السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قراءات متعددة فـي المشهد الوطني (2 ـ13)

قراءات متعددة فـي المشهد الوطني (2 ـ13)

سعود بن علي الحارثي

المجتمع يصبح في وقت من الأوقات بحاجة ماسة لمن يعزز ثقته ويطمئنه إلى الوضع الاقتصادي للبلد خاصة عندما تتراجع أسعار النفط بشكل كبير، أو يصاب الاقتصاد العالمي بمرض عضال، أو تهبط قيمة الأسهم في سوق مسقط للأوراق المالية، أو ترتفع الديون العامة للدولة، أو تطرح تساؤلات مهمة ودقيقة لملامح ومؤشرات غير مطمئنة تتعلق بمستقبل الوطن وباستثماراته وببرامج وسياسات التعليم والتوظيف وغيرها من قبل مجلس الشورى، فلا تجد إجابات واضحة وردودا مقنعة..

ثانيا: هيكلة مؤسسات الدولة.
من المعتاد والمألوف في مجتمعنا أن يحتمي وزراؤنا ومسؤولونا الكبار بمظلة الصمت ومراقبة الوضع والتجاهل في مواجهة الكثير من الجدليات والمطالبات والشكاوى والانتقادات والتسريبات، وكل ما يصور حالة الإحباط المجتمعي، وما يطرح من قبل المثقفين والكتاب والإعلاميين والنشطاء والموظفين من مسائل وشئون وهموم وملاحظات وانطباعات ومشاهد وصور، تتعلق بقضايا ومواضيع ومستجدات وقرارات وتعليمات ومقارنات ومتغيرات وطنية وسياسية واجتماعية واقتصادية وغيرها مما يدخل في هذا الإطار داخلية كانت أم خارجية، واتباع سياسة عدم الخروج عن المألوف والمتبع ممن يكلف بالمسئولية ويتولى الوزارة بعد سلفه، وظلت هذه الثقافة نمطا سائدا عبر العقود الماضية من عمر النهضة المباركة، فقلما نجد وزيرا أو مسئولا يخرج إلى العلن، وفي وسائل الإعلام لتوضيح قضية تتطلب ذلك التوضيح مما يعلمه ويحيط بخلفياته وتفاصيله ذلك الوزير أو المسئول بحكم تخصصه ومسئوليته عن ملف تلكم القضية، أو تناول موضوع أو تفنيد مسألة التبست على المجتمع وشهدت لغطا وتباينا وانقساما بين أطيافه المختلفة فيأتي ذلك التناول والتفنيد لوضع الموضوع في إطاره الصحيح والحد من ذلك التباين، أو إعداد المواطن وتهيئته لسياسات وبرامج تسعى الحكومة إلى تنفيذها وتطبيقها والدخول مع مفكريه ومثقفيه والمختصين والأكاديميين والإعلاميين والمهتمين فيه في مناقشات وحوارات تهدف إلى استطلاع وجهات النظر والخروج برؤى وملامح مشتركة تخدم ذلك البرنامج وتلك السياسة، وتفضي إلى نتائج أفضل وأشمل، وتعزز سبل التواصل والثقة والشفافية بين مختلف الأطراف، أو نفي وتأكيد ما يتداوله الآخرون في الداخل أو في الخارج ويمس ويسيء إلى ثقافة وقيم وتاريخ المجتمع أو إلى مؤسسة أو قطاع أو مشروع أو سياسة حكومية، ويفضي استمراره وبقاؤه وتداوله بتلك الهيئة والشكل إلى أضرار ومخاطر عديدة ليس أقلها ضعف الثقة في الحكومة ومسئوليها والتشكيك في سياساتها ومشاريعها، وهو ما نراه ماثلا للعيان. فعلى سبيل المثال لا الحصر أكد عدد من المسئولين الكبار أي في بداية تراجعات أسعار النفط في الأسواق العالمية بأن (متغيرات الساحة النفطية لن تؤثر على الجوانب الحياتية للمواطنين) و(مستوى معيشة المواطن محفوظة ولن يتم المساس بها) وهم يدركون تمام الإدراك أن اقتصاد عمان ومشاريعها وخططها ورواتب موظفيها وسياسات التوظيف والدعم… جميعها معتمدة على أسعار النفط في الأسواق العالمية ومستويات نمو الاقتصاد في الدول الصناعية