السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: في البوكيمون

في الحدث: في البوكيمون

طارق أشقر

رغم عدم وصولها إلى الشرق الأوسط حتى لحظة كتابة هذه السطور، فقد شغلت لعبة (البوكيمون جو) اليابانية المصدر التي تم طرحها في الأسابيع الماضية (خارج اليابان) وتحديدا في أسواق الولايات المتحدة الأميركية واستراليا ونيوزيلندة، شغلت الرأي العام العالمي، وخصوصا التربويين والأمنيين لما يتوقع أن تحدثه هذه اللعبة الجديدة من حالة من (الهيام) و(اللوثة) و(اختلاط الواقع بالخيال) في المجتمعات التي ستحمل هذه اللعبة الجديدة في هواتفها المحمولة.
تعتمد البوكيمون على تطبيقات هواتف الأندرويد والآي يواس المحمولة والتي هي أقرب إلى أن تكون في متناول الجميع تقريبا، وترتكز اللعبة على تعزيز الخيال الافتراضي بالواقع الملموس، حيث يقوم لاعبوها بمبارزة مجموعة من (البوكيمونات) الافتراضية التي تظهر في العالم الحقيقي باستخدام نظام تحديد المواقع والكاميرا الخاصة بالهاتف المحمول، وكثيرا ما يضطر اللاعبون للتحرك من أماكنهم ليركضوا هائمين خارج نطاق تواجدهم، ولربما التجول في الطرقات والأزقة وبين مناضد المكاتب بحثا عن (بوكيموناتهم) المستهدفة لجمعها وزيادة نقاطهم في اللعبة غير آبهين بمن حولهم!
وعلى الرغم من الاحتفائية التي قوبلت بها هذه اللعبة في المجتمعات الغربية المنفتحة التي يسارع البعض منها للأخذ بما هو إيجابي في كل مبتكر إبداعي جديد، حيث رأى الكثير من المهتمين فيها بالمجال الصحي بأن البوكيمون فرصة للمجتمعات المترفة والممتلئة أجساد أفرادها (باللحم والشحم المتراكم) لكي يتحركوا على الأقدام لبعض كيلومترات بحثا عن (البوكيمونات) الافتراضية في الطرقات، مما قد يسهم في تعزيز حرق الطاقة الزائدة لديهم والتخلص من الكثير من السعرات الحرارية وما يليها من تخفيض لمخاطر أضرار السمنة والكوليسترول وعدم الحركة، الخ…
إلا أن بعض المحافظين في الكثير من المجتمعات الإنسانية، بل حتى في آسيا التي منها اليابان حيث ابتكار وتصنيع وتصدير اللعبة وتطبيقاتها إلى خارجها، وأيضا في المنطقة العربية، حيث الاستعداد واللهفة لجلب واستخدام كل ما هو مستحدث من تقنيات حديثة يكون التركيز في استخدام سلبياتها أكثر من إيجابياتها، يزداد الهمس والتحسب من هذه التطبيقات الجديدة حتى ولو من باب عداء المجتمعات المحافظة لكل ما هو جديد حتى لو كان مرتبطا بالتنمية والتطوير.
إن الخوف من هوس اللعبة، هو الهاجس الأكبر لمن ينظرون إليها برهبة وريبة، خصوصا وأن من يمارسها يكون جل تركيزه في كيفية التقاط هدفه، مما يقلل من المسافة الفاصلة بين مستوى الوعي واللاوعي، حيث يظل لاعب البوكيمون هائما لاهثا خلف البوكيمون وهو يحمل هاتفه النقال بين يديه ليرشده نظام الرصد والكاميرا على تحديد موقع الهدف، وذلك في وقت أصبح فيه الهاتف المحمول الملازم الأهم لكافة الفئات العمرية التي لم يكتفِ حتى كبار السن منهم باستخدام وظيفة الاتصال والاستقبال وإرسال الرسائل الهامة فحسب، بل تعودت مجتمعات الشرق الأوسط على إدمان قطاعات عريضة من كبار السن فيها بلعب (الجيمز) وتبادل النكات والحكايات (بالواتساب) و(السناب شات) وغيرها…
أما الشباب المستخدم الأكبر للهواتف النقالة، فتخيل كيف يكون الحال إن فوجئتم باقتحام شاب استرسلت لحيته بلا قصد، وهو يحمل هاتفه النقال متوجها إلى باب أحد المواقع المكتوب على بواباتها ممنوع الدخول وبالخط الأحمر محاولا اقتحامها ليقبض على بوكيمونته، فلن يأبه ولن يلتفت إلى صيحات كلمات مثل ثابت ومكانك ولا تتحرك…!
كيف سيكون الحال، لو ترجل لاعب البوكيمون وهو في متوسط العمر في زحمة الأسواق مطاردا بوكيمونه وهي تتراقص تحت أرجل النساء، فهو بكل تأكيد لا يدري ولا يفكر في تلك اللحظة حول من هن اللائي يتراقص البوكيمون بين أرجلهن، بل إن كل همه هو أن يصطاد بوكيمونه دون اعتبار لمحيطها وبيئتها.
ورغم مخاوف التربويين على هيبة ورزانة الرجل الشرقي بمختلف مراحله العمرية في الطرقات وأماكن العمل، إلا أن الشرق نفسه فيه من الشباب من تمكن من تسخير الكثير من التطبيقات المحمولة على الهواتف النقالة لينفذوا بها مشروعات خدمية وخيرية وتوعوية انصبت جميعها في خانة حسن استخدام التكنولوجيا المتطورة لصالح المجتمعات المحلية، بل اتسع أفق بعض الشباب ليستخدم تطبيقات الواتساب والسناب شات في دعم العملية التعليمية في بعض مواقع الريف العربي والإفريقي…
وعليه نأمل أن تجد لعبة البوكيمون آفاقا ذهنية عربية وإفريقية أكثر تفتحا واستعدادا لحسن استخدامها ليس للعب فقط، بل فيما هو أكثر استفادة من جديد التكنولوجيا التي فرض علينا التواصل الإنساني والحضاري نقلها ممن يبتكرونها ويصنعونها ويصدرونها لنا، ونأمل أن يكون ذلك التواصل الأحادي الجانب إلى حين.

طارق أشقر
من أسرة تحرير الوطن
ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى