الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / هل انتهت مرحلة المفاوضات؟!

هل انتهت مرحلة المفاوضات؟!

د. فايز رشيد

”إن الخيار الوحيد الذي تتمسك به السلطة هو خيار المفاوضات ثم المفاوضات ثم المفاوضات، فمحمود عباس أعفى نفسه والسلطة من أي خيار آخر، فالمقاومة المسلحة تعتبر بالنسبة إليه “عنفا ” ثم” إرهاباً” والمقاومون ملاحقون ويجري اعتقال العديدين منهم خلال الفترة الحالية (التي هي استمرار للمرحلة السابقة) فقد قامت السلطة مؤخراً باعتقال ناشطين عديدين من الجبهة الشعبية ومن حركة الجهاد الإسلامي وغيرهما،”
ــــــــــــــــــ
إسرائيل ترفض إطلاق سراح أسرى الدفعة الرابعة من معتقلي ما قبل أوسلو. محمود عباس يوقع 15 اتفاقية بشأن الانتساب لمنظمات ولهيئات دولية، وسيبدأ الجانب الفلسطيني التحرك دوليًّا للتسجيل فيها وهي التابعة للأمم المتحدة. غضب أميركي أظهره جون كيري من الطرفين، لكنه أبقى على مارتن إنديك في المنطقة ليجمع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي للبحث عن حلول وسط تُعيد المياه إلى مجاريها ومن ثم يجري استئناف المفاوضات بين الجانبين. إنديك بدوره يجمع رئيسي الوفدين المفاوضين: تسيبي ليفني وصائب عريقات في أكثر من جولة تفاوضية مما يخفف المآزق الذي يبدو ان المفاوضات تمر فيه. المراقبون حائرون، البعض منهم يعتقد بانتهاء مرحلة المفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية، وآخرون يرون بأنه سيجري التغلب على كافة العقبات التي تعيق استئنافها، وستستمر في جولات أخرى من التفاوض. نحن مع الرأي الثاني الذي يرى بأن التهديدات برفض استمرارها ليست أكثر من عاصفة في فنجان وسيجري استئنافها قريباً، وذلك لأسباب عديدة سنتطرق إليها مع ضرورة التأكيد على أن المفاوضات هي حاجة ملّحة إسرائيلية وفلسطينية وأميركية ـ إسرائيلية من أجل الايحاء إعلاميًّا بأن حركة سياسية تدور بين الفلسطينيين وإسرائيل، وفي هذا رد على انطباع عام بأن إسرائيل هي المعطلة “للسلام”مع الفلسطينيين، وبخاصة أنها ترفض تجميد الاستيطان. المفاوضات حاجة ملحة فلسطينية لأن عباس لا يملك بديلاً، وبالتالي فإن الحلول الوسط مثل إغراء إسرائيل للجانب الفلسطيني بإطلاق سراح معتقلين آخرين اضافة إلى الدفعة الرابعة مقابل موافقة فلسطينية على العودة للمفاوضات وتمديدها، سيكون محل اتفاق بين الجانبين. الجانب الأميركي أيضا معنيٌ بالمفاوضات انطلاقاً من جهود دؤوبة قام بها كيري خلال ثمانية شهور وانطلاقاً من الأعتقاد بأهمية وصول الجانبين لحل يريح الولايات المتحدة من الملف المزعج لها وهو ملف الصراع الفلسطيني العربي- الإسرائيلي. ذلك لا يعني أن الإدارة الأميركية ستمارس ضغطاً على إسرائيل مثل الذي تمارسه على الجانب الفلسطيني، فذلك محظور على أميركا في الاتفاقية الاستراتيجية الموقعة بينها وبين حليفتها إسرائيل. وكذلك محظور في رسالة الضمانات التي أرسلها جورج بوش الابن إلى أرييل شارون في عام 2004. هذا إلى جانب تاريخية العلاقات بين البلدين الحليفين، وتأثير الإيباك في الداخل الأميركي، وغيرها من الأسباب. أما من حيث الضغوطات على الجانب الفلسطيني فستظل وتزداد حتماً، فتمويل السلطة في جزء أساسي منه تقوم به الولايات المتحدة وأوروبا، وقطعه سيؤدي إلى المزيد من الإشكالات للسلطة التي تحرص على بقائها واستمراريتها. أما الجانب الفلسطيني فسيعود إلى المفاوضات للأسباب التالية:
أولاً: إن الخيار الوحيد الذي تتمسك به السلطة هو خيار المفاوضات ثم المفاوضات ثم المفاوضات، فمحمود عباس أعفى نفسه والسلطة من أي خيار آخر، فالمقاومة المسلحة تعتبر بالنسبة إليه “عنفا ” ثم” إرهاباً” والمقاومون ملاحقون ويجري اعتقال العديدين منهم خلال الفترة الحالية (التي هي استمرار للمرحلة السابقة) فقد قامت السلطة مؤخراً باعتقال ناشطين عديدين من الجبهة الشعبية ومن حركة الجهاد الإسلامي وغيرهما، ثم إن التنسيق مع الأمن الإسرائيلي باق كما هو، بل يزداد عمقاً واتساعاً وبالطبع بإشراف أميركي مباشر. الذي يريد قطع المفاوضات مع إسرائيل، يوقف التنسيق الأمني معها. ويعيد للمقاومة بكافة وسائلها وسبلها الألق، ويمارسها على صعيد الواقع. المقاومة من خلال انتفاضة مسلحة ممنوع ممارستها من قبل الرئيس الفلسطيني. حتى المقاومة الشعبية السلمية تجري ممارستها في هذا الموقع أو تلك القرية، وهي ليست نشاطاً جماهيرياً عاماً في كافة أنحاء الضفة الغربية.
