الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / على أوباما حماية الاتفاق الإيراني

على أوباما حماية الاتفاق الإيراني

على وجه التحديد، فإنه يجب عليه إصدار تعليماته بشكل رسمي إلى نائبه العام وكل وكالات تنفيذ القانون الأميركية الخاضعة له بالإحجام عن مقاضاة البنوك غير الأميركية التي ترغب في العمل في إيران. بمعنى آخر، عليه أن يدعو إلى وقف المقاضاة الأميركية للشركات الأجنبية وذلك بإرسال رسالة واضحة أن المقاضاة لن تكون هي المعيار أو القاعدة، بل إنها استثناء بعيد الاحتمال.

توصلت الولايات المتحدة بجانب بريطانيا وفرنسا وألمانيا والصين وروسيا إلى اتفاق تاريخي مع إيران في يوليو الماضي يرفع أغلب العقوبات في مقابل تحجيم برنامج إيران النووي. وتم تقنين الاتفاق في خطة العمل الشاملة المشتركة ليتم التصديق عليه بالقرار رقم 2231 من مجلس الأمن الدولي، والذي يتضمن بشكل محدد السماح للبنوك غير الأميركية بالعمل في إيران.
غير أن البنوك الأوروبية لا تزال محجمة عن دخول إيران وذلك لأنه ليس لديها أية ضمانة قانونية متينة من واشنطن بأن وكالات تنفيذ القانون فيها لن تقاضيها فيما بعد بحجة خرق قوانين العقوبات الأميركية المتبقية التي سبقت المفاوضات النووية. وهذه القوانين معقدة وغامضة حتى بالنسبة للإدارات القانونية المتطورة في البنوك الأوروبية. ومن ثم فإن البنوك لأسباب يمكن تفهمها لم ترغب في إجراء أعمال مع إيران، وتخاطر بدفع غرامات بمليارات الدولارات حال خرقت عن غير قصد تلك القوانين.
وهذا الإحجام دفع البعض إلى انتقاد الاتفاق النووي التاريخي، والتشكيك في قيمته الأساسية بوصفه عنصر استقرار في العلاقات الدولية، وحائط صد بشكل دائم أمام الانتشار النووي.
حتى الآن، فإن التعليقات السياسية من قبل وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظرائه الغربيين لم تقنع البنوك بنتيجة بناء الثقة المنشودة.
في بروكسل مؤخرا، تعهد كيري مع عدد من ساسة ووزراء خارجية أوروبيين بأن حكومتهم سوف تشجع الاستثمارات في إيران عبر بنوك الاتحاد الأوروبي. بل إنهم أصدروا بيانا مشتركا بأنهم لن يقفوا في طريق أي نشاط مالي مسموح به مع إيران. ومع ذلك، لا تزال البنوك الأوروبية غير مرتاحة بالتعويل على التصريحات والكلام فقط. وليس هناك إجراءات قوية من الإدارة الأميركية لتسهيل دخول إيران أمام النظام المالي العالمي.
وإحدى النتائج هي ظهور رواية في إيران بأن الولايات المتحدة قد عجزت عن تلبية التزام رئيسي بموجب الاتفاق النووي. فقد حذر آية الله علي خامنئي القائد الأعلى في إيران مؤخرا أي أحد يثق في أميركا، وكثير من المسئولين الآخرين، وبعض المؤلفين الذين التقى به موسويان في طهران مؤخرا ينتابهم القلق بشكل متزايد حيال الأداء الأميركي.
وإذا كسبت تلك الرواية زخما وغطت على الإحساس بالأمل والتفاؤل الذي بعثه الاتفاق النووي في مجتمع المال والأعمال في إيران ولدى الرأي العام، فإننا نخاطر في الدخول مجددا في الطريق القديم المنهك من عدم الثقة والعداء، وهو النموذج الخاسر بالنسبة لإيران والولايات المتحدة والشرق الأوسط وما وراءه. وسوف يكون من الصعب على البلدين التعاون في قضايا عالمية أو إقليمية أو ثنائية أخرى. وإذا تحول الرأي العام الإيراني إلى حالة من القنوط والاستياء، فإن ذلك وحده يمكن أن يشكل عقبة كبيرة أمام أي إعادة تقارب في المستقبل المنظور.
ولتجنب تلك النتيجة، والسماح بالتنفيذ الكامل للاتفاق النووي، تريد البنوك الأوروبية وغير الأميركية الأخرى ضمانات قانونية قوية بأنه لن يتم معاقبتها حال دخولها إيران.
