الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ذاتٌ على شرفةِ حُلم

ذاتٌ على شرفةِ حُلم

تلك العصافيرُ لا تزالُ تغرّد بألحانها البديعة.
الواحة الغنّاء تبتهج اخضراراً.
الحُسنُ يفرشُ أذرعته في كُلّ اتّجاه.
الفراشات كانت تطير فوق الزهور بألوانها المزركشة الزاهية ..
إنها تغازلُ أعمدة النُّور المنبثقة من خلال أغصان الأشجارِ وأفرعها.
للنسمات التي تتخلل تلك الأشجار والغصون المُتدلية تحمل على متونها رائحة زكية.
تنتَعش الروح.. وتحيا النفس.
لم أجد لها مثيلاً في زمنٍ ما مضى.
أما زمن اللحظة الآنِيَّةِ لا يزال يرقص دهشةً.
الألوان المتناسقة في قربها وبُعدها تُشكّل لوحة فنية عظيمة لا يمكن لبشر أن يفطن إليها أبداً.
النهر الذي يمرّ بجانبي ينطلق بانسيابٍ من أعالي تلك الحقول والبساتين المُترامية الأطراف.
أشاهده يصعدُ نهراً مُعلّقاً لا هو في أرضِ الأفق الخلاّب، ولا هو في السماء التي تحيط بي من كلّ مكان.
أما أنا فكنتُ أتجوّل في أنحاء هذه الطبيعة الرؤوم.
لم أكن أشعر بالتّعب أبداً..
ولا زلتُ أسير ..
وعينيَّ تهرولُ في طرقاتٍ شتّى
كأنها قد سكرت بخمرةِ الجمال المنسكب في أودية الأشياء ..
كُنتُ أسرح بفكري بعيداً في كلّ تلك التفاصيل الصغيرة والكبيرة.
فما أحلى هذه السياحة التي مسكتني من تلابيبي.
وشدّتني إليها بكلّ لطفٍ وعناية.
لم تعد تلك التهويمات كافية لاستيعاب هذا الوجود.
لم تعد اللغة الكامنة في خبايا عقلي كافية لترجمة ما هو واقع عياناً أمامها.
لم تعد تلك النظرات كافية لاكتشاف مناظر جديدة.
هي لا تزال تتجدد في عَينَيَّ في كلّ التفاتة تبدرُ مني هنا أو هناك.
لم أعد أصدّق هل أنا في جنة الدنيا، أم في جنة الآخرة.
هل أنا أنا الدُّنيوي ؟..
أم أنا أنا الأخروي ؟..
وهل هذا الكون من حولي هو خيالٌ محض، وأنا الحقيقة التائهة في دهاليزه ؟..
أم أنا الخيال وهذا الكون من حولي هو الحقيقة ؟..
وهل سأفنى عنها ثم تفنى هي في وقت لاحق ؟..
أم سنفنى معاً ؟..
أم سنُخلّد في هذا الوجود..
وستتكوّن وجودات أخرى أرقى من هذا الوجود وأنتقل إليهِ شيئاً فشيئاً..
سبحان الله لقد تغيّرت الطبيعة بالفعل من حولي.
كأنها تجِيب على كلّ تلك الأسئلة التي تدور في رأسي بالأجابة على السؤال الأخير،
لتكفي عن إجابات الأسئلة السابقة..
ما شاء الله ..
أهذه هي الجنة ؟..
أهذا هو الفردوس ؟..
أهذا هو الخلود ؟..
أم أنا أنا .. أحلم .. أحــ.. أ..

وهكذا استيقظتْ الذات من نومةٍ هانئةٍ ذات مساءٍ هادئ على شُرفةِ حلمها الجميل.

عقيل بن ناجي المسكين
aqeelmiskeen@yahoo.com

إلى الأعلى