الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أميركا حائرة

أميركا حائرة

أ.د. محمد الدعمي

.. وإذا ما كان المرشح الجمهوري، ترامب، قد أقام جدرانًا حوله، قوامها العنصرية والطائفية، تكفي لمنع العقلاء من انتخابه، فإن سمعة السيدة كلينتون، سيدة أولى، ووزيرة خارجية سابقًا، هي الأخرى تندرج في قائمة كوابح اختيارها رئيسة.

لست أشك قط في أن هناك قطاعات واسعة من الجمهور الأميركي تشاطر إحدى السيدات اللائي ظهرن على شاشات التلفاز لتعلن: “هل جفّت أميركا من الشخصيات المقنعة والعقول الذكية، كي تختزل انتخابات الرئاسة القادمة باسمين مربكين”. تقصد السيدة أعلاه بأن ما يشوب المرشح الجمهوري، دونالد ترامب، والمرشحة الديمقراطية، هيلاري كلينتون، من المثالب والشبهات إنما يجعل عملية التفضيل بينهما على درجة عالية من الصعوبة والإرباك. لذا فإن أميركا حائرة فعلًا اللحظة، بين خيارين يبدوان مرين.
وإذا ما كان المرشح الجمهوري، ترامب، قد أقام جدرانًا حوله، قوامها العنصرية والطائفية، تكفي لمنع العقلاء من انتخابه، فإن سمعة السيدة كلينتون، سيدة أولى، ووزيرة خارجية سابقًا، هي الأخرى تندرج في قائمة كوابح اختيارها رئيسة.
لذا فإن على المرء أن يرصد ما الذي يخيف الأميركان ويقلقهم من ترامب: في أجواء يقظة الصراع العنصري المتصاعد اللحظة بين البيض والسود، وإذ يكون رمي بطاقة الانتخاب في الصندوق لصالح ترامب بمثابة فتح أبواب جحيم الصراع المجتمعي الداخلي على مصراعيها، بين الفئتين اللونيتين الرئيستين، السوداء والبيضاء. لنلاحظ هنا أن ظهور حركة “حياة السود مهمة” Black Lives Matter، إنما كمن لمدة، مجرد أفكار احتجاجية، تعتمل في النفوس تحت السطح، إلا أنها لم تنضج وتتبلور على نحو حركة شعبية إلا بعد تركيز ترامب على أفكاره العنصرية، المعروفة بأفكار “أصحاب الرقاب الحمراء” Red necks من المؤمنين بتفوق العنصر الآري الأبيض على سواه من عناصر السكان في الولايات المتحدة. وبإضافة نبرة الازدراء والاتهام التي خص بها ترامب فئة “اللاتينو” السكانية، أي الأميركان من أصول مكسيكية أو أميركية لاتينية أخرى، تكتمل صورة لمرشح ركب عربة العنصرية المهشمة أصلًا على سبيل حصد الأصوات بالجملة وفي فترة قياسية، كما حدث ذلك فعلًا خلال الأشهر الماضية، متبلورًا، خاصة في تعابير كراهية المسلمين التي تبلورت بالاعتداء بالعنف على زائر إماراتي قبل مدة قصيرة، فقط لأنه كان يرتدي اللباس التقليدي العربي.
أما بالنسبة لهيلاري كلينتون، فقد اعترض العديدون حتى على فكرة ترشيحها عن الحزب الديمقراطي لسباق الرئاسة، ومرد ذلك أن هناك من يدعي أن فوزها بالبيت الأبيض إنما هو نوع من أنواع محاكاة التتابع الأسري لسلطة العائلة، والمقصود آل كلينتون، بطبيعة الحال. وإذا كان هؤلاء يعترضون على هذا التتابع الأسري على البيت الأبيض، فإنهم لا يتوانوا عن الاعتراض على “جيب بوش” الجمهوري، بعد ترشيحه نفسه عن الجمهوريين في محاولة لإعادة البيت الأبيض لآل بوش. ولكن مع هذه الاعتراضات ضد كلينتون، تبقى مسألة مصداقيتها الشخصية مثار جدل حاد وتشكيك جاد: فهناك العديد من الشكوك التي تلف أسلوب تعاملها مع عملية حرق القنصلية الأميركية في ليبيا من قبل الغوغاء، تلك العملية التي نكبت أميركا بقتل سفير وأربعة موظفين دبلوماسيين آخرين. زد على ذلك الشكوك الجادة حول قدرتها على اتخاذ القرارات المناسبة في الأوقات الموائمة، خاصة حيال قضايا تتصل بالأمن القومي الأميركي، بدليل اعتمادها المشغل الشخصي الخاص بها لتبادل الرسائل الإلكترونية السرية خارج حدود قنوات الاتصال الرسمية، أي عبر المشغّل الخاص بالخارجية الأميركية. وإذا كانت لجان التحقيقات لم تتمكن من وضع يدها على ما يشير إلى تعاطيها برسائل تهدد الأمن القومي الأميركي، إلا أن مجرد ما حدث إنما يعكس الإهمال وضعف الشعور بالمسؤولية. ومع ما ورد في أعلاه من اعتراض عليها، فإن أصوات الشك حول تأسيس وتواصل ما سمي بـ”مؤسسة كلينتون” عبر موضوع تمويلها الذي يثير المزيد من القلق لدى العديد من القطاعات الاجتماعية الأميركية التي تشك في أن دوافع الزوجين كلينتون المادية تبقى تهيمن على رؤيتها للمستقبل العائلي، أكثر من رؤيتها للمستقبل الأميركي. لقد تحملت هيلاري كلينتون نعوتًا هابطة، من نوع “كذابة، وفاشلة، وفاسدة، ومخادعة” كثيرًا للإبقاء على تواصل حملتها الانتخابية حتى نهاية المطاف، إلا أن للمرء أن يتكهن بأن لها القدح المعلا في الانتخابات القادمة، خاصة بعدما جاءت أنباء الانقسام المجتمعي بين البيض والسود بما لا يمكن أن يتناغم مع انعزالية وآرية وتحامل ذي الشعر الأصفر، دونالد ترامب.

إلى الأعلى