السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / على طريق الحرير (1)

على طريق الحرير (1)

الصين تجسد مكانتها كقاطرة للاقتصاد العالمي وتعيد تحويل مسارات طرق التجارة
في أوائل القرن الماضي تنبأ الجغرافي البريطاني هالفورد ماكندر بعودة طرق التجارة إلى ما كانت عليه قبل الهيمنة الغربية وذلك في محاضرته التي ألقاها في الجمعية الجغرافية البريطانية في عام 1904 تحت عنوان (نقطة الارتكاز الجغرافي للتاريخ) وطرح فيها نظريته التي اشتهر بها والمسماة (قلب اليابس) التي كما نبه ماكيندر إلى أهمية سكة الحديد في دور القوة البرية الآسيوية التي اعتبرها تهدد النفوذ البريطاني، القوة البحرية العالمية انذاك وذلك قبل بضع سنوات من طرح عراب الجغرافيا السياسية نيوكولاس سبايكمان، التحليل الذي تحول إلى قاعدة تدرس في علم الجغرافيا السياسية والتي مفادها أن حكم العالم يتركز في اوراسيا وحكم الأخيرة يتركز في المنطقة التي أسماها (حافة اليابسة) والتي أسمتها الولايات المتحدة فيما بعد بـ(الشرق الأوسط الكبير).

