الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / “تحفيز ريادة الأعمال ورفد تنافسية الاقتصاد ” (1 ـ 4)

“تحفيز ريادة الأعمال ورفد تنافسية الاقتصاد ” (1 ـ 4)

لا يمكن الجدال في حقيقة أن المشاريع التجارية الجديدة تخلق وظائف جديدة. فمنذ أن قام “بيرش” بدراسته المؤثرة في عام 1987م التي أوضّح من خلالها بأن 82% من نمو الوظائف في الولايات المتحدة الأميركية في الفترة 1981-1985 يُعزى إلى الشركات التي لديها عدد موظفين أقل من 20، اتخذ واضعو السياسات المشاريع التجارية الصغيرة كحل لأي انكماش يصيب التوظيف. لكن لم ينتبه واضعو السياسات بأن أغلب الشركات التي قام “بيرش” بمسحها في دراسته والدراسات التي أعقبت ذلك كانت في واقع الأمر أغلبها الشركات العاملة في القطاع التصنيعي والتي ساهمت في طفرة التوظيف. عند الرجوع لبيانات مكتب التعداد الأميركي، وجدت أحدى الدراسات الأخيرة لمؤسسة “كوفمان” بأن المشاريع الصغيرة التي استطاعت اجتياز المرحلة الأولية ساهمت في خلق الوظائف، لكنها وبالرغم من تحفيز السياسات حققت ذلك الأمر بسرعة أقل مقارنة بعام 2002 . في عام 2002م، توظف المؤسسات الناشئة الطبيعية 10.8 شخص خلال السنتين الأولى من دورة حياتها، لكن توضح البيانات بأنه منذ عام 2010 ينخفض هذا الرقم إلى 8 أشخاص. دراسة أخرى قام بها البنك الدولي مسح من خلالها 47,745 مؤسسة صغيرة ومتوسطة في 99 دولة بمساهمة الشركات التي توظف من 5-250 موظفاً بنسبة 66.7% توظيف بدوام كامل. إلا أن الشركات الأصغر من عمر سنتين ساهمت بمتوسط يكاد لا يذكر بنسبة 4.78% في التوظيف.

ماذا يوضّح لنا هذا الأمر؟. يُشير هذا الأمر، ضِمنياً، بأن الشركات الناشئة في مجال ريادة الأعمال الجديدة ليست من يُساهم في خلق وظائف جديدة، بل هي المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. فالشركات الصغيرة التي مضى على تأسيسها 10 أعوام، إذا ما كانت لديها القدرة على التوسع، تُساهم بنسبة أكبر في خلق فرص توظيف جديدة مقارنةً بالشركات الناشئة. يتحقق نمو الوظائف الذي تخلقه الشركات الجديدة خلال السنة الأولى من التأسيس، ثم بعدها تخسر الشركات وظائف أكثر بعد السنة الأولى كلما فشلت، ويتضاعف الأمر عند توسع الشركة. لذلك وعبر دعم تأسيس أعمال تجارية جديدة، تُحفز الحكومات بشكل نشط تدمير الوظائف. إضافةً إلى ذلك، تدعم دراسة البنك الدولي حصة بيانات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث توضح وجود علاقة سلبية في مساهمة المشاريع الصغيرة والمتوسطة في إجمالي الناتج المحلي، وعلاقة إيجابية تجاه الحصة الإجمالية للتوظيف.

بطبيعة الأمر هناك بعض الاستثناءات في هذا التوجه، ألا وهي الشركات التي يُشار إليها بأنها سريعة النمو أو عالية التأثير. تنمو هذه الشركات بمعدل مضطرد وتُساهم بما مقدراه 58% من التوظيف الذي تنتجه الشركات الصغيرة. إلا أن هذا النوع من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ليست مؤسسات ناشئة جديدة؛ وفي حقيقة الأمر يبلغ متوسط عمرها 25 عاما. ويبلغ عمر أقل من 3% من الشركات الصغيرة عالية التأثير 4 سنوات فأقل.

إن الآثار المترتبة لهذه النتائج تُعد هائلةً تجاه تشكيل سياسات المشاريع الصغيرة في دول مجلس التعاون الخليجي ومنطقة الشرق الأوسط. بينما يتمثل السعى خلف تحقيق نمو عال مُحتمل، لا ينبغي تنحية الشركات عالية التأثير جانباً، بل يجب أن يوجّه التدخل نحو دعم نمو وتوسع المشاريع الصغيرة والمتوسطة القائمة إذا ما كان الهدف خلق وظائف جديدة. فالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمؤسسات الناشئة قادرةٌ على جلب رأس مال المعرفة والابتكار إلى الطاولة إذا ما مُكّنت من العمل في بيئة تُساعدها للقيام بذلك. إن المشاريع الصغيرة الجديدة لديها القابلية في جلب منتجات وعمليات وأفكار ابتكارية جديدة تُساهم في نظام الابتكار البيئي، بينما لدى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة القابيلة في المُساهمة في التوظيف وإجمالي الناتج المحلي.

لابد من تحفيز نماذج حقيقية لأنشطة ريادة الأعمال، حيث بالإمكان تحقيق هذا الأمر في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمؤسسات الناشئة. إلا أنّه يجب أن تكون موارد تحفيز تلك الشركات الصغيرة عبر تمويل وبرامج محددة؛ وذلك لرفع فرصها في البقاء والنمو. وفي ذات الوقت وبينما تُشكل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة جزءًا مضافا للقطاع الخاص، يجب إعطاء الأولوية للتدابير التي من شأنها أن ترفع من معدل تلك المؤسسات في امتصاص الأيدي العاملة وقدراتها الابتكارية. فبينما تستفيد منطقة دول مجلس التعاون الخليجي من قاعدة التصنيع القوية، يُشير هذا الأمر بكل وضوح إلى توجيه تأسيس المشاريع التجارية في هذا القطاع. فإذا لم يتم إعداد هذا الأمر ضمن رؤية طويلة الأمد قابلة للتطبيق، سيصبح البحث عن عوائد الإستثمار السريعة وقصيرة-الأجل دليلاً فقط على الضرر بالنظام البيئي ككل، كما أنه سيقود إلى فشل الأعمال التجارية وتدمير الوظائف.

شريفة بنت مسلم البرعمي
Twitter: @SharifaAlBarami

إلى الأعلى