الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / ضمن اتجاهات القصة القصيرة جداً…. أحلام الإشارة الضوئية

ضمن اتجاهات القصة القصيرة جداً…. أحلام الإشارة الضوئية

الحراك الإبداعي الثقافي في منطقة الخليج العربي يأتي امتداداً للحراك في دائرته العربية الأوسع. ولقد برزت القصة القصيرة جداً خلال العشر سنوات الماضية كملمح يتماشى مع روح العصر، واتجاهات الاختصار، وظاهرة (المايكرو) التي وصلت إلى الأزياء النسائية قبل عشرين عاماً.
وضمن هذا الإطار يأتي إصدار الزميل الدكتور سعيد محمد السيابي (أحلام الإشارة الضوئية)، الذي يضمن 109 قصص من هذا النوع القصير.
ومن ملامح هذا الاتجاه أن الكاتب يوفر على للقارئ فرصة الإبحار في الخيال والتفسير، ودون أن يشرح له أو يبرر له الحالة التي يتناولها. كما أن القصة الواحدة تأتي مختزلة في ثلاثة سطور أو أقل، وبعضها يكون في خمسة سطور.
لستُ بصدد تقديم دراسة عن الكتاب هنا، فقد يكون ذلك تالياً، ولكن للفائدة العامة، وللمهتمين لهذا النوع من الأدب، سوف أنتقي بعض النماذج وأُعلق عليها.
قصة (البنطلون) :
“كان يتفاخر أمام أمّه بأنه سيحتفل بمرور سبعة أشهر منذ قرر ارتداء البنطلونات والقمصان فقط. أوقفه عن مواصلة حديثه صوت ارتطام غراب على زجاج النافذة التي اهتزت. فسقطت صورة الأب الذي كان مرتدياً خنجره – بالأبيص والأسود- والمعلقة على الجدار. تهشمت الصورة أمام أمّه.”
نلاحظ في هذا المشهد ثنائية التمسك بالتقاليد والتحلل منها!. وهو بوحٌ غير مباشر، واستحضار لمدى هجمة المدنية على المجتمع الذي يضرب في عُمق التاريخ. وتُغنى تلك السطور الأربعة عن عشرين صفحة من الإنشاء والإطناب لشرح الموضوع. وهذه الميزة الأساسية في القصة القصيرة جداً؛ خصوصاً في ظل سرعة إيقاع الحياة، وعدم إقبال كثيرين على القراءة ، ضمن الهجمة الاستهلاكية على المجتمع العربي. ناهيك عن جمالية استخدام الكلمات، فالغراب الذي ارتطم بالنافذة، إشارة إلى سوء المنقلبن لأن رؤية الغراب فألٌ غير حسن. وكان استخدام الكاتب للغراب للوصول إلى المعنى العام الذي يريد الوصول إليه، وهو الاستغراب من حالة التخلص من الأصالة، ليس في لبس البنطلون فحسب، بل في الإقبال النهم على كل ما هو غربي، وهو ما يتصل أيضاً بتشكل الهوية العامة للمجتمع. كما يُمثل سقوط صورة الأب – المرتدي خنجرهُ- باللون الأبيض والأسود ، إشارة احتجاج تأتي من التاريخ ضد تصرّف الابن الذي لم يحافظ على تراثه وهويته. وإشارة الكاتب إلى اللونين الأبيض والأسود تعطينا فكرة غيا الأب أو رحيله منذ فترة ليست بالقصيرة، لأن الصورة غير ملونة.
قصة تختصر حياة بعض شباب اليوم مع الموضات الغربية، وصرخة احتجاج ضد التغريب الذي يجتاح المجتمعات العربية.
قصة (انكشاف) :
” لم تمسك الطعام في يدها، مُربيتها كانت تغرسُ كل شيء في فمها، ولكن ما أن طارت إلى عش الزوجية، حتى تحولت القطة السمينة المُدللة إلى ما يُشبه هيكلاً عظمياً.”
هذه صورة اجتماعية لواقع مرير تعيشه الفتاة في منزل والدها، حيث يقوم على خدمتها الخدم والحشم، ولا تتجشم الفتاة عناء رفع اللقمة إلى فمها، وهذه إشارة بليغة لمعنى الدلال والاتكالية على الغير وضعف الشخصية. كما أن الكاتب لجأ إلى بعض المفردات القوية الدالة على إدانة الفعل، كما نرى في كلمة (تغرس) بدلاً من تُطعم، أو تُلقي، لأن تُغرس تعطي انطباعاً أو تؤسس لمشهد فيه الكثير من الحركة الدالة على سلبية عملية الإطعام. وكذلك لفظة (القطة السمينة) ، في إشارة إلى أن البنت المُدللة لا تتحرك، وطلباتها مُجابة ، بحيث اكتنز جسدها باللحم والشحم. ولها تفاسير أخرى، منها: أن البنت لا تمارس الرياضة وتأكل كثيراً، ولا تهتم بأي شأن من شؤون الحياة من حولها ، حيث يقوم آخرون بها نيابة عنها. كما أن استخدام كلمة (عُش) يرمز غلى هشاشة المكان بالنسبة لفتاة سمينة ! ولم يقل الكاتب (بيت الزوجية) مثلاً! لأن دلالة كلمة (عُش) أبلغ في المقاربة الواضحة مع ( القطة السمينة)، حتى تكون في النهاية (هيكلاً عظمياً)، بعد أن تفقد الدلال وملامح الاتكالية. إنها إشارة إلى أن (عُش الزوجية) يفصح عن أن الزوج ليس من الأثرياء ، كما هو الحال في بيت أبيها، ولقد بنى الزوج (عُشهُ) على قدر ما لديه من مال ، ولم يكن لديه خدم أو حشم!.
هذا الاختزال – في التوجه الجديد في القصة القصيرة جداً – يوفر الوقت على القارئ ويُعمق الفكرة ، ويُتيح المساحة للتأمل والتأويل وتفسير المشهد حسب حالة كل قارئ!

