الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / يا الله.. كم بقي لنا منا، وكم بقي علينا وأمامنا؟!

يا الله.. كم بقي لنا منا، وكم بقي علينا وأمامنا؟!

علي عقلة عرسان

إن العرب والمسلمين يدمرون أنفسهم بأنفسهم، ويساهمون في القضاء على كل بنية حيوية لديهم، وفي تشويه صورتهم، ودينهم، وقيمهم.. والأدهى الأمرّ، أنهم يقومون بتمويل كل ذلك، وتحمل تكاليفه وأعبائه كافة، ويدفعون أجور من يساهم في قتلهم، ومن يخطط لتخلفهم وإفنائهم؟! حيث يُمِدون الحرب المعلَنة بينهم: بأبنائهم، ودمائهم، وأرواحهم، وبالطاقة التي يملكونها، وبأموالهم، وثرواتهم، واقتصادهم..

قبيل اللقاء في موسكو، بين وزيري خارجية الولايات المتحدة الأميركية جون كيري وروسيا الاتحادية سيرجي لافروف، يومي الخميس والجمعة ١٤ و١٥ تموز/يوليو ٢٠١٦، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية جون كيربي: إن المباحثات بشأن الصراع في سوريا، ستتناول التحركات الدولية لتقليص العنف، ووقف الأعمال القتالية بشكل دائم، ومساعي الانتقال السياسي، بالإضافة إلى سبل التعامل مع الوضع الإنساني على الأرض.
وأكدت وزارة الخارجية الروسية من جانبها، على أن الزيارة ستخلق جوًّا يسمح بتحسُّن العلاقات بين موسكو وواشنطن، موضحة أن “الاستقرار العالمي، والحلول للعديد من الأزمات الدولية، أمر يتوقف على العلاقات الجيدة بين الجانبين”. وهذا صحيح إلى حد بعيد، فاتفاقهما على أمر ما، يمهد الطريق لتنفيذه، ما لم يكن الاتفاق مناورة من أحدهما على الآخر، حسبما نعرف عن المكر السياسي، وأخلاق السياسة. ومن المعلوم أن اللقاء سيتناول قضايا أخرى، من بينها القضية الأوكرانية، وربما يصل الأمر لبحث موضوع طارئ هو الصراع المنتظر في بحر الصين. أي أن المسألة السورية متداخلة مع مسائل وقضايا أخرى، وحلها يتوقف إلى حد ما بالاتفاق على مواقف منها، وربما حلول لها.
وكان السيد دي ميستورا، المسؤول الأممي في الموضوع السوري، قد أدرك هذه الحقيقة، ولم يعد يتصرف إلا بالاستناد إلى وفاق واتفاق بين الدولتين الراعيتين لمفاوضات جنيف. وقد أغضب موقفه موسكو عندما لم يدعُ إلى استئناف المفاوضات بين الأطراف السورية، قبل تحقق ذينك الاتفاق والتوافق بين واشنطن وموسكو اللتين تشرفان على مفاوضات جنيف. وقد أعرب لافروف عن امتعاضه من ذلك، حيث قال: “إننا قلقون مما يبديه ستافان دي ميستورا من التقاعس، في الوفاء بالتزاماته المتعلقة بالدعوة إلى إجراء جولة جديدة من المفاوضات السورية، وما يطلقه من تصريحات عن ضرورة أن تتوصل روسيا والولايات المتحدة إلى كيفية إدارة الشؤون المتعلقة بالتسوية السياسية في سوريا، إذ يلوّح بأن الأمم المتحدة وأمانتها لن تجريا جولة جديدة من المشاورات السورية إلا بعد التوصل إلى مثل هذا الاتفاق.. إنه موقف غير صائب”./ عن موقع “روسيا اليوم” في ١٢/٧/٢٠١٦
