة: فأكثر العلماء أن المسافر في غير معصية لا جمعة عليه، قال ابن قدامة: وأما المسافر فأكثر أهل العلم يرون أنه لا جمعة عليه .. قاله مالك في أهل المدينة، والثوري في أهل العراق، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وروي ذلك عن عطاء، وعمر بن عبد العزيز و الحسن والشعبي. وحكي عن الزهري والنخعي أنها تجب عليه، لأن الجماعة تجب عليه، فالجمعة أولى، قال ابن قدامة: ولنا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يسافر فلا يصلي الجمعة في سفره، وكان في حجة الوداع بعرفة يوم الجمعة، فصلى الظهر والعصر، وجمع بينهما، ولم يصل جمعة، والخلفاء الراشدون ـ رضى الله عنهم ـ كانوا يسافرون للحج وغيره فلم يصل أحد منهم الجمعة في سفره، وكذلك غيرهم من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومن بعدهم، وقد قال إبراهيم: كانوا يقيمون بالريَّ السنة وأكثر من ذلك، وبسجستان لا يُجَمَّعون ولا يُشَرَّقون، وعن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال:(أقمت معه سنتين بكابُل، يقصُر الصلاة ولا يُجَمَّع رواها سعيد، وأقام أنس بنيسابور سنة أو سنتين فكان لا يُجَمَّع. ذكره ابن المنذر، وهذا إجماع مع السنة الثابتة فيه، فلا يسوغ مخالفته)، وقال في كشاف القناع:(ولو أقام المسافر سفر طاعة أربعة أيام فأكثر لزمته بغيره)، وقال النووي في المجموع: .. لا تجب الجمعة على المسافر هذا مذهبنا لا خلاف فيه عندنا، وحكاه ابن المنذر وغيره عن أكثر العلماء، وقال الزهري والنخغي: إذا سمع النداء لزمته، وذهب ابن حزم إلى وجوب الجمعة على المسافر في سفره: قال الله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله و ذروا البيع) (الجمعة ـ 9)، قال: هذا خطاب لا يجوز أن يخرج منه مسافر ولا عبد بغير نص من رسول الله )صلى الله عليه وسلم)، وقال الصنعاني:(ولا تجب على النازل لأنه داخل في لفظ المسافر، وإليه ذهب جماعة من الآل أيضاً وهو الأقرب، لأن أحكام السفر باقية له، من القصر ونحوه، ولذا لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم صلى الجمعة بعرفات في حجة الوداع لأنه كان مسافراً) .. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى