الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / من وحي السفر …

من وحي السفر …

الغرقة

كنت قد عزمت السفر إلى أحد البلدان الأفريقية، وكان عزمي في الارتحال مناسبا، هذه الرحلة كان لها أن تكون بعد ما استبد بي الشوق نحو زيارة من تبقى من أهلنا في تلك الجزر، متوكلا عليه تعالى أن يلحظنا بعنايته وحسن رعايته ويمدنا بما نقوى من تحمل مشاق السفر ونأمن غوائل الخطر، وذلك قبل هطول الأمطار، رحلتي إليها صاحبتها سلسلة متصلة من الأحداث بمبتكراتها الشائقة وبمفاجآتها المدهشة وهي أقرب إلى الحقيقة بعد ما توغلت في بحار وأحشاء هذا البلد النائي مرات عديدة.
جعلت من مبدأ الكلام في هذه الرحلة بعد ما حملت أمتعتي عند الليل إلى ميناء ماليندي حيث وجدته في غاية الازدحام بعدما توافق ذلك اليوم يوم عطلة، كما أن هذه الرحلة أعتبرها من أصعب رحلاتي البحرية وهي حقيقية وليست من نسج خيال. أما في هذه الخلوة المحزنة فقد عاهدت نفسي أن أنقل شيئا عن هذه الرحلة.. في هذه الليلة كنت في ماليندي حيث برزت تذكرتي لعسكر الميناء فيما وجدتهم في غاية حسن الهيئة وتمام النظام وقام أحدهم بتفتيشنا عند صعودنا إلى ظهر الباخرة، وهي التي تتميز ببطنها الواسع فيما رأيت خدم الباخرة منهمكين في العمل ولا يملكون الرد على ركاب الباخرة من كثرة زحام الركاب.
عندها أمر قبطان الباخرة برفع أناجرها معلنا استئنافها السفر، وهي تتحرك ببطء بمحمل الركاب وكأنها تتمزق وتنسلخ عن الرصيف انسلاخا بعد ما بدأ القبطان بالانصراف وأنظار ممن عرفتهم من جمهور المودعين والمشيعين بوجوههم السمراء بعدما ملأوا شرفة رصيف الميناء رافعين أياديهم وهي تخفق نحونا.
عندها تحركت بنا الباخرة في خفة ورشاقة وهي تطلق صفير وأزيز محركاتها إيذانا بمغادرتها وما لبثت أن اختفت باخرتنا عن رصيف الميناء وهي التي بدأت تنشط في سيرها وأخذت تمخر مياه البحر، كان ذلك عند زوال الغروب، هذا الغروب كان منظرا بديعا قد يحار الكتاب في وصفه ويدهش من حسنه الألباب بعد ما انعكس احمرار الشفق على زرقة السحاب حيث يكسبان البحر طلاوة ويزيدان العين بهجة وحلاوة.
كان هذا الإبحار يسير إلى أن فارقنا أضواء المدينة بكاملها في ليلة بدت ظلماء، كان الظلام يلقي بظلاله بعد زوال ذلك السحاب لولا أن لاح لنا الفلك مزدانا ببروجه ونجومه حيث كنت أرقب الرؤية بملء الشوق مما انعكس ذلك في مياه البحر وهو يشع شعاعا أثناء اصطدامه بصغار حيوانات البحر وكأنها شعلة من النار.
أن هذه المغادرة من ميناء ماليندي إلى الجزيرة الخضراء بعد ما كنا في اليابسة إلى عرض البحر المترامي الأطراف فيما أخذت السفينة تحبو في لجة ماء البحر مجتازة في طريقها الجزر تلو الآخرى وهي التي تدب بها الحياة في النهار وهو ما يؤثر في الأنسان أعظم تأثير عندما يرى نفسه يخوض غمار هذه البحار تحت رحمة خالقه فتتجلى له كم هي عظمة رب الكون في ذلك.
