الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إردوغان والمرحلة القادمة

إردوغان والمرحلة القادمة

السيد عبد العليم

إذا كانت تركيا قد سعت إلى إيواء ملايين من اللاجئين السوريين وتقديم الخدمات الضرورية لهم كالتعليم وغيره، إلا أنه الأولى بها أن تسعى إلى وقف تدفق المهاجرين وذلك عن طريق السعي الحقيقي إلى الوصول إلى تسوية سياسية توقف نزيف الدماء في الجار السوري، وليس التعنت والوقوف مع طرف ضد طرف آخر..

أثارت المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا ردود أفعال متباينة بين الفرح الذي بلغ حد الشماتة في محاولة الإطاحة بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان وبين رافض ومندد بالانقلاب. وبالطبع فإن الرئيس التركي من الشخصيات السياسية المثيرة للجدل على نطاق واسع داخل تركيا وخارجها.
فقد أحدث تقلد إردوغان رئاسة وزراء تركيا كزعيم لحزب العدالة والتنمية ذي الاتجاه الإسلامي في ذلك البلد العلماني والذي كان للجيش فيها نفوذ كبير جدا، بل اليد الطولى في إدارة البلد، ولكونه صاحب تاريخ طويل من الانقلابات والإطاحة بأنظمة الحكم المدنية وتولي السلطة، جدلا واسعا داخل المجتمع التركي حول هوية تركيا هل هي إسلامية أم علمانية؟
غير أن سياسة الحزب بزعامة إردوغان حققت إنجازات كبيرة على المستوى الاقتصادي، حيث ناهز معدل نمو الاقتصاد 7% في تركيا في السنوات الأولى من حكم حزب العدالة والتنمية، في الوقت الذي كانت تعاني فيه أغلب البلدان الأوروبية من مشاكل اقتصادية خطيرة هددت بانهيار عدد منها كاليونان المجاور الذي جرت عدة محاولات لإنقاذه من الانهيار المالي، ما مثل نوعا من المعجزة الاقتصادية بالنسبة لتركيا عززت من التأييد والالتفاف حول القيادة فيها. وكذلك الحال بالنسبة لتطوير التعليم والصحة والخدمات الأخرى ما جعل الحزب يستمر في الحكم من عام 2002 حتى الآن.
وعلى الصعيد السياسي الداخلي، سعت الحكومة برئاسة إردوغان في البداية إلى التقارب مع حزب العمال الكردستاني بشكل وصل إلى الحديث عن قرب الإفراج عن زعيمه المعتقل عبدالله أوجلان. وقد شهدت السياسة التركية في تلك الحقبة نوعا من الاستقرار انعكس بدوره على التنمية الاقتصادية وعلى ازدهار قطاع السياحة الكبير في ذلك البلد. ومثل كل ذلك رصيدا شعبيا لإردوغان. كما سعى إردوغان إلى تقليم أظافر الجيش المتغلل في مفاصل الدولة، وكذلك محاولة إصلاح القضاء والمؤسسات الأخرى ومواجهة الفساد وغير ذلك، بشكل لمسه المواطن التركي العادي على اختلاف انتمائه الفكري والسياسي.
لكن هذه الهزات الاجتماعية التي أحدثها إردوغان من خلال تزايد المظاهر الإسلامية في الدولة، ومحاولة إبعاد الجيش عن السياسة، وتحجيم عمليات انقلابه بمحاكمة انقلابيين سابقين والحكم عليهم، وما بدا للبعض أنه تغيير لهوية الدولة العلمانية إلى دولة إسلامية، كان يجب التوقف عندها، ريثما يتم هضمها من قبل الدولة والمجتمع التركي. وربما كان من الأفضل لإردوغان وتركيا الاكتفاء بفترتي رئاسة الوزارة والاختفاء من المشهد السياسي ولو بالعمل من خلف الكواليس، ريثما يتم ترسيخ تلك التغيرات وتقبلها، وتصبح أسلوب حياة ونمطا معتادا في تركيا. لكن عندما رأى إردوغان نجاح ذلك، طمع فيما هو أكثر من ذلك، فعمد إلى تغيير نظام الحكم ليبقى في السلطة وكأنه يريد أن يصبح خليفة كما يرى خصومه، فتولى رئاسة الدولة ولم يكتفِ بذلك، بل يسعى جاهدا إلى منح منصب الرئاسة صلاحيات واسعة بتحويل نظام الحكم التركي من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي بحيث تكون مفاصل الدولة كلها في يده أينما حل وأينما ذهب. فهو يسعى جاهدا إلى تعديل الدستور لتغيير النظام إلى نظام رئاسي. وكأن النظام الرئاسي هو أفضل النظم السياسية التي تحكم، مع أنه لم يقل أحد من علماء السياسة بذلك. فالمهم هو أن يتسم النظام بالديمقراطية الحقيقية، سواء كان رئاسيا أو برلمانيا. فهناك كثير من أنظمة الحكم البرلمانية الناجحة كما هو الحال في بريطانيا واليونان واليابان وغيرها. ولكن البادي هو عشق السلطة ومحاولة تجميعها في يد إردوغان. وبالطبع فإن ذلك يترتب عليه معارضة قوية من أطياف سياسية مختلفة داخل تركيا.
