الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / هل قفز العقل الغربي في الظلام؟

هل قفز العقل الغربي في الظلام؟

أ.د. محمد الدعمي

دلت جميع المؤشرات المستقاة من الحادثتين الإرهابيتين موضوع الرصد هنا، زيادة على سواهما من الحوادث (في الكنائس ودور السينما ومراكز التبضع والجامعات والمدارس) على الدور الخطير الذي تلعبه شبكات الاتصال والتواصل الاجتماعي، ليس في تغذية وتأجيج عواطف الكراهية والبغضاء حسب، بل كذلك في تمرير وسائل وتعليمات تنفيذ العمليات الإرهابية..

طفت على سطح الأحداث حالتان مهمتان في سياق مستجدات الحرب على الإرهاب. هما حالتان خطيرتان ومربكتان بالنسبة لأجهزة الاستخبارات والشرطة السرية في العالم الغربي خاصة، حالتان تم استخلاصهما من أفعال إرهابية عدة، أهمها (1) عملية القتل بالجملة من قبل شاب مسلم في نادٍ للمثليين بمدينة أورلاندو بولاية كاليفورنيا؛ (2) عملية الدهس الجماعية التي انتهت إلى عشرات القتلى في مدينة “نيس” الفرنسية في احتفالات ذكرى سقوط الباستيل، ليلة 14 تموز ذكرى إنطلاق الثورة الفرنسية.
وأهم الخلاصات التي استقتها أجهزة أجهزة محاربة الإرهاب في الولايات المتحدة بخاصة، هي: (1) خطورة آثار الأمراض النفسية والإخفاقات الاجتماعية التي تصيب الأفراد لتقلبهم إلى إرهابيين من نوع “الذئب الضال”، كما يسمونه في الإعلام الآن؛ و(2) خطورة الأدوار التي تلعبها شبكات التواصل الاجتماعي في خلق وتأجيج عواطف الكراهية الطائفية والضغائن العنصرية، ناهيك عن توظيف هذه الشبكات وسائل للتواصل والاتصال بين الإرهابيين على نحو فاعل. زد على ذلك استعمالها للتدريب على أدوات ووسائل الأعمال الإرهابية.
من الناحية الأولى، تجد الأجهزة الاستخبارية نفسها في حال من الحيرة والإرباك عندما تفعل كل ما في وسعها لإيجاد خيوط اتصال بين الإرهابي الذي يقدم على عملية قتل بالجملة، كما حدث في حالة العمليتين أعلاه.
تدل الحادثتان الإجراميتان أعلاه على أن الإرهابيين إنما أقدما على فعلتيهما الشنيعتين من تلقاء نفسيهما، نظرًا لإخفاق الأجهزة الأمنية والتحقيقية في إيجاد ما يثبت ارتباطهما بشبكات إرهابية مباشرة. وبذلك خلصت قيادات الأجهزة المختصة إلى أن هاتين الحالتين، من بين عدة سواهما، إنما كانتا من معطيات عقد نفسية اختلالات اجتماعية عانى منها الإرهابيان، إما بسبب الفشل في الحياة أو في الدراسة أو في الحياة الزوجية. لذا فان السؤال المهم الآن كما هو ماثل أمام مديري هذه الأجهزة، هو: هل علينا (في العالم الغربي) مراقبة كل من يشك بأنه مختل عقليًّا أو نفسيًّا على نحو خاص؟ أم أن علينا مراقبته ثم معالجته من أجل تجنيبه السقوط في هاوية الإرهاب الفردي غير المنتظم ضمن شبكة إرهابية؟
ومن الناحية الثانية، دلت جميع المؤشرات المستقاة من الحادثتين الإرهابيتين موضوع الرصد هنا، زيادة على سواهما من الحوادث (في الكنائس ودور السينما ومراكز التبضع والجامعات والمدارس) على الدور الخطير الذي تلعبه شبكات الاتصال والتواصل الاجتماعي، ليس في تغذية وتأجيج عواطف الكراهية والبغضاء حسب، بل كذلك في تمرير وسائل وتعليمات تنفيذ العمليات الإرهابية، تلك الوسائل التي وصلت حد نشر تعليمات من نوع “كيف تصنع قنبلة في منزلك؟” و”كيف توظف السيارة أو السكين لتنفيذ عملية قتل جماعي؟” وهكذا انقلب السحر على الساحر: فبدلًا من توظيف قنوات التواصل الاجتماعي لـ”التواصل” و”التحابب” وتبادل الرسائل الطيبة، تم توظيف هذه القنوات والشبكات على نحو تخريبي يدعم الإرهاب، ولا يوقفه.
إذًا، هل ينبغي للعقل الغربي، الذي ابتكر هذه القنوات والشبكات، واجهات لديمقراطيته وللحريات على أنواعها، أن يمنعها أو أن يراقبها بدقة: وهل يمكن ذلك بعد أن احتوت آنية هذه الشبكات على ملايين الأسماء من المتوازنين نفسيًّا وعقليًّا، زيادة على ما يقابلهم من غير المتوازنين والملوثين؟

إلى الأعلى