الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / ترميم مسجد “كتشاوة” بالجزائر.. إعادة الألق للتاريخ
ترميم مسجد “كتشاوة” بالجزائر.. إعادة الألق للتاريخ

ترميم مسجد “كتشاوة” بالجزائر.. إعادة الألق للتاريخ

الجزائر ـ العمانية:
منذ اختيرت الجزائر عاصمة للثقافة العربية سنة 2007، وهي تحاول جاهدة أن تُعيد إلى الكثير من معالمها العربية والإسلامية رونقها وتألُّقها، ولهذا رصدت الحكومة مخصصات مالية كبيرة لترميم عدد من تلك المعالم التي تخضع حالياً لعمليات إعادة تهيئة واسعة.
وعلى مدى السنوات العشر الأخيرة، سطّرت الجزائر برنامجاً طموحاً استعادت من خلاله العديد من البنايات التاريخية، من مساجد ومتاحف وقصور، يعود تاريخ بنائها إلى فترة الوجود العثماني بالجزائر وما قبلها، وهي الحقبة التي شهدت توسُّعاً عمرانياً كبيراً، لا تزال الكثير من شواهده ماثلة إلى اليوم.
ولعلّ أهمّ تلك البنايات التي رُمّمت، وهي تُعدّ قبلة للزوار الجزائريين والأجانب، قصر ريّاس البحر الذي تحوّل إلى متحف وقاعة عرض رائعة تُطلُّ على البحر الأبيض المتوسط في خيلاء، كما تمّ ترميم أجزاء مهمة من بنايات حيّ القصبة العتيق، وهو حيٌّ يتنفس التاريخ الجزائري الحافل بالبطولات والقصص الخالدة.
وغير بعيد عن هذا الحيّ الذي ألهم الشعراء والروائيين والفنانين التشكيليين أعمالاً إبداعية رائعة، يرتفع مسجد كتشاوة العتيق شامخاً بمئذنتيه المتطابقتين وقبّته التي تتوسّطهما في جمال أخّاذ متربّعاً على مساحة مئات الأمتار المربعة، قريباً عن قصر مصطفى باشا الذي تمّ ترميمه قبل سنوات، وصار متحفاً لفن الخط والمنمنمات والزخرفة، وهو يُعدُّ قبلة لعشّاق هذه الفنون العربية الإسلامية كونه يحتضن تظاهرات ثقافية لها علاقة بالخط والمنمنمات والزخرفة، كما تحتفظ قاعاته بالعشرات من اللّوحات والأعمال التي أنجزها أمهر الفنانين من البلاد العربية والإسلامية.
ويمثل مسجد كتشاوة واحداً من 300 مسجد تمّ تشييدها خلال فترة الحكم العثماني للجزائر، ولعلّه واحد من أشهرها على الإطلاق، نظراً لاتّساعه وموقعه وخصوصيته المعمارية.
بُني هذا الصرح التاريخي في العهد العثماني سنة 1021هـ/ 1792م، وهو يتميّز بطابع عمراني عربي إسلامي أضفته عليه تلك النقوش التي تكسو جدرانه الخارجية المقابلة للواجهة البحرية لساحة الشهداء، وهذا ما جعله علامة مميّزة للجزائر العاصمة، خاصة وأنّه يتوسّط حالياً سوقا يؤمُّها الجزائريون من كلّ مكان للتبضُّع، ولعلّ ميزة وجود سوق رافقت محيط هذا الجامع منذ إنشائه، حيث تؤكد أغلب المراجع التاريخية أنّ تسمية “كتشاوة” يعود اشتقاقها من تزاوج كلمتين تركيتين، أولاهما “كيجي” وتعني السوق، و”اوى” التي يقصد بها الماعز، وسُمّيت الساحة المحاذية للمسجد كذلك لأنها كانت عبارة عن سوق لتربية وبيع الماعز، وهي التسمية التي لازمت المسجد العتيق إلى يومنا هذا، مع تغيير طفيف طرأ على منطوق الكلمة الذي صار “كتشاوة”.عند المرور بالقرب من جامع كتشاوة تُواجهك الأعمدة والدعامات التي غطّت واجهة المسجد، فمنذ شهر مايو 2014، وهو تاريخ توقيع اتفاقية بين الجانبين الجزائري والتركي من أجل ترميم هذا الصرح الديني والثقافي المهم، لم تتوقف الأشغال لحظة واحدة.