كما أن تعاطي إردوغان مع ملف الأكراد في السنوات الأخيرة اتسم بعنجهية كبيرة. ففي الوقت الذي ينتقد فيه إردوغان بشدة النظام السياسي المصري الذي جاء في 3 يوليو 2013 على أنه نظام يعمل على استئصال خصمه السياسي المتمثل في الإسلام السياسي ومحاولة شيطنته وإقصائه، نجد أن إردوغان يتبع نفس الشيء تقريبا في التعاطي مع حزب العمال الكردستاني، حيث صنفه منظمة إرهابية وأعلن الحرب عليه. بل وسعى إلى محاولة إعلانه منظمة إرهابية على المستوى الدولي. واستخدم العنف الشديد في مواجهة أعضائه، وكان لذلك ردة فعل قوية تمثلت في التفجيرات التي تضرب المدن التركية بين الحين والآخر والتي تزايدت كثيرا في الآونة الأخيرة. وكان لها مردودها السلبي على السياحة وعلى النمو الاقتصادي الذي تراجع إلى نحو 3%.
كما أن السياسة الخارجية لإردوغان كان لها نصيب في خلق عداوات لتركيا والتأثير سلبا على السياحة والاقتصاد التركي. ويأتي في مقدمة ذلك الوقوف مع طرف ضد آخر، سواء في سوريا المجاورة أو في ليبيا أو في اليمن وغيرها. وهو بالطبع ما يسفر عن عداوات كانت تركيا ـ لو اتبعت سياسة أكثر توازنا ـ في غنى عنها.
صحيح أن إردوغان سعى في الآونة الأخيرة إلى إعادة النظر في بعض من سياسته الخارجية، وإصلاح ما اعتراها من خلل، كما تم في الاعتذار لروسيا عن إسقاط مقاتلة لها على الأراضي السورية. وكما تم من إعادة العلاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، إذ رغم الانتقادات الكثيرة الموجهة له في ذلك، إلا أن الإنصاف يقضي القول إن إردوغان ربما نظر فلم يجد غيره وحده يحاول الوقوف في وجه إسرائيل ـ على الرغم من العلاقات العسكرية القوية بين المؤسسة العسكرية والصناعات العسكرية في تركيا مع دولة الاحتلال ـ أي أن الكل قد انصرف عن مواجهتها ولو حتى سياسيا ودبلوماسيا، فشعر وكأنه يغرد خارج السرب. فحاول الاستفادة من اللحظة إعمالا بمنطق أكبر النفعين وأخف الضررين. فرأى أن يقبل اعتذار دولة الاحتلال عن الاعتداء على سفينة مرمرة التي كانت تسعى إلى كسر الحصار عن قطاع غزة وقبول تعويضات الضحايا، والسماح لتركيا بتقديم مساعدات إنسانية ومالية للفلسطينيين في قطاع غزة عبر الموانئ والحدود الإسرائيلية. ولعل ذلك هو أقصى ما يمكن لتركيا تحقيقه، فهل كانت تركيا تقدم مساعدات عسكرية لحماس في غزة وتم وقفها مثلا؟ إن كلها مساعدات إنسانية ومشاركة في إعادة الإعمار، وطالما سمحت سلطات الاحتلال لها بذلك، فهذا أفضل من عدمه. بمعنى شيء أفضل من لا شيء في ظل الوضع العربي المنصرف كلية عن القضية الفلسطينية، والمشارك جانب كبير منه في حصار غزة.
وبالطبع فإن المطلوب من الحكومة التركية إعادة النظر ومراجعة سياستها الخارجية ومواقفها في كثير من قضايا المنطقة وعلى رأسها الأزمة السورية. فإذا كانت تركيا قد سعت إلى إيواء ملايين من اللاجئين السوريين وتقديم الخدمات الضرورية لهم كالتعليم وغيره، إلا أنه الأولى بها أن تسعى إلى وقف تدفق المهاجرين وذلك عن طريق السعي الحقيقي إلى الوصول إلى تسوية سياسية توقف نزيف الدماء في الجار السوري، وليس التعنت والوقوف مع طرف ضد طرف آخر، الأمر الذي لم يترتب عليه سوى إطالة أمد الأزمة السورية والمعاناة التركية في نفس الوقت.
وفي المجمل، فإن السياسة التركية بزعامة إردوغان بعد المحاولة الانقلابية على مفترق طرق، فإما السعي إلى معالجة الخلل على الصعيد الداخلي الذي أفرز تلك التطورات الدراماتيكية والذي جعل العدد الكبير من قادة الجيش وغيرهم غير راضين عن سياسة إردوغان لا سيما في سعيه بأن يصبح ـ ولو من وجهة نظرهم ـ حاكما مطلقا لتركيا. ومن ثم فإن عليه التوقف عن السعي إلى تعديل الدستور لتغيير النظام السياسي من برلماني لرئاسي على الأقل في المرحلة الحالية. وأن يسارع إردوغان إلى وقف الحرب التي أعلنها على حزب العمال الكردستاني، وإعادة التقارب والتحاور معه لحل الخلافات ومنح الأكراد المزيد من الحقوق بغية وقف دوامة العنف والتفجيرات داخل تركيا. وعلى الصعيد الخارجي السعي إلى نهج سياسة توافقية وليست صدامية مع الجيران وغيرهم ليعود ذلك بمزيد من الاستقرار وعودة النشاط لقطاع السياحة والاستثمارات الأجنبية في تركيا. أما أن ينظر إردوغان إلى نزلة الجماهير التركية وحمايتها للديمقراطية ووقوفها في وجه الانقلابيين وإحباطها الانقلاب على أنه دلالة على شعبيته الجارفة فيزيد في التنكيل بالخصوم، ويزيد من الاستحواذ على السلطة، ويستمر في إثارة العداوات الداخلية والخارجية، فإن ذلك لا يعمل في النهاية في صالح تركيا.

إلى الأعلى