الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / الفرنسي بوكاي: المعطيات الخاصة بالإسلام لا تزال مجهولة فى بلاد الغرب

الفرنسي بوكاي: المعطيات الخاصة بالإسلام لا تزال مجهولة فى بلاد الغرب

القاهرة ـ العمانية:
في ضوء الاهتمام بعلم الأديان المقارنة في الآونة الأخيرة، أصدرت دار المعارف بالقاهرة طبعة جديدة من كتاب “القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلْم” للباحث والطبيب الفرنسى موريس بوكاي، الذي اشتهر بدراسة العلاقة بين الدين والعلم، والذي انتهى به هذا البحث الطويل إلى إشهار إسلامه، وخوض مجال تبيان الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.يقول بوكاي في كتابه إن القرآن – وقد أتى بعد المسيح بقرون ستة – يتناول معطيات عديدة جاءت فى التوراة العبرية والأناجيل، لذلك تُذْكَر فيه التوراة والإنجيل كثيراً، ويوصى المسلمون بالإيمان بالكتب السابقة عليه كما جاء في سورة النساء: “يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً”. وهكذا، فإن القرآن يؤكد المكانة البارزة التى يحتلها رسل الله فى تاريخ التنزيل، ومنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام .ويشير المؤلف إلى أن المعطيات الخاصة بالإسلام لا تزال مجهولة فى بلاد الغرب، ويرجع ذلك إلى الطريقة التى اتُّبعت فى تثقيف الأجيال المتعاقبة فيما يتعلق بالقضايا الدينية لدى الإنسان وكيف فُرض عليها الجهل فى كل ما يمس الإسلام. ويرى أن الاستعمال السائد حتى اليوم فى التسميات مثل “الدين المحمدي” و”المحمديون” يدلّ على الرغبة فى أن تظل النفوس مقتنعة بذلك الرأي الخاطئ بأن تلك معتقدات انتشرت بفضل جهاد رجل، وأنه ليس لله بالمعنى الذى يدركه النصارى مكان فى تلك المعتقدات. ويشدد بوكاي على أن القرآن الكريم يثير وقائع ذات صفة علمية، وهي وقائع كثيرة جداً، خلافاً لقلتها فى التوراة، إذ ليس هناك أي وجه للمقارنة بين القليل جداً لما أثارته التوراة من الأمور ذات الصفة العلمية، وبين تعدد وكثرة الموضوعات ذات السمة العلمية في القرآن.
ويؤكد أن أي موضوع من مواضيع القرآن العلمية لا يتعارض مع وجهة النظر العلمية، لافتاً إلى أنه عند الحديث عن حقائق العلم، فإن المقصود هنا كل ما قد ثبت منها بشكل نهائي، بمعنى استبعاد نظريات الشرح والتبرير التي قد تفيد في عصرٍ ما لشرح ظاهرة، ولكنها قد تُلغى بعد ذلك تاركةً المكان لنظريات أخرى ملائمة للتطور العلمي.ويضرب بوكاي مثالاً على ذلك، بأننا نجهل التاريخ التقريبي لظهور الإنسان على الأرض، غير أن هناك آثاراً لأعمال بشرية تم اكتشافها يعود تاريخها إلى ما قبل الألف العاشرة من التاريخ المسيحي، وعليه فإننا لا نستطيع علمياً قبول صحة نص سفر التكوين الذي يعطي أنساباً وتواريخ تحدد أصل الإنسان/ خلق آدم بحوالي قرن قبل المسيح.ويضيف بأننا نستطيع أن نطمئن إلى أنه لن يمكن أبداً إثبات أن الإنسان قد ظهر على الأرض منذ سنة كما يقول التاريخ العبري. وبناء على ذلك فإن معطيات التوراة الخاصة بقدم الإنسان غير صحيحة.‏ويشير موريس بوكاي إلى أن دراسته تختصّ بما تنبئنا به الكتب المقدسة فيما يتعلق بالظاهرات المتنوعة الكثيرة، والتي تحيطها تلك الكتب بقليل أو بكثير من التعليقات والشروح مع ملاحظة أن الوحي القرآنى غني جداً في تعداد هذه المواضع وذلك على خلاف ندرتها في العهدين القديم والجديد، ولذا قام أولاً بدراسة القرآن الكريم دون أدنى أي فكر مسبق وبموضوعية تامة، باحثاً عن درجة الاتفاق بين نص القرآن ومعطيات العلم الحديث.ويقول بوكاي: “كنت أعرف، قبل هذه الدراسة، وعن طريق الترجمات، أن القرآن يذكر أنواعاً كثيرة من الظاهرات الطبيعة، ولكن معرفتي كانت وجيزة، وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن الكريم لا يحتوي على أيّ مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث”.ويشير بوكاي إلى أنه درس العهد القديم والأناجيل بالمقدار نفسه من الموضوعية، وإلى أنه لم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من الكتاب الأول في العهد القديم (أي سفر التكوين)، فقد وجد مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخاً فى عصرنا.ويتابع: “بالنسبة للأناجيل، فما نكاد نفتح الصفحة الأولى منها حتى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة، ونعني بها شجرة أنساب المسيح”، كما إن “نص إنجيل متّى يناقض بشكل جلي إنجيل لوقا الذي يقدم لنا صراحة أمراً لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقدم الإنسان على الأرض”.‏ويرى بوكاي أن العهد القديم يتكون من مجموعة من المؤلفات الأدبية أُنتجت على مدى تسعه قرون تقريباً، وهو يشكل مجموعة متنافره جداً من النصوص عدّل البشر من عناصرها عبر السنين، وقد أضيفت أجزاء لأجزاء أخرى كانت موجودة من قبل، بحيث إن التعرف على مصادر هذه النصوص اليوم عسير جداً في بعض الأحيان.
ويوضح أن هدف الأناجيل هو تعريف البشر، عبر سرد أفعال وأقوال المسيح، بالتعاليم التي أراد أن يتركها لهم عند اكتمال رسالته على الأرض. لكن الأناجيل “لم تُكتب بأقلام شهود معاينين للأمور التي أخبروا بها”، وهي “تعبير المتحدثين باسم الطوائف اليهودية المسيحية المختلفة عما احتفظت به هذه الطوائف من معلومات عن حياة المسيح العامة وذلك في شكل أقوال متوارثة شفهية أو مكتوبة اختفت اليوم بعد أن احتلت دوراً وسطاً بين التراث الشفهي والنصوص النهائية.”.ويؤكد بوكاي أن الإسلام اعتبر دائماً أن الدين والعلم توأمان متلازمان، فمنذ البدء كانت العناية بالعلم جزءاً لا يتجزأ من الواجبات التي أمر بها الإسلام، ما أدى إلى ذلك الازدهار العظيم للعلوم فى عصر الحضارة الإسلامية التي اقتات منها الغرب نفسه قبل عصر النهضة في أوروبا.ويخلص إلى أن القرآن الكريم لا يخلو فقط من متناقضات الرواية -وهي السمة البارزة في الصياغات المختلفة للأناجيل- بل هو يُظهر أيضاً توافقاً تاماً مع المعطيات العلمية الحديثة، ويكتشف القارئ فيه مقولات ذات طابع علمي من المستحيل معها تصور أن إنساناً في عصر محمد صلى الله عليه وسلم قد استطاع تأليفها. وعلى هذا، فالمعارف العلمية الحديثة تسمح بفهم الآيات القرآنية التي كانت بلا تفسير صحيح حتى الآن.

إلى الأعلى