الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / جهود متواصلة لجمع أرشيف فلسطين السينمائي
جهود متواصلة لجمع أرشيف فلسطين السينمائي

جهود متواصلة لجمع أرشيف فلسطين السينمائي

الدوحة ـ العمانية:
أعلن منتدى فلسطين الدولي للإعلام والاتصال (ومقره اسطنبول)، عن تأسيس مركز الفيلم الفلسطيني ليكون أول مؤسسة دولية تسعى لخدمة الفيلم الفلسطيني والفيلم عن فلسطين من خلال توثيق الأفلام والتعريف بها وتسهيل نشرها بطريقة تتناسب والإيقاع السريع للعصر الحديث وتتأقلم مع المنصّات الحديثة للإعلام الالكتروني.ويعدّ جمعُ “سينما فلسطين” ضمن أرشيف مركزي، خطوة مفصلية في توثيق الذاكرة البصرية الفلسطينية في مواجهة مساعي الاحتلال الإسرائيلي لطمسها ومحوها وإلغائها بأشكالها كافة، المكتوبة والبصرية والشفوية. وتأتي أهمية هذه الخطوة من كون الأرشيف الفلسطيني بما يمثله من ذاكرة بصرية وسينمائية، قد فُقد خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت سنة 1982، وضاع ما تبقّى منه على إثر الخروج من لبنان.
ويقول المخرج والمنتج الفلسطيني بشار حمدان، عضو اللجنة التحضيرية للمركز، في حديث لـ”وكالة الأنباء العُمانية” إنهم يعملون مع عدد من المختصين، على بناء قاعدة بيانات إلكترونية للسينما الفلسطينية، شبيهة بقاعدة بيانات الأفلام العالمية (IMDB)، مشيراً إلى أن اجتياح بيروت 82، انعكس سلباً على العديد من صناع الأفلام الذين فقدوا أعمالاً لهم، كما تشتت الكثيرون منهم في بقاع مختلفة من الأرض، مثل المخرجين العراقيين قاسم حَوَل وقيس الزبيدي، بالإضافة إلى من رحل إلى رحمة الله وأبرزهم المخرج الفلسطيني مصطفى أبو علي.
ويقول حمدان، في سبيل توضيح المأساة التي تعيشها الذاكرة البصرية الفلسطينية، إنه عندما كان يعمل قبل تسع سنوات على فيلم قصير يتحدث عن فرقة العاشقين الفلسطينية، أنتجته شركة طيف للإنتاج التلفزيوني لصالح قناة الجزيرة الوثائقية، قام بالبحث عما يمكن أن يوثق لهذه الفرقة من أرشيف صوتي وبصري بما في ذلك حفلات أحيتها الفرقة في عدد من البلدان العربية والأجنبية، فتبين له وجود أرشيف لها في دائرة الإعلام والثقافة التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية في دمشق. ويضيف قائلاً: “نجحنا يومها وبعد محاولات دؤوبة، في إقناع أحد المسؤولين بفتح الغرفة التي كانت فيها المواد، وقمنا، بسبب ضياع المفتاح، بكسر الخزائن المكتظة بأشرطة (يوماتيك) يعلوها الغبار.. وبعد مشادة مع الشخص الذي تم إرساله معنا ليشرف على الأمر، لأنه أراد تزويدنا بشريط أو شريطين فقط، استطعنا الحصول على 5 أو 6 أشرطة لنسخها، على أن تتم إعادتها”.
ويكشف حمدان أنه وجد صوراً للفرقة، وكُتب تعيين أعضائها، والسير الذاتية لهم، مهمَلة في أحد الأدراج، وتفاجأ يومها بما شاهده من أشرطة (ريل) سينمائية في مخزن موجود في الدائرة، وقيل له إنها ربما تكون لمسلسلات وأفلام فلسطينية أنتجتها الدائرة، ولم يتسنّ له معرفة محتواها.
ويعود منتج قناة الجزيرة بذاكرته ليدين “التقاعس في حفظ ذاكرتنا وهويتنا، بل وعدم إدراك أهميتها، حتى في ظل ما يتوفر منها من مواد ووثائق مهمة، يتم إهمالها إلى أن تضيع أو تتلف”.
وفي ضوء هذه التجربة المرة، في إهمال الذاكرة البصرية، بدأ حمدان العمل على فكرة فيلم “سينما لم تكتمل”، عن سينما الثورة الفلسطينية، وتحديداً منذ عام 1968 وحتى منتصف الثمانينات، إلا أنه لم يكمل هذا الفيلم لأسباب إنتاجية. ويوضح حمدان، أن بدايات السينما في فلسطين تعود إلى عام 1935، على يد إبراهيم سرحان الذي قام بتصوير أول فيلم تسجيلي عن زيارة الملك سعود بن عبد العزيز إلى فلسطين بكاميرا اشتراها آنذاك بمبلغ 50 جنيهاً فلسطينياً. ويضيف أن هناك من يعود بتاريخ هذه السينما إلى ما قبل ذلك، وتحديداً مع الأخوين إبراهيم وبدر لاما، الفلسطينيَّين اللذين كانا عائدَين من تشيلي التي هاجرا إليها مطلع القرن العشرين، مع معدات التصوير والتحميض لإنشاء صناعة سينمائية في فلسطين.
