الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الإعجاز العددي بين الأخذ والترك (1)

الإعجاز العددي بين الأخذ والترك (1)

مع ظهور النهضة العلمية العصرية الكبرى في شتى أنحاء العالم كان من منتوجاتها أن قام بعض المسلمين بتوظيف الجهة العددية لمعرفة أسرار القرآن مما ظهر مؤخراً علم الإعجاز العددي في النصف الثاني من القرن العشرين وكان أول رواده عبد الرزاق نوفل ورشاد خليفة، ثم توالت البحوث مثل الأنهار الجارية تنبع من القرآن لتسكب في النفوس، ولكن تحفَّظ كثير من المسلمين واعتبروه ليس اعجازاً وأنما لطائف وتوافيق لإن الإعجاز يبنى على شيء يقيني فكانت المسألة مسألة فقهية بين الأخذ والترك يكاد يختلف فيها علماء المذهب الواحد، وهذا البحث المتواضع الضحل يبحث بالدرجة الأولى تقييم هذا النوع من العلوم والمتطلع يرى أن السلامة تكمن في اعتباره علم غير معجز خروجاً من الخلاف كذلك في عدم التوسع فيه بشكل كبير لما فيه من مزالق وأخطأ حيث قد يصاحبه الهوى من حيث لا يدري المشتغل فيه.
مفهوم الإعجاز العددي:
نحن نرى أن مفهوم (الإعجاز العددي) متكوناً من كلمتين: من (إعجاز) و(عدد), حتى يتبين لنا هذا المفهوم لا بد من التأصيل اللغوي لهما ثم ندرج إلى المفهوم الاصطلاحي.
من الناحية اللغوية: الكلمة الأولى (عجز) قال صاحب (مقاييس اللغة) :للْعَيْنُ وَالْجِيمُ وَالزَّاءُ أَصْلَانِ صَحِيحَانِ، يَدُلُّ أَحَدُهُمَا عَلَى الضَّعْفِ، وَالْآخَرُ عَلَى مُؤَخَّرِ الشَّيْءِ.
فَالْأَوَّلُ عَجِزَ عَنِ الشَّيْءِ يَعْجِزُ عَجْزًا، فَهُوَ عَاجِزٌ، أَيْ: ضَعِيفٌ. وَقَوْلُهُمْ إِنَّ الْعَجْزَ نَقِيضُ الْحَزْمِ فَمِنْ هَذَا; لِأَنَّهُ يَضْعُفُ رَأْيُهُ. وَيَقُولُونَ:)الْمَرْءُ يَعْجِزُ لَا مَحَالَةَ(، وَيُقَالُ: أَعْجَزَنِي فُلَانٌ، إِذَا عَجِزْتُ عَنْ طَلَبِهِ وَإِدْرَاكِهِ. وَلَنْ يُعْجِزَ اللَّهَ تَعَالَى شَيْءٌ، أَيْ لَا يَعْجِزُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَتَى شَاءَ. وَفِي الْقُرْآنِ:(لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا) (الجن ـ 12)، وَقَالَ تَعَالَى:(وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) (العنكبوت ـ 22) ، وَيَقُولُونَ: عَجَزَ بِفَتْحِ الْجِيمِ .. لَا يُقَالُ عَجِزَ إِلَّا إِذَا عَظُمَتْ عَجِيزَتُهُ.
وَمِنَ الْبَابِ: الْعَجُوزُ: الْمَرْأَةُ الشَّيْخَةُ، وَالْجَمْعُ عَجَائِزُ. وَالْفِعْلُ عَجَّزَتْ تَعْجِيزًا. وَيُقَالُ: فُلَانٌ عَاجَزَ فُلَانًا، إِذَا ذَهَبَ فَلَمْ يُوصَلْ إِلَيْهِ. وَقَالَ تَعَالَى:(يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ) (سبأ ـ 38) .. وَأَمَّا الْأَصْلُ الْآخَرُ فَالْعَجُزُ: مُؤَخَّرُ الشَّيْءِ، وَالْجَمْعُ أَعْجَازٌ.