إعداد ـ هيثم العايدي:
مستندة على ارث تاريخي وثقافي وقوة تكتسب صفات خيوط الحرير في صلابتها ونعومتها تجسد الصين مكانتها كقاطرة لمستقبل الاقتصاد العالمي معيدة تحويل مسارات طرق التجارة العالمية عبر احياء طريق الحديد بمبادرة (حزام طريق الحرير الاقتصادي) التي أعلنها الرئيس الصيني شي جينبنغ فى سبتمبر عام 2013 والتي تهدف لتعزيز التعاون الاقتصادى وتحسين سبل ربط الطريق وتشجيع التجارة والاستثمار ودعم عمليات التبادل بين الشعوب قبل أن يدعو في أكتوبر الماضى إلى إعادة إنشاء شبكة الممرات البحرية القديمة لخلق (طريق الحرير البحرى) لتعزيز الربط الدولى.
فالمبادرة الصينية تسعى لإعادة احياء طريق التبادل التجاري والثقافي بين الشرق والغرب الذي عبر طرق برية وبحرية تبادل عبرها الناس من كل أصقاع العالم السلعة الصينية الرئيسية في ذلك الوقت والمتمثلة في الحرير قبل أن يتم عبرها تناقل مختلف السلع والبضائع اضافة إلى الأفكار والثقافات بين الشرق والغرب.
ولم تقتصر دروب طريق الحرير التجارية على خط واحد بل هناك العديد من الطرق المختلفة المتوغلة في مناطق متعددة من أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وآسيا الوسطى والشرق الأقصى، ناهيك عن الطرق البحرية حيث كانت تُنقل البضائع من الصين وجنوب شرقي آسيا عن طريق البحر الهندي باتجاه أفريقيا والهند والشرق الأدنى.
واكتسبت التجارة البحرية في طريق الحرير أهمية بالغة نظرا لما اشتهرت به في نقل التوابل التي كانت السلعة الرئيسية في القرن التاسع عشر وزَوّدت أسواق العالم أجمع بالقرفة والبهار والزنجبيل والقرنفل وجوز الطيب وبسلع أخرى أيضا كالمنسوجات والمشغولات الخشبية والأحجار الكريمة والمشغولات المعدنية والبخور وخشب البناء والزعفران على طرق ممتدة لأكثر من ١٥٠٠٠ كيلومتر، ابتداء من الساحل الغربي لليابان مروراً بالساحل الصيني نحو جنوب شرقي آسيا فالهند وصولاً إلى الشرق الأوسط ثم إلى البحر المتوسط.
كما عمل طريق الحرير بالماضي أيضا على نقل المعارف فقد اضطر التجار إلى تعلم لغات وتقاليد البلدان التي سافروا عبرها كي ينجحوا في عقد مفاوضاتهمكما تم تبادل المعارف العلمية والفنية والأدبية فضلاً عن الحرف اليدوية والأدوات التقنية كما كان لطرق الحرير الفضل في تعريف العالم بتقنية صناعة الورق وما تبعه من تطوّر للطباعة
وبعد نحو 200 عام أعاد الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال جولته في وسط آسيا ومجموعة دول الآسيان في سبتمبر وأكتوبر عام 2013 احياء طريق الحرير عبر مبادرة “الحزام الإقتصادي لطريق الحرير” و”طريق الحرير البحري للقرن الـ 21″، كما طرح تعزيز الحوار والتواصل والمبادلات التجارية ومبادلات العملة والتواصل الشعبي معطيا نبضا عصريا جديدا لطريق الحرير.
وفي خطاب في جامعة الأستانة بكازاخستان يوم 7 سبتمبر 2013 أعلن الرئيس الصيني بناء “حزام طريق الحرير الاقتصادي”. كما دعا إلى استخدام نموذج مبتكر للتعاون، وبناء مشترك لـ”حزام طريق الحرير الاقتصادي” من اجل جعل العلاقات الاقتصادية اقرب بين الدول الأوروبية والآسيوية، وان يكون التعاون مع بعضها البعض أكثر عمقا، وخلق مساحة أوسع للتنمية، تعود بمكاسب كبيرة لشعوب جميع البلدان الواقعة على طول الطريق التجاري الكبير.
فقد قال شي جينبينغ” مقاطعة شنشى شمال غربي الصين مسقط رأسي ، نطقه انطلاق طريق الحرير القديم. واليوم، أقف هنا، وأعود إلى التاريخ، كأنني أسمع أصداء ﺍﻟﺠﺒﺎﻝ، وصوت الإبل، والدخان الذي ينبعث من رمال الصين من حين للأخر، يشعرني بإحساس ودي “.
ومع ان قطار التنمية الإقتصادية الصينية غادر محطته وانطلق قبل عقود إلا أن بكين ومنذ شروعها في احياء طيق الحرير تسارع الخطى في استكمال بنية تحتية عملاقة من طرق وموانئ وسكك حديدية اضافة إلى مؤسسات مالية ومؤسسات فكرية ليكون طريق الحرير متكاملا بشقيه العملاني والاستراتيجي.
ففي يناير 2015 أعلنت الصين عن تأسس معهد أبحاث طريق الحرير التابع لجامعة الدراسات الاجنبية ببكين كمؤسسة فكرية هامة لبناء إستراتيجة “الحزام والطريق”.
ووفقا لتقرير أوردته صحيفة الشعب الصينية فان المعهد يستند على مميزات وخصائص الجامعة المتمثلة في تعدد اللغات والثقافات للمساهمة في بناء الحزام الاقتصادي على طريق الحرير ليصبح منصة لتعزيز التبادلات الانسانية بين الصين والدول الواقعة على طريق الحرير كما يختص بتدريس اللغات الأجنبية ودراسة القضايا الدولية.
ولأن البنية التحتية هي أساس الترابط في مركز طريق الحرير شرعت الصين في العديد من المشاريع الهادفة لتطوير الطرق والموانئ والسكك الحديدية.
ففيما يخص السكك الحديدة تعتبر محطة قطار الغربية للانتشو محور حركة السكك الحديدة على طول الحزام الاقتصادي لطريق الحرير، وتبلغ مساحة بناء الاجمالية 260 ألف متر مربع، واجمالي استثمار 3.2 مليار يوان. ويبلغ قدرة استعاب القطار خلال المستقبل القريب 3.5 مليون نسمة في السنة، وفي المستقبل البعيد يصل قدرة استعابه الى 4.5 ملايين نسمة في السنة.
وكانت لانتشو البلدة رئيسية على طريق الحرير القديم وتحتل مكانة مهمة على هذا الطريق التاريخي المهم. ووفقا للخطة، سوف تصبح محطة قطار الغربية للانتشو الرابط بين الشرق والغرب على طول الحزام الاقتصادي لطريق الحرير. ويقتصر القطار السريع الرابط بين لانتشو و اورومتشي مدة الرحلة الى تسع ساعات فقط، كما سوف تربط القاطرات فائقة السرعة مقاطعة قانسو وشنغهاى وشينجيانغ ثلاث مقاطعات في شمال غرب الصين في نفس الوقت.
كما تعمل الصين على بناءشبكة ضخمة من الطرق خصصت لها 71.1 مليار يوان (10.98 مليار دولار) حيث تقع هذه المشاريع في أقاليم من بينها غانسو شمال غربي البلاد، وهيبي بشمال البلاد، وشاندونغ في الشرق، وجزيرة هاينان في أقصى جنوب الصين.
وتركز الصين أيضا على أعمال بناء الموانئ بالمناطق الساحلية كما أنشأت الحكومة الصينية مجموعة من الأرصفة العميقة المياه لسفن نقل الحاويات في مدن داليان وتيانجين وتشينغداو وشانغهاي ونينغبو وشيامن وشنتشن، الأمر الذي أرسى أساسا لتشكيل شبكة مواصلات لنقل الحاويات في الصين ووصلت قدرات بعض الموانئ الكبيرة في الشحن والتفريغ إلى أكثر من مائة مليون طن سنويا. ودخلت ثمانية موانئ صينية صفوف الموانئ الخمسين الكبرى لشحن وتفريغ الحاويات في العالم، هي موانئ شانغهاي وشنتشن وتشينغداو وتيانجين وقوانغتشو وشيامن ونينغبو وداليان.
أما عن مؤسسات التمويل فقد أنشأت الصين صندوق طريق الحرير الذي يستهدف تمويل تنفيذ مشاريع متوسطة وطويلة الأجل ذات أهمية استراتيجية لدعم مبادرة “الطريق والحزام”.
وكان الرئيس الصيني شي جين بينغ قد أعلن عن إسهام الصين بـ40 مليار دولار أميركي في إنشاء هذا الصندوق في 8 نوفمبر عام 2014 ، لتوفير دعم للاستثمار والتمويل في مجال بناء البنية التحتية والتعاون الصناعي ومشاريع أخرى تتعلق بالدول على طول الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الـ21.
كما أنشأت الصين البنك الآسيوي للاستثمار والذي يعمل على تمويل مشاريع البنى التحتية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ للخروج من عباءة البنك وصندوق النقد الدوليين برأسمال قدره 100 مليار دولار بمشاركة أكثر من 50 دولة.
وفي تقرير بحثي نشرته صحيفة الشعب الصينية بعنوان “بناء الحزام الاقتصادي لطريق الحرير: الرؤية والمسار” يتضح أن هناك ثلاث خطوات يمكن تنفيذها من أجل بناء الحزام الاقتصادي على طريق الحرير، وهي فترة التعبئة الإستراتجية والتي تنتهي العام الحالي وفترة التخطيط الاستراتجي التي تستمر حتى 2021، فترة التطبيق الاستراتيجي من عام 2021 إلى عام 2049 أما عن تأثيرات طريق الحرير على منطقتنا فلهذا حديث آخر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إلى الأعلى