دي مستورا لا يستطيع أن “يركب” حصانين في وقت واحد، وهو يردد ويكرر بوضوح أنه: “لا مجال للحل العسكري في سوريا، وأن الحل المتاح هو الحل السياسي فقط”.. وكانت آخر مرة أكد فيها هذا الذي تراه الأوساط السياسة، من “الحقائق؟!” المسلم بها، في ١١ تموز ٢٠١٦، أي قبل لقاء كيري ولافروف بأيام قليلة؟! وعن تلك الحقائق المتعلقة بحل سياسي يتكلم سياسيو العالم منذ خمس سنوات.. فيا لها من حقائق ليل يمحوها النهار، تلك التي تؤكدها الأوساط السياسية كافة، وعلى رأسها الأمم المتحدة؟! وهي “حقائق” تشبه المهازل الساقطة، الـ”فارْس farces”، ومع ذلك يتم الإقبال عليها من دون سأم، ويتم الحديث عنها من دون معنى، مثلها مثل “وقف الأعمال العدائية، والهُدَن، ووقف إطلاق النار..” تلك التي لا تكاد تصمد أكثر من الزمن الذي بين انطلاق الصوت وتلاشي الصَّدى. ذلك أن الكلام عن “حلول سياسية” في سوريا، هو ما ردده ويردده الوسطاء الدوليون، من كوفي أنان إلى دي مستورا، وما يكرره الساسة المعنيون بما يجري في سوريا، والمراقبون لذلك المشهد الدامي، الكارثي بكل المعاني والصفات والنتائج والمآلات.. منذ أن بدأت الأحداث أزمة، إلى أن أصبحت “مسألة”، بالمعنى السياسي الدولي المتداخل المعقد، ذي الأبعاد الاستراتيجية الدولية، على غرار “المسألة الشرقية”: (بالإنجليزية: Eastern Question) ( بالفرنسية: Question de l’orien وتلك المسألة، في مراحلها التنفيذية الأخيرة، هي: “السياسات والصراعات والحروب الدامية”، بين الدول الأوروبية والدولة العثمانية، خلال القرن التاسع عشر، لإخراج الإسلام من أوروبا، وقد أنهت الدولة العثمانية عمليًّا، وأنشأت على أنقاضها، دولًا وهيكليات سياسية “جغرافية سياسية”، يُراد نقض معمارها اليوم، وإعادة الهيكلة وتقاسم النفوذ، لمصلحة تحالفات ودول كبرى، وتعزيزًا لكيان عنصري صهيوني، غُرِس خنجرًا في كبد الوطن العربي، هو “إسرائيل”.
إن استمرار الحرب المدمرة في سوريا وعليها، بتصميم، ومشاركة متفاوتة الحجم والقوة والشدة، من دول وجهات وأدوات، ومرتزقة وميليشيات، يفيد بأن المسؤولين والسياسيين إياهم، الذين يقولون بعدم وجود حل عسكري في سوريا، بل حل سياسي فقط.. يفيد، بما لا يقبل الشك والتشكيك، أنهم يمارسون ازدواجية بغيضة، ذات تكاليف باهظة، فهم يعملون على استمرار الحرب عمليًّا، ويصبّون الزيت على نارها، ويحرضون أطرافها أو يحركونهم باتجاه ديمومتها، ويتنافسون على قطف ثمارها!!.. إنهم ينافقون، حين يتكلمون عن حلول سياسية ويعززون التوجهات العسكرية في الوقت ذاته. فما يجري على الأرض يفيد بأنهم يقولون نقيض ما يفعلون، ويفعلون نقيض ما يقولون.. والثمن تدفعه سوريا ويدفعه السوريون. فكيف نصنف ذلك، وكيف ننظر إليه، وكيف الخلاص منه، وهل إلى وضوح صريح، ومقاصد نظيفة، من سبيل في هذه الأزمة، المسألة، الكارثة، التي تعبر عن السقوط الأخلاقي في هذه السياسة، بكل الأبعاد والمفاهيم والمعاني؟! وهل يمكن أن يتفق الراعيان المؤثران على شيء، من دون التفاف عليه، ونقضه باطنًا أو ظاهرًا؟! وهل تعي “الأطراف، الأدوات” المتقاتلة، التي يستخدمونها لتحقيق أغراضهم التدميرية، من عرب ومسلمين، ومن سوريين على وجه التخصيص، هل تعي أبعاد الخطة/اللعبة/الكارثة، ومخاطرها.. فتكف عن أن تكون القاتل والقتيل، الجرح والسكين، والفتنة اللاهبة التي تحرقهم أجمعين، وتنهك الأمة، وتسيء للدين؟!
في حديث قريب العهد للرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، الذي سيرسل قريبًا حاملة طائرات للمشاركة في الحرب على الإرهاب، “والكل يقاتل الكل تحت راية محاربة الإرهاب، إذ الاتهامات والتصنيفات متبادلة”.. أشار الرئيس إلى أنه يجب على الدولتين الأعظم، مراعاة عدم إضعاف تنظيم الدولة الإسلامية لصالح النصرة، حيث يقوى طرف على حساب طرف. وهذا يشير إلى ما سبق وقلناه مرارًا وتكرارًا بشأن الحرب القذرة الدائرة منذ خمس سنوات.. حيث يُراد لها أن تستمر، وأن تأتي على المنطقة وأهلها، وأن يستمر الكر والفر في أطر تقارب التوازن، ليستمر الاستنزاف الدموي، ويستمر الدمار والانهيار، باستمرار الحرب.. إلى أن يقضي كل طرف دولي على من يريد القضاء عليهم، وتنضج المنطقة فتسقط ثمرة يانعة بأيدي القوى التي تقف وراء أشكال الإفناء السوري ـ العربي ـ الإسلامي المتبادل. فالأطراف المتقاتلة على الأرض السورية، كلها في صراع دموي بينيّ، حيث يأكل بعضها بعضًا، بما في ذلك الطرف السوري الرسمي.. وكل منها يستقطب عناصر وقوى.. وكلٌّ منها يصنف الآخر “إرهابيًّا” ويستبيحه تحت هذه الصفة، ويناشد القوى الخارجية أن تفهمه، وتسانده في حربه على الإرهاب؟!
إن متابعة تطورات الأحداث، والمؤتمرات واللقاءات، والمفاوضات المتعلقة بموضوع “المسألة السورية”، وقراءة المواقف، والتصريحات والتلميحات والتحركات على الأرض، تشير إلى أبعاد استراتيجية دولية متداخلة، ومصالح ومخططات ثابتة، وإلى توافق، وربما إلى تنسيق، بين اللاعبين الدوليين الكبار.. من شأن ذلك، ومن أهدافه ونتائجه وأساليبه.. العمل، من خلال التوازن النسبي الفتاك، بين المتقاتلين.. الاستنزاف التام لكل الأطراف المنغمسة في التدمير المتبادَل، والإفناء المتبادل. وهذا ما قلته وكتبته مرارًا، منذ بداية الأزمة/الكارثة/المسألة.. السورية. إن الدول المشرفة على الانغماس في الدم والدمار والفوضى والفتنة والعار، والمتدخِّلة في القتال بصور وأشكال عدة، منها مناصرة أطراف ضد أطراف، ومن ثم فهي مشاركة في الحرب على سوريا وفيها، بصورة ما، وبدرجة ما.. وهي تعمل، وستعمل على استمرار الحرب، حتى القضاء على كل من يقلقها وجودهم وتحركهم، حتى من مواطنيها المختلفين معها، الذين تريد أن تصفيهم خارج حدودها، وقد نقلت الحرب إلى سوريا، حيث يحقق لها ذلك إصابة أكثر من هدف استراتيجي في الوقت ذاته.. وتلك الدول تريد أن تتطور الحرب، وأن تتجذَّر في أوساط عرب ومسلمين، وفي بلدانهم.. سواء أكانوا أفرادًا، أم تنظيمات، أم دولًا.. وأن يتهيأ المناخ الملائم لذلك كله، ويطول مفعوله، بل يدوم.. لكي تدور العجلة في الاتجاه الذي تريده، فتنتج الحرب حروبًا، فيفنى من يفنى، ويُدمَّر ما يُدمَّر، وتصبح المنطقة جاهزة ومهيأة تمامًا، لإعادة رسم خريطتها من جديد، وتقاسم النفوذ فيها من جديد، وفرض سلام “إسرائيلي”، هو الاستسلام، على الفلسطينيين والعرب فيها، بما ينهي قضية فلسطين وما تبقّى منها، لمصلحة الصهاينة المحتلين، وأصحاب المصالح والاستراتيجيات الكبار.. مع تأكيدهم على هيمنة “إسرائيل” سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا، وضمان أمنها، وتفوقها، وتوسّعها الجغرافي، ومشاركتها القوية في رسم السياسات المستقبلية، والمساهمة في السيطرة على الطاقة، والأسواق، والثروات، والأموال..