هذا الانتقال في البحر هز عواطف الركاب من المسافرين بعد ما استكان البعض في مخادعهم حيث حرك فيهم سويداء القلوب فيما جلهم من أهل البلاد ولم أرّ أيا من الوجوه غيرهم، وعندما كنت أتنقل بين عنابر الباخرة رأيت البعض في البهو على مقاعدهم المنعزلة عن الآخرين وهم يطيلون البصر نحو نقطة معينة لم أجد لها تفسيرا.
كانوا في الحقيقة مستغرقين في أفكارهم وما تكنه أفئدتهم وكأنهم يقرأون سطور رحلة هذه الليلة.
ماذا ينفع عقب ساعات الفراق وبعد ما تهتز النفس في مثل هذا الموقف هلعا ولا يدرون إذا كانوا سيفلتون ويعودون إلى أهلهم سالمين أم غير ذلك.
أما البعض الآخر لم يكن آبها لأي شيء، فقد رأيتهم بعدما تناولوا عشاءهم يرقصون على ظهر الباخرة، كنا حينها نمرق على عدد من البواخر والتي سرعان ما تطلق إحداها أبواقها لترد عليها الأخرى بالسلام مستخدمة إشارات الأعلام.
وأثناء سير الباخرة رأيت أحدهم وقد انزوى بعيدا وجلس يدخن ومنهم من أخذ من الممرات والعنابر فراشا له، أما خدم الباخرة فلم أرّ منهم ذلك الاستقبال المتعارف عليه في السفر سوى توجيهنا إلى غرفنا، لذلك كنت أتساءل كيف سيكون حال السفر إذا؟ كانت كثير من الأسئلة والخواطر أبحث عن فك طلاسمها بعد ما باتت عالقة في ذهني إلى أن اكتشفت إن الأمور غير مضبوطة بالمرة، ناهيك عن الساعات التي تأخرناها والتي كانت كفيلة بالإجابة على الأسئلة.
في هذه الرحلة كنت في غرفتي حيث بتنا ضيوفا مؤقتين حتى نبلغ مبتغانا فيما كنا نبحر بمسير الباخرة وهي تحبو بنا في لجة مياه البحر إلى أن اظلمت السماء وأمطرتنا مطرا خفيفا غير عنيف حتى دقت الساعة وتحرك علينا الموج واشتد نفخ الهواء (الريح) ثم تبعتها عاصفة هوجاء واضطرب البحر مما أدى إلى أضطراب الباخرة وإن لم يكن بذلك الفرط عند بدئه، لكن وقوع ذلك فجأة أقلق الركاب بعد ما كانوا في سكينة وسكون إلى إن وقع مالم يكن في الحسبان.
عندها أخذ البحر يتلاعب بالباخرة من جهة إلى جهة وكأنها بهيمة غير مكترث بمحملها من الركاب حيث، كنا خليطا من أطفال ونساء وعجزة ناهيك عما تحمله من تلك الحمولة من أطنان الدقيق والأرز ومركبات وصهاريج البنزين وغيرها من السلع، كان الكل يضع يده على قلبه بعد ما رأى اضطراب البحر وتلاعبه بالباخرة حيث، كنا في حاله يرثى لها مخافة أن يحدث ما لا يحمد عقباه وهو غرق الباخرة.
هذا السير في هذه الليلة الظلماء لا يمكن للمرء وهو في هذه الوضعية أن يميز شيئا، فقط ما يمكن رؤيته نور يتهادى من بعيد حيث كان نحو منارة وضع في أعلاها مصباح يرشد السفن بالابتعاد عن الجزر الصغيرة التي تتناثر في هذا الأرخبيل، وذلك كي لا تصطدم بها.
كنت حينها في سريري حيث غرف الباخرة ضيقة وخالية من فتحات التهوية، كما ينقسم السرير الواحد إلى شطرين ينام الواحد في أعلاه والآخر في أسفله فيما كانت تتقاذفنا أروقة الباخرة بين جدرانها وأعمدتها الصلبة ونحن في هذه الغرف.
إن الوضع بالباخرة بات سيئا للغاية حيث غادرت غرفتي ومن القوقعة الرابض بها، كان ذلك باتجاه ظهر الباخرة، كان يمكن رؤية عامة الركاب، وقد افترشوا ممرات الباخرة بعد ما اكتضت بهم الباخرة.
