الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ

رحاب

أحمد المعشني

التلوث النفسي
فجأة وبدون مقدمات أو أسباب مقنعة كاد شاب خريج يدعى سعيد أن يستقيل من عمله بعد تعرضه لضيق شديد واكتئاب حاد وكراهية لعمله ولتلك الشركة، الأمر الذي دفعه إلى كتابة استقالته وتقديمها إلى مدير الشركة التي تعين فيها منذ سنتين تقريبا. كان هذا الشاب قد حظي بتلك الوظيفة من بين عشرات المتقدمين، بعد أن خاض سلسلة من الاختبارات التحريرية والشفوية والحركية، فاستطاع بكل جدارة أن يفوز بوظيفته في قسم تقنية المعلومات. باشر ذلك الشاب عمله بحماس، كان بشوشا، متواصلا مع جميع زملائه في الشركة، وكان مثار إعجاب المدير التنفيذي، وصار معروفا في جميع أقسام الشركة، وفي أقل من عامين ترقى إلى وظيفة مدير متجاوزا عشرات الموظفين الذين يعملون في تلك الشركة المهمة. وهنا بدأت ألسنة زملائه تلوك أخباره وبدأ زملاؤه القدامى يأفكون ويخوضون في سيرته ويتحدثون عنه بسوء فيما بينهم، مستنكرين ترقيته إلى وظيفة مدير في زمن قياسي، وكيف استطاع أن يصبح نجم الشركة وهو أصغرهم سنا، ويحمل مؤهلا أقل من مؤهلاتهم. استمرت مجالس النميمة المهنية داخل أروقة ومكاتب تلك المؤسسة المهمة، وصار عندما يمر بكل أريحية وعفوية للسلام عليهم يقذفونه بشرر من الحقد والكراهية، وعبثا حاول أن يبحث عن السبب لكي يقنعهم بأنه يحمل لهم الخير والسلام والأمان، فلا يزيدهم ذلك إلى غرورا، وأخفق في مساعيه الطيبة التي كانت تقابلها نظرات حاقدة وسخرية وحسد من زملائه. وفي جلسة استشارية حضرها ذلك الشاب، تحدثنا حول أفضل الأساليب للتغلب على ذلك الإرهاب النفسي الذي يستهدفه. وكنت قد قرأت مجموعة مقالات حول الدفاع النفسي الطاقوي والتصدي للكينونات الفكرية السلبية التي تخلقها أفكار الأشخاص السلبيين، وتلك الطاقات الحارقة التي تحاك ضده. طلبت منه أن يحافظ على جميع صلواته في المسجد جماعة، وأن يقرأ شيئا من كتاب الله مع المواظبة وقراءة الدعاء التالي بعد التلاوة؛ اللهم أنت ربي، وأنا عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلبي، ونور بصري وشفاء مرضي وجلاء همي. ثم يتخيل صور زملائه في تلك المؤسسة ويرسل إليهم شعاعا من المحبة والتسامح والتقبل مقرونا بالدعاء لهم بأن يحفظهم الله، وأن يمتعهم بالصحة والرخاء والرفاه، ثم يبعث برسائل من النور إليهم، وعليه أن يجتهد في تحقيق التوافق معهم.
ذهب ذلك الشاب في المساء إلى السوق وأحضر لكل زميل من زملائه هدية، ثم أقام حفلة صغيرة ودعا إليها جميع زملائه وأصدقائه، وحرص أن تكون تلك الحفلة خارج موقع العمل، في الهواء الطلق، بجوار أحد الشواطئ النظيفة التي تعانقها أشجار جوز الهند، وتداعبها نسمات الخريف المنداة بالرذاذ الناعم، الذي يداعب مشاعر الحب والتسامح والسلام. نفذ تلك الحفلة بنجاح، وواظب على غمر صور زملائه بشحنات من الحب والقبول والدعاء. لم يتغير الأمر بسرعة، ولكن بعد مرور شهر على تنفيذه حملته على التلوث النفسي، أستطاع سعيد أن يحظى بقبول جميع زملائه، وقاد الدائرة إلى مستويات متقدمة، لأنه تخلص من التلوث النفسي من خلال منهج “ادفع بالتي هي أحسن”.
عندما يرسل الإنسان أية مشاعر سلبية، فإن تلك المشاعر تتحول إلى كينونات فكرية ونفسية وروحية قوية تمارس تأثيرها بشراسة على الضحية المستهدف، فتضطرب حياته ويتقلب مزاجه وتتخبط حياته، دون أن يدري أو يدرك بأنه يتعرض لتلوث نفسي، وعليه أن يقوم بإزالته من خلال تحصين ذاته ورد الإساءة بالجميلة وإرسال طاقات نفسية إيجابية إلى مصدر الأذى، وسوف تستغرب تأثير هذه التقنية على مجرى حياتك.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى