الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مذكرات المناضل حمدي مطر.. والزمن الجميل

مذكرات المناضل حمدي مطر.. والزمن الجميل

د. فايز رشيد

حمدي مطر, اندغم بالنضال الوطني الفلسطيني منذ مطلع شبابه في أواسط الخمسينيات, بعد تهجير قسري لأهالي قالونيا(مسقط رأسه) عام 1948. نشأ في بيت نضال حيث كان والده من المشاركين في الثورة الفلسطينية. أبو سمير عمل في قطاعات مهنية عديدة منها, شركة الكهرباء ومصنع للبلاط. كُلّف بمهام نضالية وثورية عديدة في الخارج, وكحلقة وصل وإمداد مع الأرض المحتلة.

لتوي انتهيت من قراءة مذكرات المناضل الصديق والرفيق المرحوم حمدي مطر, وكانت قد وصلت إليّ قبل بضعة أيام. أعادتني صفحات الكتاب إلى زمن جميل مضى, تمنيت لو عشته عن قرب! كنت حينها في السجن. نسمع الأخبار عن بعد. ما أدهشني: هذه الذاكرة الحية لأبي سمير! يسرد الأحداث بتواريخها وأسماء صنّاعها وبكل تفاصيلها, وبنَفس نضالي وإنساني ثوري, وكأنها حصلت بالأمس. حتى لو احتفظ أبو سمير بأرشيف لما مرّ به من أحداث, لكنه أضفى عليه روح المناضل الثوري, ونَفَس المتحدي لكل الصعاب.
قبل عام ونيف, قضى صديقي الذي أعتز بصداقته, سنوات طويلة في السجن, في زنازينه الانفرادية مرّات لا تعد ولا تحصى. لم يستكن, لم يضعف. انتصر على العذابات بإرادة التحدي والصمود. ومثلما يروي: طيلة سنوات السجن المتعددة المرات, لم يبك سوى مرة واحدة. ففي يوم طويل في الزنزانة الانفرادية, كان يريد تمضية الوقت. أخذ يكتب أسماء أبنائه وبناته على جدران الزنزانة. عندما وصل إلى كتابة اسم ابنه توحيد فجأة, أجهش بالبكاء. لم يره أحد. لام نفسه حتى على هذا الضعف الإنساني الجميل والمشروع! وكي ينتصر على اللحظة باللحظة, بدأ في ترديد أغانٍ وأشعار المقاومة. خاف حمدي مطر أن تظهر نقطة ضعف واحدة عليه, أمام سجانيه, الذين حتما سيستغلونها عليه.
أعرف أبا سمير منذ عام 1979(لكنه ذكرني بحضوره إلى بيتنا في قلقيلية أواسط ستينيات القرن الزمني الماضي, حين جاءت ثلة من حركة القوميين العرب يومها, لتناول غداء المسخن المشهورة به مدينتنا). التقينا, ناضلنا معا. وبعد ذهابي للتخصص رأيته والفاضلة العزيزة أم سمير(أطال الله في عمرها) في موسكو حيث سكنا. وبعد عودتي إلى الأردن تواصلنا دون انقطاع حتى وفاته.
حمدي مطر, اندغم بالنضال الوطني الفلسطيني منذ مطلع شبابه في أواسط الخمسينيات, بعد تهجير قسري لأهالي قالونيا(مسقط رأسه) عام 1948. نشأ في بيت نضال حيث كان والده من المشاركين في الثورة الفلسطينية. أبو سمير عمل في قطاعات مهنية عديدة منها, شركة الكهرباء ومصنع للبلاط. كُلّف بمهام نضالية وثورية عديدة في الخارج, وكحلقة وصل وإمداد مع الأرض المحتلة. وفي عام 1982 رغم تقدمه في السن, تطوع مع المئات من الأردن للسفر إلى لبنان للدفاع عن الثورة. لم يستطع كثيرون منهم الوصول إلى بيروت الغربية, المحاصرة من قبل العدو الصهيوني فعمل في الجبهة الخلفية لإسناد المحاصرين. أذكر أنني التقيت به في دمشق بعد خروج المقاتلين من بيروت إلى العاصمة السورية وعواصم أخرى, وكم كان اللقاء حارا, تحدثنا عن الحصار وأيامه الطويلة والحقد الصهيوني على المقاومة الفلسطينية والأخرى اللبنانية, من خلال قصف يومي تجاوز كل شدة وأشكال القصف في الحرب العالمية الثانية. بالمقابل, كم كان الالتحام العضوي قويا وكبيرا بين المقاومتين والجماهير اللبنانية. رغم الاتفاق وبالوساطة الأميركية, إلا أن العدو الصهيوني دخل المدينة العربية, ونكّل بأهلها, وارتكب مذبحته المشهورة (من بين مذابح لا تعد ولا تحصى) مذبحة صبرا وشاتيلا ضد اللاجئين الفلسطينيين في بيروت.
آمن مناضلنا بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر, ظلّ وفيا للأهداف التي ناضل من أجلها. لم يؤمن يوما بحلّ مرحلي أو توقيع اتفاقية مع هذا العدو أو أي إمكانية للتعايش معه. ومن جهة أخرى, هو مدرك لطبيعة صراع شعبنا وأمتنا مع هذا العدو الفاشي, ولذا ركزت كلمته في المؤتمر الأخير الذي حضره: أن يبقى الجيل الحالي محافظا على مبادئ الجبهة الشعبية, التي انطلقت من أجلها.
أما حمدي مطر الإنسان, فهو العطاء للآخرين دون كلل أو ملل. بأحاديثه وقفشاته كان بمثابة نسمة منعشة تمر على وجه كل من يغضب أو يحتد, فيعيد الهدوء إليه. من خلال كلماته الملطّفة لأجواء الاحتدام. في كهولته كان يعمل مثل شاب في أوج نشاطه وقوته. يعز فراق المناضل حمدي مطر على كل من عرفه. ما يعزينا, سيرته العطرة وتاريخه الحافل بالمهمات الصعبة, ومواقفه الثورية, وها هو يضيف إلى كل ما ذكرت, كتاب مذكراته القيّم, والذي هو بمثابة موسوعة (يُلجأ إليها) لتأريخ مرحلة مهمة من مراحل الثورة, والتي رغم مرارة نهايتها تظل مرحلة مهمة.
لم أشأ الاستمرار في الحديث عن مذكرات المناضل حمدي مطر, كي لا أفسد على القارئ لحظة/لحظات تمتعه بمعرفة الحقائق التي أوردها مناضلنا الكبير في مذكراته. نم قرير العين أيها الحبيب, مثَّلت الشجاعة في مواقفك طيلة الحياة التي عشتها. لذلك كانت حافلة بكل العطاء الثوري.

إلى الأعلى