كان البعض لا يزال غير مدرك ما يحدث للباخرة وهم غارقون في نومهم فيما يمكن سماع صراخ وعويل بعض الركاب دون توقف كمن فقدوا عقولهم في تلك اللحظة، وذلك لاحساسهم بأن الباخرة سوف تغرق وهي التي حملتهم فوق طاقتها المقدر لها.
كل ذلك وسط تعالي صراخ الركاب بعد ما هالهم أمرهم من حركات الارتجاف والانخفاض والارتفاع من حال البحر حتى ضجت النفوس ودارت الرؤوس.
عندها غادرت غرفتي مخترقا بعض الجموع وهم نيام بين الممرات وهم من ركبوا الباخرة كي يصلوا إلى مبتغاهم، كنت أمد يدي تارة نحو أي شيء معلق أو حلقة مفرغة وتارة أخرى بين تلك الأنابيب وهي تتبع صنابير الباخرة كمن يتسلق جبلا، وذلك نظرا لتلك الجموع والتي افترشت أرضية وممرات الباخرة، وذلك كي لا تطأ قدم حذائي فوق الجمع وأن حدث ذلك يمكن سماع صراخ من وقعت قدماي عليه.
هذا الانتقال من جوف غرف الباخرة إلى ظهرها مرورا بالممرات والعنابر المليئة بالركاب النائمين، وذلك بعد ما باتت تتكفأ بنا الباخرة تارة وترنو بنا تارة حيث، تميل إلى الأمام مرة وإلى الخلف كرة وترتج طورا وتتمايل يمنة ويسرة بعد ما تقاذفتنا تلك الأمواج ونحن في الغرف إلى أن تنفست الصعداء نحو التهوية، من على ظهرها، وهو بمثابة عودة كلية إلى الحياة.
أما بعد ما أدرك الجمع ما يحدث للباخرة رأيت الركاب يتدافعون ويتسابقون نحو عيادتها حيث يطلبون ما يهدئ من روعهم، في هذه اللحظة لم أكن أقف موقف المتفرج فقد أسعفنا حالات وقد أصابها الأعياء نتيجة الغثيان والقيء وغيرهم من فقد وعيه فيما نقلنا البعض إلى عيادة الباخرة.
آه لماذا حدث كل هذا؟ وفي هذه الرحلة بعد ما أبحرت في عدة بحار ولم أواجه مخاطرها قبل ذلك حيث كنت أتمتم مرددا في خلجات نفسي حول حظي البائس وأي جنون دفع بي نحو السير في هذه الليلة، أكان الركاب يوقنون بأن هلاكهم وغرقهم قادم لا محالة بعد ما يئسوا من السلامة، كل ذلك بعد ما راودتني تلك الأصوات التي كنت أسمعها من صراخ وعويل الأطفال والنسوة والتدافع مسترجعا ذاكرتي نحو مشهد بعض الأسر من على رصيف الميناء محاولة ثني أبنائها من السفر في هذه الليلة. هذا التدافع كان على أشده من قبل الركاب باتجاه السلالم والذي سوف يصلهم إلى ظهر الباخرة حيث لم يبق في جوفها أحد ومرد ذلك حتى تخف حمولتها وميلها بعد ما قذف الركاب ما معهم. ساد التفكير نحو القفز ومغادرة الباخرة ، ولكن لا يمكن ذلك نحو أي تفكير لا يضمن النجاة المتيسرة .. أي هلاك هذا بات يعصف ويعتري بني البشر في هذه البحار.
كان البحر على ما هو عليه مستمرا في تلاعبه بالباخرة حيث رأيت حالات بعدما أدركت الوضع وهي ترفع أكف الضراعة للمولى عزوجل ومنهم من قدر وشاء له بدأ يتمتم جهارا وفي سره بالشهادة استعدادا لمواجهة القدر المحتوم وبعضهم باتوا يحضنون بعضهم وكأنهم يتوادعون، كانت دقات القلوب لا تتوقف وأنا أنظر الى الآخرين وقد اعتراهم هاجس الموت.