وسياسات الدول الكبرى… وبأن البرامج والرؤى والسياسات لم تتمكن من تحريره من هذا القيد ونسبة العائد من الموارد الأخرى لا تزال متواضعة ودون الطموح ودون النسب المستهدفة في رؤية (2020) بكثير كما أشرت في المقال السابق، وبعدها بأشهر قليلة تم تحرير أسعار النفط في السوق المحلي وتقبل المجتمع بشيء من المرارة القرار، وتم تعديل تعريفة أسعار الكهرباء والماء للأغراض التجارية والحكومية، ورفعت العديد من الرسوم والضرائب ذات العلاقة المباشرة بالمواطن أو غير المباشرة التي من المتوقع أن ترفع قيمة الإيجارات وأسعار السلع مثل تجديد الوثائق الشخصية، ورسوم الإسكان والضرائب على الشركات، وفوجئ المواطن بتعديل المعلومات في فاتورة الكهرباء فتم تحديد نسبة مساهمة الحكومة في كل فاتورة فهم منها المجتمع أن تغيير تعرفة الكهرباء والماء مرشحة للزيادة، وتم توقيف الترقيات وسحب ترقيات من حصلوا عليها قريبا وبعضها من 2014م، ما أدى إلى بعض الاحتجاجات (بلدية مسقط مثالا)، وظلت أسعار النفط ترتفع شهريا في السوق المحلي، وطرحت التساؤلات من المواطنين عن الآلية التي يتم بموجبها تحديد التسعيرة؟ ولا يزال الغموض واللبس حول الآلية غير واضح وملتبسا، وغير مفهوم فإن كان الارتفاع في الأسواق العالمية يقابله ارتفاع في السوق المحلي، فيعني أن المواطن العادي لن يتمكن من استخدام سيارته الخاصة عندما تصل الأسعار إلى 100 دولار في السوق العالمي، ومع تصاعد حالة التبرم والحيرة والغضب الشعبي وتراكم الأسئلة التي تطرح عن سياسات الحكومة في مواجهة تدهور أسعار النفط، ومدى استعدادها لما هو قادم في حالة جموده أو انخفاضه، وفيما إذا كانت ستواصل تغطية العجوزات من حقوقه ورواتبه وعلاواته واستحقاقاته ورفع الرسوم والضرائب وغياب المسئولين عن الساحة والدعوات التي تنتشر إلى التظاهر، كنت شخصيا أتساءل عن دور الإعلام الرسمي في ظل وجود مؤسستين إعلاميتين يرأسهما وزير وقنوات حجزت لها مواقع في الأقمار الفضائية؟ أين هي رسالته وبرامج الشباب التي يقدمها؟ وما هو دوره في مثل هذه الظروف والأزمات؟ لماذا لا يكلف المسئولون والمختصون فيه أنفسهم فيطرحون أسئلة المجتمع وهمومهم على المسئولين في الحكومة؟

هذا جانب ومن جانب آخر فكثيرا ما يتهم وزير من الوزراء بالفساد أو تاجر كبير بغش تجاري وتعريض حياة المواطنين للخطر، وتجاوز القوانين والاستيلاء على المال العام وترفق مع ذلك الاتهام العديد من القصص والأمثلة المؤكدة والمعززة لهذه الحقيقة أو على ضوء تحقيق صحفي أو عملية ضبط محكم، أو ضعف أداء مؤسسة من المؤسسات أو خدمة من الخدمات المقدمة إلى المواطن، والحديث عن مشاكل وثغرات وأخطاء واسعة وضياع للمعاملات وواسطات وتعامل سيئ تجاه المراجعين، أو ممارسة ضغوطات من قبل المجتمع تتعلق بمطالبات واسعة وملحاحة برفع الرواتب وتسديد الديون وتوفير فرص عمل وتوحيد الرواتب والامتيازات التقاعدية أو احتجاجات على سحب الترقيات ووقفها والتخلف عن وعود سابقة بتطبيق امتيازات في مؤسسة من المؤسسات، أو المعاناة من ارتفاع الأسعار وضعف الدخول، أو الاتهام والحديث عن مشاريع حكومية تقام بأضعاف قيمة إنشائها في دول أخرى، وتقدم مؤشرات ومقارنات وأرقام للتأكيد على هذا الرأي أو البطء في