في البداية عكف الخبراء الأتراك على ترميم الجدران والأسقف الداخلية للجامع، ثم انتقلت عمليات الترميم إلى الجدران الخارجية التي تُمثّل واجهة المسجد المقابلة للشارع المطلّ على ساحة الشهداء.
وقبل أن يتسلم الأتراك مشروع الترميم، كانت وزارة الثقافة الجزائرية قد التقت وفداً من خبراء اليونيسكو عام 2010 لدراسة بعض مشاريع ترميم عدد من المعالم التاريخية، وعلى رأسها مسجد كتشاوة، لكنّ الخطة لم تخرج عن نطاق الدراسة، إلى أن أُعيد بعث الملف من جديد بالشراكة مع الجانب التركي.
وعلى غرار العديد من المساجد والجوامع الجزائرية التي عاشت سنوات طويلة من المحنة أيام الاستعمار الفرنسي للجزائر، لم تختلف الحال كثيراً بالنسبة لجامع كتشاوة الذي شهد حقبة سوداء في تاريخه عندما قام الجنرال “دو رو فيغو”، القائد الأعلى للقوات الفرنسية وقائد حملة “دوبونياك”، بتحويله عنوة إلى كنيسة، وأمر بإخراج جميع المصاحف التي كانت بداخله وإحراقها، كما قام بمجزرة في حق الجزائريين الذين اعتصموا داخل المسجد احتجاجاً على تحويله إلى كنيسة حين قتل منهم ما يفوق أربعة آلاف شخص، هذا إضافة إلى انتهاك حرمة المسجد بإحداث تغييرات وتعديلات عليه سنة 1832، أي بعد مرور عامين فقط على احتلال فرنسا للجزائر، ليُصبح الجامع كنيسة حملت اسم “سانت فيليب”، وأدّى فيها المسيحيون أول صلاة مسيحية.
ومن شدة فرحة الفرنسيين بتحويل وجهة هذا المسجد الدينية، قامت الملكة إيميلي زوجة لويس فيليب بإرسال هدايا ثمينة للكنيسة الجديدة، في حين أرسل زوجها الملك الستائر الفاخرة، كما بعث البابا غريغور السادس عشر تماثيل للقديسين.
ولم يشفع للمقدّسات الإسلامية في الجزائر تلك المواثيق التي وقّعها الداي حسين حاكم الجزائر حين سلّم مفتاح العاصمة للفرنسيين في 5 يوليو 1830، والتي نصّت صراحة على ضرورة احترام الدين الإسلامي ومقدّساته وحماية ممتلكات وأرواح الأهالي، فكان أول ما قام به الجيش الفرنسي خرقُ تلك المواثيق والعبث بالمقدّسات ومقوّمات الحضارة العربية والإسلامية.
وكان من حسن حظ جامع كتشاوة أنّ يد التغيير لم تطل الكثير من خصوصياته المعمارية، ولهذا لا يُلاحظ الناظر غير المتفحّص إلى المسجد تلك التغييرات التي مسّت واجهته الأمامية، وتلخّصت أساساً في بعض الأشكال الهندسية والرسومات والصلبان التي أضافها الفرنسيون ليبدو المسجد كنيسة.
يمرُّ أكثر من قرن من الزمان، ويندحر المستعمرون إلى غير رجعة، وفي تاريخ 4 جمادى الآخرة 1382هـ/ 2 نوفمبر 1962م، يعود جامع كتشاوة إلى حضنه الطبيعي، وتُقام فيه أول صلاة جمعة بعد استقلال الجزائر، وقام خطيباً فيها العالم الجزائري الشهير البشير الإبراهيمي، ونُقلت وقائعها على أمواج الإذاعة الوطنية الجزائرية.
ومن دون شك، لن تمرّ سوى أشهر معدودات حتى يعود جامع كتشاوة إلى سابق عهده قبلة للمصلّين، صادحاً بالأذان على مدار اليوم واللّيلة، ولن يكون “كتشاوة” المعلم الوحيد الذي سيتنفس عبق الحرية من جديد، ولكن ستعود العشرات من المباني التاريخية الجزائرية بعد ترميمها، لتكون جسراً يربط الماضي بالحاضر، وترمق المستقبل بعيون تتوق إلى استعادة أمجاد حضارتنا العربية والإسلامية الخالدة.

إلى الأعلى