الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / قضية ورأي

قضية ورأي

المواطنة وأحلام الطفولة

**
شكّل الثالث والعشرون من يوليو ـ يوم النهضة المباركة ـ مرحلة تحول في حياة الأمة العمانية، استهدفت سعادة الإنسان العماني، وبناء فكره المتوازن وقيمه ومبادئه الراقية وتمكين مهاراته وقدراته، من قراءة إنسانية التنمية في شموليتها واتساعها، وفلسفتها القائمة على تأكيد الحضور الفاعل للطفولة في محورية عملها واستراتيجيات أدائها، عبر إتاحة فرص التعليم النوعي المستديم المعزز لروح الابتكار والإبداع والتنوع والاتساع، وتعزيز وجود شراكات وطنية ودولية جعلت من الطفولة العمانية حاضرة بقوة مبادئها وبنائها الفكري والمعرفي ومنحها فرص إدارة فضاءاتها المتسعة للبحث عن الذات والطموح، وبرزت على مر الوقت الحاجة إلى إيجاد التشريعات والقوانين والأنظمة التي تحفظ للطفولة حقوقها في الحياة والعيش والصحة والتعليم والحماية من كل أشكال العنف، ارتبطت بالوعي الحقوقي من جهة، وإدراكها لمفهوم الواجبات والمسؤوليات، لقد وجدت الطفولة العمانية في مفردات المواطنة والتنمية والهوية بيئة ثرية لانطلاقتها ونمو ثقافتها المعتدلة وقيمها النبيلة، في تعبيراتها الوطنية الصادقة، وما امتلكته من حس الوعي ونبض الوطن وصدق المشاعر وذوق العبارة وأصالة الكلمة وعمق الحب ووهج المشاعر الوطنية، فسطرت بذلك أروع نماذج المواطنة وفاء للوطن، وأعطت الشباب والكبار صورة مشرقة على قدرة الطفولة العمانية على تحمل مسؤولياتها وبناء وجدان الوطن في ذاتها، فكانت أنموذجا في العمل الجاد والتألق والعطاء والإبداع بلا حدود، فتغنت بأمجاد الوطن فيما قدمته وتقدمه من نجاحات ومشاركات على المستوى العالمي والإقليمي والوطني، جسدت فيها عمق الولاء ومشاعر الانتماء والعمل من أجل عمان، ليصبح الوطن قصة عطاء لا تنتهي، ونبض وفاء لن يتوقف، فإن التحول الذي تصنعه أيادي من يسطرون لوحات الولاء والعرفان ويرفعون صادقين شعار الصفاء والنقاء، في قوة الوطن وشموخه، هم من يحتويهم حس المواطنة ويمتلكون أدوات الثبات على مبادئها وترسيخ قيمها الفاضلة.
إن البحث في صيغة المقاربة بين المواطنة والطفولة تستدعي اليوم قراءة المواطنة في أحلام الطفولة وآمالها وابتسامتها، لتبث في القلب معاني التفاؤل والإيجابية، وترسخ في النفس مفهوم أعمق للمواطنة من مجرد شعارات أو ترديد كلمات، إلى بناء ضمير إنساني يفهم الحياة في تكاملها وتسامحها، والوطن في قوته ونهضته وإنجازاته، فتتعمق في النفس قيمته ويزداد في الممارسة حضوره، عملا متقنا، وإنجازا مبتكرا، فالتناغم الحاصل فرصة لوضع الطفولة أمام نماذج واقعية وبرامج محاكاة تنشئهم على المبادرة والاستمرار في منهج العطاء الذي لا يتغير نحو وطنهم بتغير نموهم الزمني، بل يظل ينبض بحب الوطن واعتزازهم بالقيم والرموز والأحداث التاريخية التي شكلت رصيدا حضاريا لوطنهم، وهنا تأتي أهمية أن تفقه الطفولة الأبعاد الحضارية والإنسانية للسياسة العمانية المعتدلة المتوازنة، وموقف السلطنة من القضايا العالمية، ومساهمتها في إدارة السلم العالمي بأسلوب يتناسب مع طبيعتهم الفكرية ومستوياتهم المعرفية، وتقوية لغة الخطاب التنموي المتوافق مع منهج الطفولة وأحلامها الكبيرة وحرصها على التجديد والتغيير، وسعيها نحو عطاء يسمو بالوطن ويرقى به، بما يعني تحولا في نمط الخطاب الذي يجب انتقائه للطفولة وانتقاله إليها وتداوله بينها، وبناء أطر تصحيحية للمفاهيم والمصطلحات المغلوطة، والثقافات المتغايرة التي وصلت إليها عبر سلبية الخطاب الأبوي والمجتمعي أو خطاب القنوات الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي، وبالشكل الذي يمنح الطفولة مساحات أوسع في اختيار طريقة تعبيرها عن حب الوطن بأسلوبها الحضاري الفطري الذي جلبت عليه، وتمكينها من توظيف فرص الإرادة والرغبة الذاتية والصفاء الذهني والفكري والمعرفي وفق برامج وخطط وآليات عمل تتناسب مع مستوياتهم العمرية وتتيح لهم بدائل أكبر للاختيار، وخيارات أوسع للانتقاء، فإن حصول السلطنة على المرتبة الأولى خليجيا والثالثة عربيا والـ40 عالميا في مؤشر حقوق الأطفال لعام 2016، يبرز جملة الحزم التنموية التي عايشتها الطفولة العمانية وموقعها في وجدان الوطن واستراتيجيات التنمية فيه، والسياسات والاتفاقيات التي التزمت بها السلطنة نحو الطفولة.
وعليه فإن ما تتلقاه الطفولة من أنماط التعليم والتدريب ولغة الخطاب والاتصال والتواصل وأساليب الرعاية والتوجيه والمتابعة، ومصادر المعرفة وموضوعية الخبرات والتجارب وتكاملها ومصداقية الرواية التاريخية لها من الكبار، وخلوها من الشطط والشائعات، هي التي ستسجل إضافة للذاكرة الحضارية الوطنية القادمة ومخزونها الفكري الذي تستلهم منه معين نجاحاتها في مواجهة حالة السلبية والإحباط والتناقضات في الصورة الممارسة للمواطنة، وبالتالي أن تجد الطفولة في دور الوالدين ومؤسسات التربية والتنشئة والإعلام بصمة انطلاقة، تقدم لهم أنموذجا حيويا متفاعلا في قيمة الشعور بالوطن والقدوة في بناء المنجز الوطني، وقراءة التحولات الحاصلة فيه، ودور الطفولة في تحقيق أبعاد التنمية، والثقة في قدراتها بتعميق حس المسؤولية والمشاركة الهادفة في اتساعها وشموليتها، وإن ما يقومون به أو يقوم به غيرهم نحو وطنهم، ليس بالضرورة أن تظهر مخرجاته اليوم أو نلمس نتائجه الساعة، ولكنها تحتاج لبعض الوقت، فهي رصيد وطني يضمن لمستقبل الطفولة حياة سعيدة وعيش كريم.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى