الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نقلة نتنياهو وتراجع حل الدولتين

نقلة نتنياهو وتراجع حل الدولتين

علي بدوان

المشروع الاستيطاني الاستعماري «القدس 2020» يَهدِفُ إلى فصل القدس ومحيطها القريب عن الضفة الغربية وقطع التواصل معها، وتهديد الوجود الفلسطيني داخل حدودها الإدارية، وابتلاع مطار القدس في قلنديا لإنهاء إمكانية وجود وقيام الدولة الفلسطينية و»حل الدولتين».

أطلقت حكومة تحالف «نتنياهو ــ ليبرمان» مشروعها الكولونيالي الاستيطاني التهويدي الأخير تحت عنوان مشروع «القدس 2020»، وهو نقلة نوعية في مسار المشروع التوسعي الذي يَمس مدينة القدس في سياق عمليات تهويد المدينة ومحيطها، وهي العمليات الجارية منذ احتلالها الكامل عام 1967، واستمرارًا لمشروع الإطباق على كامل المدينة وعلى حدودها الإدارية التي جرى توسيعها أكثر من مرة.
المشروع التهويدي الجديد هو المرحلة المهمة، ذات البُعد الاستراتيجي في سياسة القضم المنهجي والتدريجي المُتسارع والمحموم لتهويد القدس الشرقية،كمقدمةً لمرحلة جديدة، تهدف إلى التخلص من أهل القدس ومواطنيها الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين على حد سواء، ورسم خريطة جديدة على أرض الواقع، ضمن حلقات المخططات والمشاريع «الإسرائيلية» لتوسيع المستوطنات في الجزءين الشمالي والغربي من مدينة القدس لتهويدها، وتوسيع نطاق حدود بلديتها لتضم المزيد من أراضي الضفة الغربية، ورسم خريطة ديمغرافية جديدة، ولقطع الطريق أمام أي عملية سياسية تقود لاعتراف العالم بالقدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية في إطار «حل الدولتين»، وهو الحل الذي بدأ يترنح منذ فترة ليست بالقصيرة، حتى باعترافات القادة «الإسرائيليين» من داخل حكومة نتنياهو قبل غيرها.
إن «إسرائيل» تتخذ الآن وأكثر من أي وقتٍ مضى، تدابير لطرد المواطنين الفلسطينيين من أبناء مدينة القدس وتشريدهم من أجل ضمان أغلبية يهودية في القدس الكبرى ومحيطها. ويًعتبر الجدار الفاصل من أهم التدابير التي تستعملها حيث مكّنها من ضم 160 كيلومترا مربعا إضافية من الأرض المحتلة عام 1967 بجوار القدس، وفصل ما يزيد على 55,000 مقدسي عن مركز مدينتهم. ويمثّل ماتسميه سلطات الاحتلال بــ»التخطيط الحضري» أداة جيوسياسية واستراتيجية تستخدمها سلطات الاحتلال منذ 1967 لضمان السيطرة الديمغرافية والإقليمية اليهودية على المدينة ومحيطها.
المشروع الاستيطاني الاستعماري «القدس 2020» يَهدِفُ إلى فصل القدس ومحيطها القريب عن الضفة الغربية وقطع التواصل معها، وتهديد الوجود الفلسطيني داخل حدودها الإدارية، وابتلاع مطار القدس في قلنديا لإنهاء إمكانية وجود وقيام الدولة الفلسطينية و»حل الدولتين». ومن أهداف الخطة 2020 كما ترى سلطات الاحتلال وحكومة نتنياهو «الحفاظ على أغلبية يهودية راسخة في المدينة» من خلال تشجيع المستوطنات في القدس الشرقية والحد من الهجرة السلبية، وربط المستعمرات في الضفة الغربية بالقدس وتل أبيب جغرافيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا.
إن مخاطر المشروع (القدس 2020) تتضح من خلال سعي أصحابه من قادة ائتلاف حكومة نتنياهو لإنجاز 58 ألف وحدة سكنية استيطانية في البداية بشكلٍ متسارع، وإلى بناء 15 ألف وحدة سكنية في محيط مطار قلنديا، وبالتالي إنجاز خطوة كبيرة وذات بُعد مؤثر في سياق التهويد الكامل للمدينة بجزءيها الغربي المحتل عام 1948 والشرق المحتل عام 1967.