إلخ بما يحقق مصالحها ومصالح حلفائها وحماتها، وهم اليوم كُثُر.. وتمكينها من التحكم بالتوجهات السياسية المستقبلية، عربيًّا وإسلاميًّا، على الخصوص. وهذا يعني في المحصّلة النهائية: إعادة رسم الخرائط والحدود والسياسات في المنطقة، وإنشاء دول، وإضعاف دول، وإسقاط دول.. وتقاسم النفوذ فيها، بين الدول والتحالفات المستثمِرة في الحرب، لا سيما روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأميركية.. وفرض وجودها ومصالحها، مع مراعاة التوازن الاستراتيجي فيما بينها، بأشكال مختلفة.. ابتداء من الاحتلال المباشر، “الاستعمار الجديد”، وصولًا إلى الإلحاق السياسي، وفرض التبعية التامة: سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا. وكل ذلك يتم بتنسيق أعلى، تلافيًّا للحرب فيما بينها، أو بصراعات باردة تلافيًا للتدمير الشامل. ومن الأهداف الرئيسة للحرب، ولاستمرارها، ولترسيخ مناخها، وبيئتها، وإبقائها مشتعلة، أو قابلة للاشتعال في أي وقت: “القضاء كليًّا، على أي تفكير، وأي أمل، بإقامة أي مشروع، عربي أو إسلامي، اتحادي نهضوي، في بلاد العرب والمسلمين.. من شأنه أن يحقق تحررًا سياسيًّا، وتقدمًا علميًّا وتقنيًّا، وتطورًا اجتماعيًّا، وتحريرًا للإرادة والقرار والسلاح، وامتلاك قوة محرَّرَة من السيطرة الخارجية عليها، قادرة على المحافظة على الهوية، والعقيدة، والشخصية الثقافية ـ الحضارية، في حوض بشري واسع يتجاوز تعداده مليار وسبعمئة مليون إنسان.
والمستغرب في هذا الوضع، من المستهدفين به.. أنه مع كل وضوح التواطؤ، وكارثية النتائج، وتكرار الدروس المرة، والرسيس التاريخي العدائي المعروف.. يستجيبون لما يُراد له، وبه، إهلاكُهم.. فالعرب والمسلمون، المطلوب منهم: أن يقتتلوا طويلًا، وأن يشتروا السلاح من الدول التي تحرك خيوط الحرب، وتدفع باتجاهها، وتحرض على استمرارها، وتتاجر بالدم البشري.. يستجيبون لذلك باندفاع، وحماسة ذاتية مدهشة، ويرون ذلك مطلبهم وليس فخّ أعدائهم لهم؟! إنهم يفعلون ما يريده الولايات المتحدة الأميركية، وأوروبا، وروسيا الاتحادية، وما تخطط له الصهيونية العالمية مع الأطراف الدولية، لا سيما الكبرى منها. إن العرب والمسلمين يدمرون أنفسهم بأنفسهم، ويساهمون في القضاء على كل بنية حيوية لديهم، وفي تشويه صورتهم، ودينهم، وقيمهم.. والأدهى الأمرّ، أنهم يقومون بتمويل كل ذلك، وتحمل تكاليفه وأعبائه كافة، ويدفعون أجور من يساهم في قتلهم، ومن يخطط لتخلفهم وإفنائهم؟! حيث يُمِدون الحرب المعلَنة بينهم: بأبنائهم، ودمائهم، وأرواحهم، وبالطاقة التي يملكونها، وبأموالهم، وثرواتهم، واقتصادهم.. إلخ وفوق ذلك، يَقبلون بامتنان، تدخّل أعدائهم، وذوي المصالح والأهداف الاستراتيجية المعادية لهم ولمصالحهم ووجودهم.. أي التحالفات الدولية، والدول القوية.. في شؤونهم، بالقوة الماحقة.. ويُقبِلون على ذلك إقبال الهيم، ويَقبَلونه بامتنان كبير، بل يطلبونه ويستجدونه؟!.. وعليهم، قبل ذلك كله، وبعد ذلك كله.. أن يفتحوا بلدانهم: “مدنهم وقراهم ومنشآتهم.. سهولهم، وجبالهم، ووديانهم، وشواطئهم و..”، لإقامة قواعد عسكرية، وميادين تدريب، ومعسكرات للقوات المتدخلة في شؤونهم.. ويسوِّغون أن يكونوا حقول تجارب للسلاح، بهدف تجريبه، وتوثيق قدراته وميزاته، وتطويره، ونشر الدعاية لما بلغه من تطور تقني، ودقة، وقدرة تدميرية، بحيث يزداد الطلب على ذلك السلاح، ويُصدَّر للأسواق العالمية المتَنَافَس عليها، بين صانعي السلاح بأنواعه، والمصدرين له.. من دول ومؤسسات وأجهزة، تروِّج للحروب والدمار، وتؤسس للشقاء البشري.. وكل ذلك يتم على حساب العرب والمسلمين بالدرجة الأولى، وعلى حساب الفقراء، وطالبي الاستقلال والحرية لشعوبهم وبلادهم، والمتمردين على الابتزاز وأشكال الإرهاب، لا سيما إرهاب الدول، والرافضين للعبودية والتخلف والتجهيل.