وبحسب حمدان، فإن الأوضاع في فلسطين دفعت الأخوين لاما للسفر إلى الاسكندرية، حيث كانت الظروف مناسبة لممارسة النشاط السينمائي، وكان أول فيلم لهما هو ” قُبلة في الصحراء” عام 1927، ثم استمر إنتاجهما في مصر من خلال شركة “كوندور فيلم”، لكن العديد من الباحثين يرون أن هذين الأخوين لم يساهما في صناعة السينما في فلسطين كونهما لم ينجزا أيّ فيلم فيها أو عنها.
ويتابع حمدان بقوله إن دور العرض السينمائية انتشرت بكثرة في فلسطين، وكان هناك مجلة سينمائية متخصصة بعنوان “الأشرطة السينمائية” أصدرها إبراهيم تلحمي باللغتين العربية والإنجليزية في عام 1937، إلى جانب صحف ومجلات أخرى اهتمت بالسينما مثل مجلة “الحقيقة المصورة” التي أصدرها محمد مصطفى غندور عام 1937 في عكا، وصحيفة “الرياضة والسينما” لصاحبها ومحررها جبرائيل شكري ديب، وصدرت في القدس عام 1945.
ومن بين دور السينما التي انتشرت وكانت تعرض أفلاماً عربية وأجنبية في ذلك الوقت: صالة أديسون، وصالة ركس في القدس. وفي حيفا كانت هناك سينما الكرمل، وسينما الحمراء في يافا، وسينما البرج في عكا.
وفي عام 1945، أسس أحمد حلمي الكيلاني مع جمال الأصفر وعبد اللطيف هاشم “الشركة العربية لإنتاج الأفلام السينمائية”، وفي عام 1946 أخرج صلاح الدين بدر خان أول فيلم روائي في فلسطين بعنوان “حلم ليلة”، وعُرض الفيلم في القدس ويافا وعمّان. ويذكر الناقد السينمائي حسان أبو غنيمة في كتابه “فلسطين والعين السينمائية” أن محمد صالح الكيالي الذي درس السينما في إيطاليا، كُلف من مكتب الجامعة العربية بإخراج فيلم عن القضية الفلسطينية، ولكن الفيلم لم يُنجز بسبب نكبة 1948.
ويرى حمدان أن “سينما الثورة” ليست سوى نموذج لمرحلة من المراحل الرئيسية التي مرت بها السينما الفلسطينية، وتشكل وثيقة تاريخية، ليس فقط بما فيها من أفلام، بل بما تشكله من قراءة مهمة لتلك المرحلة، والاستفادة منها كمادة بصرية يمكن الاتكاء عليها اليوم في صناعة الأفلام، وثائقياً وروائياً، والتي تسير بمسارات متنوعة إنتاجياً.
وبمعزل عما إذا كانت هذه الأفلام تلفزيونية أو سينمائية، فإنها تتوزع كما يوضح حمدان، بين الأفلام التي يتم إنتاجها في فلسطين، وتلك التي تُنتَج في المنافي والشتات وتحكمها ظروف إنتاجية مختلفة، يصل العديد منها إلى المهرجانات العربية والعالمية، لكنها بالكاد تجد طريقها إلى المشاهد الفلسطيني والعربي، وبين تلك المنتَجة لصالح قنوات أبرزها “الجزيرة” التي ساهمت في إنتاج المئات من الساعات الوثائقية عن فلسطين وتصل إلى المشاهدين في بيوتهم.
وبحسب حمدان، فإن هذا يستدعي وجود “جهة مرجعية، تسهم في تأسيس قاعدة بيانات لكل ما تم إنتاجه سابقاً أو يُنتج في أيامنا هذه”، وهذا لن يشكل إضافة نوعية لصناع الأفلام فقط، بل سيحافظ أيضاً على الذاكرة البصرية من الضياع مرة أخرى.
ويشير حمدان إلى الأفلام التي تُصنع عن فلسطين من قِبل مخرجين عرب وأجانب، كفيلم “هنا وهناك” للمخرج الفرنسي الشهير جان لوك غودار، والذي تم تصويره في عام 1970 عن بدايات الثورة الفلسطينية، والفيلم الوثائقي “شخص غير مرغوب به” (Persona Non Grata) للمخرج الأمريكي المعروف أوليفر ستون، وهو عن الصراع العربي الإسرائيلي، وفيلم “وُلد في غزة” للمخرج الأرجنتيني هرنان زين، والذي فاز بجائزة التحكيم للأفلام الطويلة في مهرجان الجزيرة الدولي عام 2015.
ويشدّد حمدان على أهمية توحيد جهود صُنّاع الأفلام والباحثين في مجال السينما والأفلام الفلسطينية، بهدف العمل المشترك ضمن إطار مؤسسي أو نقابي، والتواصل مع القنوات التلفزيونية ودُور الأرشيف في الدول العربية والأجنبية، للوصول إلى المواد البصرية المتوفرة ذات العلاقة بفلسطين، وتأسيس مبادرة لجمع الأرشيف الفلسطيني، وإنشاء مركز لحفظه وتوثيقه، وإنشاء صندوق قومي لدعم صناعة السينما الفلسطينية وتطويرها.

إلى الأعلى