تنفيذ المشاريع أو عدم قدرة البنية التحتية على مقاومة العوامل الجوية والطبيعية أو سوء في التخطيط، أو تراجع مؤشرات السلطنة وتصنيفها الائتماني في التقارير والمؤسسات الدولية حول قطاعات وخدمات وحقوق وامتيازات بعينها. إلى جانب ذلك كله فإن المجتمع يصبح في وقت من الأوقات بحاجة ماسة لمن يعزز ثقته ويطمئنه إلى الوضع الاقتصادي للبلد خاصة عندما تتراجع أسعار النفط بشكل كبير، أو يصاب الاقتصاد العالمي بمرض عضال، أو تهبط قيمة الأسهم في سوق مسقط للأوراق المالية، أو ترتفع الديون العامة للدولة، أو تطرح تساؤلات مهمة ودقيقة لملامح ومؤشرات غير مطمئنة تتعلق بمستقبل الوطن وباستثماراته وببرامج وسياسات التعليم والتوظيف وغيرها من قبل مجلس الشورى، فلا تجد إجابات واضحة وردودا مقنعة .. تلك الثقافة وذلك النهج وحالة الصمت التي سار عليها واتبعها الكبار من المسئولين والنافذين وصناع القرار، كثيرا ما أثارت وتثير تساؤلات عديدة عن الحكمة والمغزى من هذا الصمت وأسلوب التجاهل وعدم الاكتراث، وإلى ماذا يستند ويحتكم في توجهاته وأهدافه ودوافعه؟ هل إلى الثقافة العامة للمجتمع من حيث إنها ذات طبيعة انطوائية انعزالية، تتجنب ما وسعها ذلك الدخول في متاهات الجدل والتصادم والتحاور العلني الذي يتطلب حنكة ودهاء سياسيا وثقافة متنوعة، وخبرة في ممارسة الخطابة، ولسانا مفوها قادرا على إدارة الحوار وفن الإقناع، وهي مميزات لا تتوافر في العديد من مسئولينا الكبار إلا في حالات استثنائية كما يرى البعض ذلك؟ أم مرد ذلك إلى المجتمع المتربص الذي ينتظر أية تغريدة أو تصريح أو وجهة نظر من مسئول وإن كانت تعبر عن رأيه حتى ينهال عليه بالسخرية والهجوم وصناعة مادة دسمة من تصريحه للنكتة والدعابة، كما حدث مع الكثيرين. وهي على كل حال ظاهرة حديثة أنتجتها وسائل التواصل وثقافة الشباب؟ أم أنها سياسة عمانية حديثة أخذت بمبدأ الخصوصية والتميز والتفرد والابتعاد عن الدخول في متاهات اللغط والجدل الذي لا يوصل إلى نتيجة، واستفادت من تجارب الدول الأخرى إقليمية كانت أم عالمية التي لم تعرف الاستقرار ولم تتمكن من الاشتغال بالتنمية والبناء، وإسعاد الإنسان بسبب المهاترات السياسية والجدل في القضايا العامة، والدخول في حوارات ومناقشات لم تصل بأطرافها إلا إلى المزيد من الخلاف والشقاق وتراجع الثقة؟ أيا كانت الأسباب والمصوغات والمبررات التي أنتجت هذا المشهد، وأسست لهذه الثقافة التي ألفها المجتمع العماني واعتادها الجيل الذي تجاوز مرحلة الشباب أو كاد أن يتجاوزها، فهل يصلح بقاء الحال والنمطية السائدة وثقافة التجاهل والصمت تجاه القضايا الوطنية والموضوعات التي تشغل بال المجتمع لهذه المرحلة الحساسة التي تشهد تحولات وتغيرات هائلة في الثقافة والقيم، ووسائل التواصل ونمط التفكير والسلوك والطموح، والتأثر الواسع بالأحداث والتطورات والصراعات والمستجدات التي يشهدها المحيط الإقليمي والتي تنتقل عبر مئات الوسائط ووسائل التواصل والإعلام وتتطلب خبرة ووعيا وحنكة وقدرة للتعامل معها، والتعرف على المفيد منها ونبذ المضر بهوية وثقافة المجتمع..؟ ألا تتعارض ثقافة الصمت مع الشعارات التي ننادي بها ونؤكد عليها ونضعها في مقدمة العديد من التقارير الرسمية التي تصدر من قبل المؤسسات الحكومية حول ثقافة الشفافية التي يطالب بها المواطن في التعامل معه ومع مؤسسات المجتمع المدني والإعلام ومجلس الشورى؟ لماذا أصبحت هذه الثقافة شأنا عمانيا وموضوعا يتم استثماره واستغلاله من قبل عدد من الكتاب والإعلاميين والسياسيين على المستوى الخليجي والعربي، حيث يطرح كمحور في عدد من المقالات والمحاضرات؟ .. ظلت العديد من القضايا ذات الشأن الوطني والتي تدخل في نظام الحكم الخاصة بـ(تعيين رئيس لمجلس الوزراء ـ ولي للعهد ـ متحدث رسمي باسم الحكومة…) طوال العقود الماضية من عمر النهضة من المسكوت عنه أو خارج الإطار الرسمي والإعلامي توضيحا أو سؤالا صحفيا أو تحقيقا أو إبداء لرأي علني، وإن ظلت دائما مثار نقاش وطرح جانبي بين الأصدقاء وفي المجالس الخاصة .. ولكن، وفي السنوات الأخيرة وبسبب العديد من المستجدات والدوافع وما طرأ على العالم العربي من متغيرات شاملة كان دور المواطن فيها أساسيا ومحوريا، وما حدث في البلاد في العام 2011م، من اعتصامات واحتجاجات ومطالبات حركت أقلام الكتاب والمفكرين على صفحات ومواقع الرأي ومنابره على الشبكة العالمية، والعارض الصحي الذي ألمَّ بجلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ، أصبحت تلك القضايا تتصدر المطالبات، ويتم الحديث عنها بشكل علني كواحدة من المعالجات أو الحلول، ويتم تناولها في العديد من المقالات خاصة في الصحف الإلكترونية وفي المناقشات والحوارات التي تجري بين أطراف مختلفة عبر الوسائط والوسائل التقنية الحديثة وفي بعض الكتب الصادرة، وطرحت من قبل أعضاء في مجلس الشورى ورفعت بشأنها مذكرة خلال السنوات القليلة الماضية. ويأتي هذا الطرح بأهمية تعيين رئيس لمجلس الوزراء لتعزيز وتنشيط دور الحكومة وأدائها، وتمكين مجلس عمان من ممارسة صلاحياته التشريعية والرقابية التي تواجه تحديات كبيرة وبطئا في العمل، من حيث الأخذ بتوصياته والردود على الأدوات والوسائل البرلمانية التي يرفعها إلى جهات الاختصاص، وبروز إشكالات في التنسيق مع الحكومة لأسباب يرى البعض أن علاجها مرتبط في الأساس بوجود رئيس للوزراء يكلف بتشكيل حكومته، وتحديد وتوصيف اختصاصات وزرائه وتقييدهم بتبعات والتزامات المنصب وفق أسس وقواعد ضابطة تتيح لمجلس الشورى مساءلته على أخطاء حكومته وبطء وضعف أدائها، وهو ما سوف يؤدي كما يرى الكثيرون إلى الانسجام والتناغم والتوازن بين مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبروز أدوارها الحقيقية ومجالات عملها وإلى تفعيل آليات التنسيق فيما بينها، وسوف يعلي من شأن المصلحة العامة ويعزز قيم الشفافية والمسئولية والمساءلة ومن ثم الالتزام بالأنظمة والقوانين، هذا فضلا عن أن تحقيق ذلك من شأنه أن يحدث تطويرا وتحديثا في هيكلة الدولة، ويفضي إلى حراك ونشاط متعدد الأوجه ويأخذ في الحسبان تلك المتغيرات والمستجدات التي يشهدها العالم من حولنا وبما يحفظ للبلاد أمنها واستقرارها ومنجزاتها التي تحققت بفضل النهضة المباركة التي قادها جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ ويقيها بفضل هذه النقلة المطلوبة أية تأثيرات تضر بمصالحها وبوحدتها الوطنية ومكانتها العالمية. كما أن استحداث منصب (متحدث رسمي) باسم الحكومة يتمتع بالحنكة والخبرة وبعد النظر والقدرة على الإقناع وإدارة الحوار وتقبل الرأي الآخر، واستشراف المستقبل على ضوء قراءة الأحداث والمستجدات والإلمام بمختلف القضايا والمسائل الوطنية .. من شأنه أن يضع المجتمع أمام العديد من المستجدات والتطورات التي تحدث في وطنه، ويسهم في توضيح سياسات وبرامج الحكومة في مختلف المجالات والقطاعات التي تدخل في اختصاصاتها، ويعزز ثقة المجتمع في حكومته ويعلي من قيم الشفافية التي يطالب بها المواطن، ويرتقي بالعمل الوطني ويدحض الإشاعات والأقوال التي تسيء إلى المجتمع وحكومته .. لماذا أصبح المجتمع منشغلا بهذه القضايا والتي تطرح بشكل واسع وتحتل جزءا من المناقشات والحوارات اليومية، فيما ظلت خارج هذا النقاش العلني لعقود مضت؟ لذلك بالطبع أسبابه ومبرراته المرتبطة ارتباطا وثيقا بتلك المتغيرات والمستجدات التي تعصف وتقتلع كل شكل من أشكال الجمود والرتابة، من أهمها: اعتبرت رئاسة مجلس الوزراء وتعيين ولي عهد للبلاد خلال العقود الماضية من عمر النهضة من المسائل التي تخص جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وتدخل ضمن مسئولياته، وبالتالي فلها حساسيتها وخصوصيتها، ويأتي الحديث عنها أو المطالبة بتعيين رئيس لمجلس الوزراء وولي للعهد ـ كما يرى معظم العمانيين ـ تدخلا مباشرا في صلاحيات جلالته الذي يقدر مصالح الوطن والمجتمع بحكمته وبُعد نظره واستشرافه للمستقبل، وقراءته الفاحصة للمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، ويقدر حاجة المجتمع وتطلعاته في حينها، كيف لا وهو باني ومفجر النهضة المباركة ومحقق طموحات المجتمع والحريص على ازدهاره وإسعاده .. انشغال المجتمع بمختلف شرائحه آنذاك بالإسهام في البناء وتحقيق أهداف التنمية وبالتعليم وتحقيق الطموحات، وبقضايا ومواضيع أقل شأنا بحكم الظروف والأسباب التي تمت الإشارة لها .. الترهل وثقافة الصمت والضعف والتراجع الذي اتسم به العمل الحكومي خاصة في الآونة الأخيرة، ونأي الكثير من المؤسسات والأجهزة النافذة عن الانشغال المطلوب والالتفات إلى قضايا المواطنين ومصالح المجتمع لحساب البقاء في المنصب واستمرار الأوضاع على نمط ما هي عليه، وهو ما أكده معالي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية قبل أكثر من عامين في حديثه مع جمعية الصحفيين العمانية، عندما وصف الأداء الحكومي بأنه (مترهل بطيء التجاوب..) .. ومثالا على ذلك لدينا اليوم مؤسستان إعلاميتان يرأس كل واحدة منهما وزير، وعدد من القنوات حجزت لها موقعا في الأقمار الفضائية وما زلنا نتساءل: أين هي الرسالة الإعلامية الوطنية؟ أين برامج الشباب وحوارات التنفيس والتعبير عن التطلعات والإشكالات والهموم؟ أين الدراما العمانية التي نفتخر بها؟ هل حقق الإعلام نقلة نوعية بإنشاء هيئة مستقلة للإذاعة والتلفزيون؟ ارتفاع مستوى الوعي والمعرفة وسرعة تداول المعلومة أدى إلى ارتفاع سقف المطالب لتنتقل إلى التغيير السياسي في البنية والنهج، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة ومشاركة أكبر في اتخاذ القرار .. حالة الإحباط والتذمر بسبب تغير أنماط الحياة وارتفاع تكلفة المعيشة وتراجع أسعار النفط والآثار التي أشرنا لها في بداية المقال واتساع سقف المطالبات والطموحات .. تضخم ملفات الفساد وتعدد صوره وأشكاله وممارساته والتجاوز الكبير للأنظمة والقوانين بث الخوف في نفس المواطن وأشعره بأهمية التغيير والإصلاح السياسي، وأهمية العمل على تفعيل أدوات المساءلة والرقابة وتعزيز دولة المؤسسات .. القيم والأنماط والسلوكيات والاهتمامات والطموحات تغيرت كثيرا بالنسبة للجيل الحالي عما كانت عليه مع الأجيال السابقة .. الظروف والمتغيرات الإقليمية والعالمية وموجة التغييرات الشاملة التي تمر بها دول المنطقة ودور المواطن الأساسي والمحوري في ذلك التغيير. وسواء اتفقنا أم اختلفنا مع تلك المطالب والتنظير لها والتعويل عليها، فإن تعيين رئيس لمجلس الوزراء لم يكن جديدا ولا بدعا على العمانيين فقد عين جلالته ـ أيده الله ـ عمه السيد طارق بن تيمور لرئاسة الوزراء في بدايات النهضة المباركة، وهكذا الحال في عهد السلطانين تيمور وسعيد وارتبطت بأزمات اقتصادية وسياسية، وفي كل البلدان التي تحكمها الملكية يوجد رئيس للوزراء، والنظام الأساسي للدولة لم يغفل عن ذلك كدليل على أن المسألة مطروحة وقابلة للتطبيق وخطوة قادمة في طريق التحديث والتطوير وتعزيز العمل المؤسسي، وضمان استقلالية المؤسسات واكتمال البناء السياسي القائم على السلطات الثلاث، فقد نظمت المادة (42) المهام التي يقوم بها السلطان ومن بينها (رئاسة مجلس الوزراء أو تعيين من يتولى رئاسته)، وتضمنت المادة (48) اختصاصات وصلاحيات رئيس مجلس الوزراء، وحددت المادتان (49 و50) الشروط التي يجب توافرها في رئيس مجلس الوزراء المعين ومهام عمله. وأرى بأنه قد آن الأوان لتداول وطرح ومناقشة جميع القضايا المهمة والوطنية التي تعنى بالشأن المحلي، وتحقق مصالح الوطن والمواطن في الحاضر والمستقبل، وتفضي إلى تعزيز اللحمة والهوية الوطنية، وتحمي مكاسب النهضة المباركة أيا كانت حساسيتها ومكانتها، والخروج بها من أطر الأحاديث الصامتة والملاحظات والرؤى والانطباعات التي تثار ويتم تناولها في الغرف المغلقة، ومن الأهمية بمكان أن يشارك الجميع في تقديم الرؤى والأفكار والملاحظات التي من شأنها تحقيق المصالح العليا للوطن، فذلك لا يقلل من ثقة المواطن وحبه لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ ومن مكانة جلالته في قلوب أبناء شعبه والدعاء له بأن يحفظه من كل مكروه وأن يمد في عمره، فجلالة السلطان المعظم هو من سيختار ويعين الأنسب والأكفأ والأفضل والأقدر لرئاسة مجلس الوزراء، وسيظل جلالته (مرجعا) موجها ومشرفا على السلطات الثلاث التي ستعمل تحت رعايته وقيادته الحكيمة وستستنير بتوجيهاته السديدة، هذا جانب ومن جانب آخر فإن إخفاق أو فشل أو تراجع أو فساد أي مؤسسة أو مسئول سوف يتحمل تبعاته ومسئولياته رئيس مجلس الوزراء وحكومته دون المس بذات جلالته التي ستظل (مصونة لا تمس، واحترامه واجبا، وأمره مطاعا، وهو رمز الوحدة الوطنية والساهر على رعايتها وحمايتها). إن المشهد الوطني وكما يبدو في وضعه الحالي يتطلب تحديثا وتطويرا، وإعادة لهيكلة مؤسسات الدولة لمعالجة حالة الترهل والضعف وبطء العمل، وتفعيل أدوات المحاسبة والمساءلة وتحجيم ملفات الفساد التي تشغل المجتمع كثيرا وتشعره بالخوف على مستقبل وطنه .

إلى الأعلى