هنا علينا أن نلاحظ، أن مدينة القدس باتت مطوقة بكتل المستعمرات الكبرى وبحزام استيطاني استعماري، وحتى بالمستعمرات التي أقيمت داخل أحيائها العربية المصادرة، حيث تُعد مستوطنة (معاليه أدوميم) المستعمرة الأكبر في منطقة القدس لفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وكذلك فصلها عن بيت لحم والخليل، كما في حال مستعمرة (بسغات زئيف) لفصل القدس عن الأغوار، عدا عن وجود ما لايقل عن 14 مستوطنة داخل المدينة تسمى «أحياء» تعدادها 60 ألف وحدة استيطانية، فضلًا عن جدار الفصل العنصري، ومع هذا يبقي الفلسطينيون أبناء القدس في القدس الكبرى (الشرقية والغربية) يُشكّلون 40% من المجموع الكلي السكان، هم أصحاب الوطن الأصليون الصامدون على تراب القدس بالرغم من كل حملات التطفيش والمضايقات «الإسرائيلية».
في هذا الإطار، وفي سياق مساعي سلطات الاحتلال لتغيير الواقع العام للمدينة المقدسة، حتى من الناحية الاقتصادية، فإن حكومة الاحتلال تعكف على العمل الحثيث لتحقيق رؤيتها للقدس كمركزٍ متقدمٍ تكنولوجيًّا، ذي أغلبية يهودية صافية على حساب مواطنيها وأصحابها من المقادسة، يتوافد إليه السياح من كل صوب وتقطنه قلة فلسطينية من مواطني المدينة وأبنائها الأصليين أصحاب الأرض والوطن، وتنفيذ ثلاثة مخططات رئيسية، ومنها خطة (ماروم) التي كلّفت الحكومة بإعدادها لتطوير القدس والترويج بها «كمدينة عالمية ورائدة في التجارة ونوعية الحياة». وخطة (القدس 5800)، المعروفة أيضًا باسم القدس (2050)، وهي مبادرة خاصة أطلقها (كيفن بيرميستر) المبتكر التكنولوجي والمستثمر العقاري الأسترالي، وهي منبثقة من مبادرة للقطاع الخاص ومطروحة باعتبارها «خطة ستغيّر ملامح القدس». وتعزز هذه المخططات بعضها تحقيقًا لهدفها المشترك المتمثل في زيادة عدد اليهود من سكان مدينة القدس ومحيطها، وتقليل عدد المواطنين الفلسطينيين المقادسة في القدس من خلال الاستعمار والتهجير وسلب الممتلكات، وتطفيش الناس بكل السبل المُمكنة.
تشترك تلك المخططات المشار إليها أعلاه، في هدفٍ آخر وهو جذب اليهود ومن يشايع الحركة الصهيونية، من شتى أنحاء العالم إلى القدس من خلال تطوير التعليم العالي والتكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك بناء جامعة دولية في وسط المدينة، تعتمدُ اللغةَ الإنجليزية لغةً رئيسيةً للتدريس فيها (خطة القدس 2020)، وجعل القدس (مدينة أكاديمية رائدة جذابة للطلاب اليهود والدوليين الذين سيتشجَّعون على الاستقرار في القدس بعد التخرج). كما وترتبط هذه المشاريع بترويج القدس كمركزٍ للبحث والتطوير في مجال التكنولوجيا البيولوجية من خلال إنشاء جامعة للإدارة والتكنولوجيا في مركز مدينة القدس، وزيادة المساعدات الحكومية للبحث والتطوير في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والتكنولوجيا البيولوجية.
إن خطة «القدس 2020» «الإسرئيلية الصهيونية»، تأتي في ظل التصريحات التي أدلى بها رئيس «الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو»، والوزير «أفيجدور ليبرمان»، عن التزامهما بإحلال السلام مع جيرانهم الفلسطينيين، ومع جميع جيرانهم العرب، والدعوة لتعديل مبادرة السلام العربية التي تم إطلاقها من قمة بيروت العربية عام 2002 بصورة تعكس المتغيرات الدراماتيكية التي حصلت في المنطقة منذ عام 2002 كما قال الوزير المتطرف أفيجدور ليبرمان، وهي دعوة صريحة للنزول بالمبادرة العربية والهبوط بها باتجاه الموقف «الإسرائيلي» المعروف تجاه الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب العربي الفلسطيني، وتجاه مسألة حل الدولتين، وتجاه قضية القدس التي تعتبرها مختلف الأحزاب «الإسرائيلية» قدس موحدة وعاصمة «للدولة الإسرائيلية»…؟

إلى الأعلى