من الواضح أن المخطط الموضوع لتحقيق هذه الأهداف، يسير وفق ما رُسم، وأن الحرب في بلدان عربية، لا سيما في سوريا، قد أَنجزت الكثير مما هو مطلوب، على طريق تحقيق الأهداف الاستعمارية، والمصالح الحيوية لتجار السياسة والحرب، ولأصحاب المقاصد التنافسية، والاستراتيجيات العالمية الكبرى المتنافسة، أو المتصارعة في الخفاء.. فالمنطقة نضَجت لقبول كل ما يطلبون، وأكثر.. بل أصبحت تنظر إلى ذلك الذي يطلبونه، وهو مناقض للحرية والكرامة والاستقلال والسيادة.. تنظر إليه باستحسان، وتُقْبِلُ عليه بلهفة وشغف، بوصفه إنقاذًا لها، يجب أن يُشكرَ عليه فاعلوه.. حتى وهم يذبَحون من يَذبَحون، ليُحققوا الإنقاذ بالذَّبح؟!.. فيا لها من مآلات، ويا لها من مهازل، ويا لها من سياسات؟!
لقد أوجدَت التحالفات، والدول، والقوى، والأحزاب، والفئات، والجماعات المتطرفة، والميليشيات، والجهات المعنية بالتأسيس لمسوِّغات حرب طويلة الأمد، بين عرب وعرب، وعرب ومسلمين، ومسلمين ومسلمين، ولضمان تجددها، وتطوّرها، وجعلها دوّامات عبثية كارثية بلا نهاية.. لقد أَوجدَت التطرف، والتعصب، والإرهاب، والبيئة الملائمة لانتشار الرعب، والفوضى، والظلم، والجوع، والجهل، والقتل.. ولنبذ الصالح وإعلاء شأن الطالح، من الُعال، والأشخاص، والسلوك.. ونمت ذلك كله ورسخته، فغَضّت النظر عن الاستبداد، والظلم، والقهر، بل تحالفت مع ممارسيه ودعمتهم، ولعِبت لعبة الأقليات المعهودة لتتدخل من جهة، ولتلغي الأكثرية الساحقة المسحوقة، “بديمقراطية غريبة عجيبة، لها طعم الإذلال والإبادة الجماعية.. ومن المجرَّب المعروف، أن العزف على الوتر الوحيد، لـ”ربابة” الأقليات، يطرب ممزقي الشعوب والدول، فضلًا عن أنه يهيج حماسة المتطلعين لمساعدات المستعمرين.. وذلك ذور دور معهود، ونتائج باهرة في “المسألة الشرقية”.. حيث يتم عبرها تنفيذ التدخل، وتمزيق الشعب، وتخريب الدولة بعد إنهاكها، وإفساد الضمائر، وتلويث العقول.. كما يتم عبر ذلك، ومن خلاله وباسمه: التهديد، والضغط، والحصار، وتنمية الصراعات الداخلية، لكي تفتح الأبواب، أو تُزال كليًّا. وقد قامت تلك الجهات بالكثير مما يعزز بيئة حاضنة للتفرقة والعنف والفتنة، وزعزعت الأمن والاستقرار، واستنفرت الأقليات بإخافتها، من دون أسباب أو سوابق، كما هو معروف جيدًا.. فعززت بذلك مسوِّغات الصراع ودوافعه، ورسختها، وكاثرتها من خلال استنباتها في الأنفس، تأسيسًا على ما يجري في أرض الواقع إبان الصراعات والحروب، وتطويرًا لها. وهكذا تعمَّق التباغُض، وتضخَّم، وتمدَّد، وتجَذَّرَ في الأنفس، وغدا كراهية تكرج، وتعبِّر عن نفسها بالحديد والنار، وبالأفعال والممارسات الوحشية التي قلت نظائرها.. وتلك أحوال يطورها الدم والثار، والحديد والنار.. وصار كثير من العرب والمسلمين، بنظر بعضهم بعضًا، “كُفارًا”، كل فريق يكفِّرُ فريقًا، ويستبيح دمه.. وأخذ أناس يقتلون بعضهم بعضًا، تقرُّبًا إلى الله، وإعلاءً منهم لشأن الدين، بنظرهم؟! وأصبح التقاتُل، والاستعداد له، واستعداء الأجانب ليكونوا طرفًا فيه.. أصبح: “ديْدنًا ودِينًا، وتقرُّبًا لله بالقتل، وإراقة الدماء”؟!.. وجلَّ الله، سبحانه وتعالى، عن أن يقرَّ ذلك، أو أن يَقبلَه من أحد، وهو الذي حرَّم قتلَ النفس إلا بالحق.. والحقّ بيِّنٌ، ومنارته ساطعة النور، مرئيَّة بوضوح، لمن ينشُده وينشُدُ العدل بوعي وإيمان وصدق وبصيرة منيرة، واستنارة منقذة، ولمن يريد أن يَرى. وقد جعل الله سبحانه، هَدْمَ الكعبةِ المشَرَّفَة، أهون من إراقة قطرة دم مسلم، بغير حق ولا عدل.. وأمر، سبحانه، بإحياء النفس البشرية، “نفوس البشر كافة، وليس نفوس المسلمين خاصة”.. والإحياء يكون في احترام الحياة، وباحترام حقوق الإنسان في الحياة. وما العدل، والحرية، والمعرفة، والعلم، والإيمان.. إلا حياة وإحياء للذات وللآخر، للنفس البشرية عامة، إلى جانب الماء والغذاء بالضرورة.. فقال سبحانه، في سورة المائدة: ﴿.. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴿٣٢﴾.. وفي مجال آخر، متصل بما نحن فيه، نهى المؤمنين، عن موالاة الكافرين، وعن الاستعانة بهم لقتل المؤمنين – المسلمين، فقال: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّـهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّـهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّـهِ الْمَصِيرُ﴿٢٨﴾- سورة آل عمران. لكن من المؤسف، المؤلم، المحبِط في آنٍ معًا، أن هذا شيء، وما يجري في أرض الواقع شيءٌ آخر.. فقد تم التأسيس، من قِبَل المعنيين بالحروب، والمتاجرين بها، ومشعليها لأغراض دنيئة، وبوسائل غير أخلاقية ولا إنسانية، وممن يثيرونها بعنجهية، ويمارسون فيها الوحشية.. تم التأسيس من قِبَلهم، لحرب تلد حروبًا تدوِّم في الآفاق وتدوم طويلًا.. وذلك بإثارة فتن مذهبية، وطائفية، وعرقية، وبتسميم النفوس، واستنبات الشر فيها.. وفي الوقت ذاته، استمر الاستعماريون الجدد، والمستثمرون في الحروب، وتجارها، ومجانينُها، ومَن تنعدم فيهم الرحمة والقيم، ومَن لا يتمتعون بحس المسؤولية بأنواعها ومستوياتها.. استمر أولئك في تعزيز وجودهم، ودورهم، وقواتهم العسكرية، وحضورهم الفعال في الحرب الكارثية على سوريا وفيها.. وبقيت أهم أهدافهم، حيال العرب والمسلمين، العروبة والإسلام: القضاء على ما لم تستطع القضاء عليه حروب سابقة، منذ حروب الفرنجة، “الحروب الصليبية” (1096 – 1291) وحتى حروب الاستعمار الأوروبي، غربيه وشرقيه.. بقي أهم أهدافهم، غاية مبتغاة: أعني القضاء على الإسلام والمسلمين، على العرب والعروبة. ومما يؤسف له أن كثيرين من أهل البلاد المستَهْدَفة بذلك، بالعدوان، وبغزو القوة الهمجية، وبالمخططات العنصرية الصهيونية ـ الأميركية التفتيتيّة.. فقدوا الرؤية السليمة، والبصيرة الحكيمة، والسلطة العادلة النظيفة، والإيمان السمح، بمفاهيمه الإسلامية السليمة، وأهدافه العميقة السامية.. فأصبحوا موقِدي النار، بحطب الديار.. بأبنائها، وعمرانها، وتاريخها، وثقافتها، وحضارتها، ومصالحها.. فيا لله.. يا لله.. ماذا نفعل، لننقذ العقل والضمير والبصيرة، ونسلك، من بعد، دروبَ الإنقاذ والبناء والحرية والتحرير والكرامة، بأمن وعزم ووعي وإخلاص وثقة؟!
ويا الله.. كم بقي لنا منا، وكم بقي علينا وأمامنا؟!

إلى الأعلى