ثانياً: الانقسام الذي تمر به الساحة الفلسطينية هو إضعاف لطرفي هذا الانقسام، والذي يحرص على قطع الماوضات نهائيًّا مع العدو، يعيد للساحة الفلسطينية وحدتها، ويعود إلى تطبيق الوحدة الوطنية الفلسطينية على أساس الثوابت الوطنية الفلسطينية. عباس في نيته إرسال وفد للتفاوض مع حماس في غزة، لكنه يدرك تماماً استحالة تجاوز الانقسام حاليا، فالسلطتان سواء في غزة أو في رام الله تتنازعان على مفتاح السجن المعتقلة فيه كل منهما، وكل واحدة منهما مرتاحة في وضعها، حيث تمارس سلطاتها الإدارية على القضايا الحياتية للسكان. إسرائيل تعي تماماً مأزق السلطة على هذا الصعيد، وهي أيضاً تدرك أن عباس مهما تمنّع عن المفاوضات، فسيظل مشدوداً إليها، لأنها خياره الوحيد. عباس يعرف أيضاً أن غالبية الفلسطينيين في الأراضي المحتلة وفي الشتات يطالبون بإلغاء المفاوضات العقيمة مع العدو الصهيوني، وهو بموقفه الأخير قد يعيد بعضاً من شعبيته التي تآكلت وتأثرت تماماً منذ بداية المفاوضات في يوليو الماضي وحتى هذه اللحظة، وبخاصة في ظل استمرار الاستيطان الصهيوني الذي تسارعت وتيرته مقارنة بالعام الماضي بنسبة 123%، أيضاً وفي ظل الاعتداءات الصهيونية المتكررة على المسجد الأقصى وتهويد القدس ومنطقتها.
ثالثاً: إن بعض الاتفاقيات التي وقعها عباس مرهونة في تنفيذها عمليًّا بالجانب الأميركي، فتلك المتعلقة بالانتساب والتسجيل في الهيئات والمنظمات التابعة للأمم المتحدة، ستحاول الولايات المتحدة عرقلة هذه الخطوة من خلالها وحلفائها بإقناعهم بالتصويت ضد رغبة السلطة الفلسطينية. هذا إلى جانب ما تسميه إسرائيل “عقوبات” ضد السلطة وضد عباس شخصيًّا ستقوم بها، سواء بعدم التوريد للسلطة الأموال الجمركية التي تجنيها إسرائيل باسم السلطة الفلسطينية، وغيرها من العقوبات. وقد استعرضت صحيفة “هآرتس الإسرائيلية” (الجمعة 4 إبريل الحالي) جزءاً من هذه العقوبات: تجميد الأموال، رفع دعوى على عباس في المحكمة الدولية، تجميد الإذن الذي قدمته إسرائيل لشركة “الوطنية الخليوية” التي تعمل في الضفة لإدخال معدات إلى قطاع غزة لبدء الانتشار هناك لشبكتها الخليوية، تقييد نشاط السلطة في منطقة (ج) في الضفة الغربية، وغيرها غيرها من العقوبات.
رابعاً: الضغوطات التي ستمارسها الولايات المتحدة مباشرة على السلطة الفلسطينية، أو من خلال حلفائها الأوروبيين وغيرهم من الدول بطريق غير مباشر من أجل العودة للمفاوضات من خلال عروض جديدة سيكون ثمنها الأبرز: العودة إلى المفاوضات من قبل السلطة. لقد اختبرنا قطع عباس للمفاوضات خلال بضعة أعوام! حينها لم تنقطع المفاوضات فقد كانت تتم من خلال دبلوماسية الرسائل أو” المفاوضات الاستشكافية” التي جرت في العاصمة الأردنية عمّان أو بطرق سرية أو بوسائل أخرى غيرها.
خامساً: لقد قدم الرئيس عباس تنازلاً مجانياً (من سلسلة تنازلات) في اجتماعه مع 300 طالب إسرائيلي في مقره في المقاطعة عندما قال بالحرف الواحد” لن نغرق إسرائيل بملايين اللاجئين” وعندما أيضاً تخلى عن مدينته صفد. الذي يقدم التنازلات للإسرائيليين واحداً بعد الآخر، يسهل عليه تقديم التنازلات فيما بعد، وهذا ما تدركه إسرائيل في شخصية عباس، تماماً مثلما عاد إليها في ظل الاستيطان الإسرائيلي. من يريد قطع المفاوضات يعيد الاعتبار للمقاومة المسلحة ولمنظمة التحرير الفلسطينية التي تجاهلها عباس لسنوات طويلة، ويعيد للساحة الفلسطينية وحدتها ويتجاوز الانقسام وهذا ما لا يفعله أبو مازن. يبقى القول: إنه لهذه الأسباب ولغيرها فإن مرحلة المفاوضات لم تنته بعد.

إلى الأعلى