الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / السقوط سهوا

السقوط سهوا

عادل سعد

السقوط سهوا للأرقام يغير موازين ويربك أوضاعا، ويشوه أهدافا تنموية، ويحلل فسادا، ويصنع قفازات للنهب والاحتيال، والسطو وإلغاء مستحقات. ولكن أخطر أنواع السقوط بالسهو عندما يتم التغاضي عن حقائق تتعلق بالأهداف العامة، وبخدمات تصب لصالح أغلبية من الناس، وبضرورات كان يمكن أن يحرك تأمينها نهوضا بهذا المرفق التنموي أو ذاك.

من غوغائيات الاعتذار التي يتم الاستعانة بها حكوميا, وفي بعض الأحيان على أيدي هيئات ومؤسسات مدنية, بل وأشخاص باللجوء إلى التناسي؛أي النسيان المتعمد،أقول من هذه الغوغائيات استخدام مصطلح سقط سهوا لتبرير الأخطاء, أو الالتفاف على رأي معين يراد إزاحته من الواقع أو للتخفيف المجحف لقضايا كان ينبغي أن تتصدر المشهد, وربما لتسويق عجز إداري أو السيطرة على غنيمة معينة, كما يستعان بمصطلح سقط سهوا لعدم صرف مكافأة أو فرصة إيفاد أو توزيع هبة أو مساعدات إغاثية على غرار ما يجري في العراق بأكثر من نسخة ميدانية واحدة.
والحال أن لرقم الصفر منزلته الخاصة في هذا المصطلح وخاصة عندما يتعلق الأمر بضربة فساد تحت غلاف الميزانيات الحكومية أو الشركات, ومن طرائف ما يروى عراقيا أن موظفا حكوميا إداريا بمسؤوليات متقدمة كان يتلاعب بأرقام الميزانية الخاصة بالدائرة التي يعمل بها من خلال حذف رقم الصفر ضمن مقدار مرتبته في بعض الأرقام، حيث يتلاعب بأرقام الأموال المدورة من الميزانيات السنوية، ويحاول أن يمرر ذلك ضمن أكثر من حالة واحدة، ولكن يتم الإمساك به فيحاول الاعتذار بالقول إن الصفر سقط سهوا، واستحق بذلك لقب (السيد صفر) توصيفًاً لأكاذيبه بهذا الشأن.
وهكذا فإن السقوط سهوا للأرقام يغير موازين ويربك أوضاعا، ويشوه أهدافا تنموية، ويحلل فسادا، ويصنع قفازات للنهب والاحتيال، والسطو وإلغاء مستحقات. ولكن أخطر أنواع السقوط بالسهو عندما يتم التغاضي عن حقائق تتعلق بالأهداف العامة، وبخدمات تصب لصالح أغلبية من الناس، وبضرورات كان يمكن أن يحرك تأمينها نهوضا بهذا المرفق التنموي أو ذاك. ولي هنا أن أتوقف أمام جامعة الدول العربية بإطار حسبة السقوط في السهو لأطرح عددًا من الأسئلة الحائرة عن مؤسسات وهيئات ومنظمات تابعة لها هي الآن في طور النسيان الإداري, وأزعم أن جامعة الدول العربية أوقفت سهوا مهمات كان يمكن أن تقوم بها في إطار الشراكات التنموية بين الدول العربية من عدة وكالات. ولعل أكثر وقائع السقوط سهوا لديها أنها لم تتبنَّأية خطوة معينة لمناقشة, أين هم العرب الآن من موازين القدرة في مواجهة التحديات التنموية؟ وأين هم الآن من الاستحداثات الاقتصادية ذات الطابع التكنولوجي؟ وأين صارت مشاريع وآمال منذ عام 1964 حين ولدت السوق العربية المشتركة؟ ولماذا سهت جامعة الدول العربية عن حقيقة أن ما تتعرض له سوريا هو طبخة كبرى يراد بها تدمير هذا البلد؟ ولماذا تحولت العديد من المشاريع القومية إلى أطلال؟
ومن بشاعات السقوط بالسهو, الإهمال المتعمد لخبرات ونخب علمية مازالت قادرة على الاجتهاد، وتصحيح مسارات، لكنها عزلت أو فضلت العزلة عن مناخات سياسية تقوم على ترويج ثقافة الغنائم, فهل تنتصر هيئات مسؤولة لهم؟أنا لا أخص بلدا عربيا معينا وقع في شراك هذا السهو فانقطعت أخبار مبدعيه.أليس الحال يستحق أن تكون هناك محطات انطلاق في هذا الشأن, ثم لماذا هذه الحصانة منقطعة النظير التي تتمتع بها الخصومات والاحتراب بين العرب ولم يحصل أن سقطت تلك الخصومات سهوا من دائرة عقول مسؤولين عرب؟
السهو كائن أسطوري يعيش بيننا بالكثير من النفوذ، ويسطو على أولوياتنا بمهارة عالية، فهل يمكن لنا أن نتصدى له؟ الإجابة عند القارئ الكريم.

إلى الأعلى