أما قمرة القيادة كانت منعزلة تماما حيث الوصول إليها يتطلب البحث عن سلم وهذا الاخير تم ركنه عند كابينة القيادة حتى لا يتسلل الركاب إلى قمرتها فيما وقعت عيناي نحو قبطانها وهو يصارع نحو إعادة مسارها بعد ما كان ممسكا بمقودها.
كنت على وشك الصعود نحو القمرة حيث كانت تفصلني بضع خطوات إلى أن غمزني أحدهم بأن أرجع وأترك القبطان يسّير دفة الأمور، وهو أخبر منا في ذلك، بقينا على تلك الحالة الليل كله حتى بلغ اليأس مبلغه، وبعد عدة ساعات من الاضطراب بدأ هذا البحر يهدأ من اضطرابه ويترك أثره مما حدا بالباخرة أن يستقيم سيرها بعض الشيء.
وبعد فترة وجيزة هدأت تلك العاصفة الهوجاء حيث خف علينا الحال وزال الغمام عما كان عليه من ويل بعد ما أصبحت السماء مفعمة بالطمأنينة والهواء في غاية الاعتدال إلى أن انطلقت زغاريد النساء من الركاب وهي تتنفس الصعداء فرحين بالسلامة.
ساد الهدوء الباخرة، حيث استلقيت على ظهري، الآن بت أنظر إلى السماء بعد ما تزينت بالنجوم حتى سقطت في جبة النوم مع الجميع وكانت الباخرة تشق عباب البحر بعد ليلة عصيبة ومؤلمة بتناها حتى لاح علينا الصباح وأطلت علينا الجزيرة الخضراء بإطلالتها الجميلة، وذلك بعد ما أنبثق علينا نور الشمس حالما أن أرتشف في وجهي بماء فاتر يقضي على ما تبقى من تلك الليلة العصيبة.
أما بعد ما جسرنا نحو الدنو إلى مرفأ الجزيرة بعد مشقة عظيمة كادت أن تنال من باخرتنا من جراء الرحلة، طرح النوخذة سلاسل مع قطعة شص كبير من الحديد في قاع ماء البحر حتى لا تتزحزح السفينة من مكانها إلى أن نزل بعض البحارة نحو تثبيتها.
وعندما هممنا بالنزول من الباخرة تطاولت الأعناق وأغرورقت العيون بدموع الفرح، كان التعانق كمن لم نر بعضنا البعض منذ سنين مضت حيث فاضت الألسن بالتحدث، وما يمكن أن يحمل المرء في داخله من مشاعر جياشة تجاه الآخر، وذلك بعدما اجتمعت القلوب ، وبعدما سرت النفوس لرؤية بعضها البعض وأبهجت القلوب بجميل بهجتها.
كما رأيت من على المرفأ اشتداد المزاحمة بعد ما رسونا حيث وجدنا أهل الجزيرة خرجوا لملاقاتنا وهم لا يحصون عددا ما بين الأطفال والنسوة والرجال وسط زغاريد الركاب بعد ما وصلنا إلى بر الجزيرة سالمين بحفظ الله تعالى وحسن عنايته.
أما بعد فترة وجيزة ومن خلال تواجدي في الجزيرة، إذا بالأنباء المأساوية تتوارد علينا عن غرق الباخرة، والتي كنت أحد ركابها حيث تنامت إلى مسامعي تلك الصرخات والعويل الناجم من أولائك الركاب الذي ساقهم القدر أن يكونوا ضمن ركاب هذه الرحلة فيما بت أردد في خلجات نفسي (غرقت تايتانك أفريقيا)، وهي التي لم يلتفت لها أحد نحو صيانتها والأهتمام بها، ومن خلال هذه الحادثة المأساوية فقد غرق الكثير ممن نعرفهم ونجا بعضهم فالحمدلله على نعمته ونجانا من هذه الرحلة إنه نعم المولى ونعم القدير.

خالد بن سعيد العنقودي
Kld_qudi@hotmail.com

إلى الأعلى