قصة (دموع مختلفة) :
” قصَّ عليها رؤياهُ في ثوان، فمسحت الدمعة الأولى من خده. بعدها بدقائق أسقطت أمطاراً من الدموع، حيث كان يُمهّدُ لإخبارها بقراره الزواج من أخرى.”
نحن هنا أمام مشهد درامي مثير، ولعل الزواج من أخرى يعتبر من المحرمات والمأساويات لدى المرأة الأولى. وهو موضوع اجتماعي هام. إذ يستحيل أن تتنازل المرأة كي تحتل أخرى مكانها، أو على الأقل تكون على خط متوازن معها في احتلال قلب وتفكير الزوج. كان استخدام كلمة (رؤياه) موقفة جداً، حيث جسّدت الحالة ، التي قد تكون مختلقة أو لربما غير صادقة . لأن الرجل إن كان يحبُّ زوجته هذا الحب الذي يجعله يذرف الدموع ، لن يُقبل على الزواج من أخرى؟!. هل هي دموع التماسيح ؟ أم أن الزوج يريد خداع زوجته بتلك الدمعة ، والتي قامت الزوجة بطيبتها، بمسحها بيدها، قبل أن يُفجّر القنبلة في وجهها. ونلاحظ جملة (أسقطت أمطاراً)، جاءت في مقاربة مع (الدمعة الأولى)، التي سقطت من عين الزوج . كما أن فعل (السقوط) لم يأت عفوياً ، كما هو الحال في (فسقطت أمطارٌ) ، بل يُنبى المشهد عن أن الفاعل هي الزوجة ، وهي من قام بفعل الإسقاط. فهل نحن أمام حالة صدق من قبل الزوجة ؟ أم أنها حالة مختلقة أيضاً!. كما هو حال الزوج!
ولقد جاء العنوان جزءاً من القصة ( دموع مختلفة)، حيث يضع القارئ في مكان التوجس والبحث عن مدى صدقية أي من الدموع ( دمعة الزوج) أم (أمطار دموع الزوجة)!.
هكذا تسير قصص الكتاب في 115 صفحة من القطع المتوسط، سلاسة، جمال الوصف ، شفافية البديع، التركيز والتكثيف، الوضوع والغموض في آن واحد، كي تتاح الفرصة للقارئ لاكتشاف معالم المعاني المتوارية خلف الكلمات.
ظاهرة جميلة في منطقة الخليج العربي ، نأمل أن يتم تناولها بالبحث والدراسة.

د. أحمد عبدالملك
ناقد قطري

إلى الأعلى