ونحن نعتقد بقوة أن لدى الرئيس أوباما الصلاحية لتوفير تلك الضمانة، وأن عليه أن يستغل تلك الصلاحية الآن.
على وجه التحديد، فإنه يجب عليه إصدار تعليماته بشكل رسمي إلى نائبه العام وكل وكالات تنفيذ القانون الأميركية الخاضعة له بالإحجام عن مقاضاة البنوك غير الأميركية التي ترغب في العمل في إيران. بمعنى آخر، عليه أن يدعو إلى وقف المقاضاة الأميركية للشركات الأجنبية وذلك بإرسال رسالة واضحة أن المقاضاة لن تكون هي المعيار أو القاعدة، بل إنها استثناء بعيد الاحتمال.
مثل هذا الإجراء ليس بعيد المنال. في الواقع، فإننا نعتقد بأن هناك حجة قوية، وهناك سوابق لها في السياسة الخارجية وفي التاريخ الدستوري للولايات المتحدة. على سبيل المثال، في عام 1831 أصدر النائب العام روجر تاني في عهد الرئيس اندريو جاكسون رأيا قانونيا في القضية التي عرفت بمجوهرات أميرة اورينج ينص على أن الرئيس وفي إطار أدواره الدستورية في الإشراف على تنفيذ القوانين وإدارة الشئون الخارجية لديه أيضا الصلاحية في تقرير من لا يتم مقاضاته.
ومنذ ذلك الوقت، هناك أمثلة أخرى للاستخدامات الرئاسية للسلطة التنفيذية على تنفيذ القانون والتي رسخت بشكل تدريجي أن الرئيس وليس المحاكم هو من يصنع السياسة الخارجية. وفي عام 1981، على سبيل المثال، أيدت المحكمة العليا في ديمس آند مور ضد ريجان صلاحية الرئيس رونالد ريجان بإعادة توجيه مطالبة خاصة ضد إيران إلى محكمة المطالبات المستقلة في هولندا.
باختصار، إذا وجد الرئيس أن سياسة واشنطن تجعل من المستحيل له العمل مع الجمهوريين على مواءمة القوانين الداخلية مع متطلبات السياسة الخارجية الأميركية (وعند تلك المرحلة ووفقا للالتزامات الأميركية بموجب القانون الدولي)، نعتقد أنه يمكن ويجب عليه على الأقل فرض سلطته على تنفيذ القانون والسياسة الخارجية لحماية إنجازات الاتفاق النووي.
إن القيادة الإيرانية والرأي العام الإيراني يعتقدون بقوة أن للرئيس الأميركي سلطة وصلاحية كافية لحل مشكل الأعمال المصرفية، ويتوقعون من أوباما العمل وفقا لذلك. ونحن نعتقد أن البلدان الأوروبية تشاطر هذا التوقع.
بيد أن الوقت يمر بسرعة، ولا يمكن لأحد أن يضمن نتيجة الانتخابات الرئاسية المقبلة. ومن ثم يتعين على أوباما العمل بأسرع ما يمكن. فمن شأن الضمانات الفورية والمحددة من الإدارة الأميركية بأنه لن يتم معاقبة البنوك الأجنبية لقيامها بأنشطة مشروعة مع إيران أن يعطي المؤسسات المالية وقتا كافيا لأن تصوغ وتطور بشكل كافٍ علاقاتها التجارة والمالية مع إيران. وهذا بدوره يجعل من الصعب على أي إدارة جديدة أن تنقض سياسة التقارب البناء لأوباما.
بمعنى آخر، نعتقد أنه يجب تكريس الأيام الباقية في إدارة أوباما صوب تعزيز وترسيخ النظام العالمي بعد الاتفاق والمنافع الاقتصادية والسياسية والأمنية الهائلة التي يحققها للكل.
وفي نفس السياق، يقال أيضا في طهران إن قليلا من الاستثمارات الأميركية الجادة والتي لا بأس بها في إيران ـ في المجالات المسموح بها بموجب القوانين الأميركية ـ يمكن أن تبعث برسالة إيجابية جدا لحلفاء أميركا، وتبدد مخاوف الفاعلين الغربيين الآخرين الذين ربما لا يزالون محجمين عن دخول الساحة الإيرانية.

سيد حسين موسويان
ورضا نصري موسويان أستاذ في برينستون والرئيس السابق للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الأمن القومي الإيراني وصاحب كتاب «إيران والولايات المتحدة: رأي مطلع على الماضي الفاشل والطريق إلى السلام.» ونصري خبير قانون دولي في معهد الدراسات الدولية والتنموية في جنيف ومختص بالنواحي القانونية في الملف النووي الإيراني. خدمة نيويورك تايمز خاص بـ« »

إلى الأعلى