وفي لسان العرب: وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ: وَلَا تُلِثُّوا بِدَارِ مَعْجِزَة أَي لَا تُقِيمُوا بِبَلْدَةٍ تَعْجِزُون فِيهَا عَنِ الِاكْتِسَابِ وَالتَّعَيُّشِ، وَقِيلَ بالثَّغْر مَعَ الْعِيَالِ. والمَعْجِزَةُ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا، مَفْعِلَةٌ مِنَ العَجْز: عدَمُ الْقُدْرَةِ .. والتَّعْجِيزُ: التَّثْبِيط .. وَمَعْنَى الإِعْجاز الفَوْتُ والسَّبْقُ، يُقَالُ: أَعْجَزَني فُلَانٌ أَي فَاتَنِي؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الأَعشى:
فَذاكَ وَلَمْ يُعْجِزْ مِنَ الموتِ رَبَّه
وَلَكِنْ أَتاه الموتُ لَا يَتَأَبَّقُ
.. وَيُقَالُ: عَجَزَ يَعْجِزُ عَنِ الأَمر إِذا قَصَرَ عَنْهُ.
وفي كتاب آخر:(الإعجاز): وكلام الله عز وجل معجزٌ، والدليل على إعجازه أنه تعالى تحدى العرب على أن يأتوا بسورةٍ من مثله فعجزوا عن ذلك مع فصاحتهم وبلاغتهم، ولو قدروا على ذلك لما عدلوا عنه إلى الحرب، قال الله تعالى:(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا).
وعليه نستطيع القول بأن الإعجاز مصدر (أعجز) أي جعله عاجزاً عنه فضَعُف عنه فلم يقدر عليه, أو تأخر عنه فلا يستطيع لحاقه, فكلا الأصلين متضمن فيه لكن الأوضح الأول فيه, و(أعجز القرآن الناسَ) بمعنى عجزوا عنه فلا يستطيعون الإتيان بمثله أو فاتهم وسبقهم فلا يستطيعون اللحاق به أو مواكبته.
فالقرآن بذلك صار مُعْجِزة لعدم قدرتنا عن نظم أقصرِ سورةٍ منه أو نظمِ آيةٍ توازي ذلك.
الكلمة الثانية (عدد) جاء في (مقاييس اللغة): (عَدَّ) الْعَيْنُ وَالدَّالُ أَصْلٌ صَحِيحٌ وَاحِدٌ لَا يَخْلُو مِنَ الْعَدِّ الَّذِي هُوَ الْإِحْصَاءُ. وَمِنَ الْإِعْدَادِ الَّذِي هُوَ تَهْيِئَةُ الشَّيْءِ. وَإِلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ تَرْجِعُ فَرَوْعُ الْبَابِ كُلُّهَا. فَالْعَدُّ: إِحْصَاءُ الشَّيْءِ. تَقُولُ: عَدَدْتُ الشَّيْءَ أَعُدُّهُ عَدًّا فَأَنَا عَادٌّ، وَالشَّيْءُ مَعْدُودٌ. وَالْعَدِيدُ: الْكَثْرَةُ. وَفُلَانٌ فِي عِدَادِ الصَّالِحِينَ، أَيْ يُعَدُّ مَعَهُمْ. وَالْعَدَدُ: مِقْدَارُ مَا يُعَدُّ، .. وَمِنَ الْوَجْهِ الْآخَرِ الْعُدَّةُ. مَا أُعِدَّ لِأَمْرٍ يَحْدُثُ. يُقَالُ أَعْدَدْتُ الشَّيْءَ أُعِدُّهُ إِعْدَادًا. وَاسْتَعْدَدْتُ لِلشَّيْءِ وَتَعَدَّدْتُ لَهُ.
فيؤخذ منه إن العدد هو الإحصاء والحساب فالمحصى اثنين يختلف عن المحصى ثمانية وهكذا, ودليله قوله تعالى:(وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) (الجن ـ 28) إذ إن المفعول المطلق يكون من أحرف الفعل أو من معناه, بيد أن جماعة من الباحثين من يسمي الإعجاز العددي بالرقمي ولا يخفى عليك الفرق بين الاسمين فإن الرقم يترواح من واحد إلى عشرة في النظام العشري على عد أصابع اليدين بينما العدد لا حصر له, فمثلاً العدد (325) يتكون من الأرقام 5 في الآحاد و2 في العشرات و3 في المئات فالأرقام إذاً هي رموز الأعداد أي شفرتها المعبِّرة عنها, لكن قد تستخدم بمعنى الأعداد مجازاً.
فالأحرى أن يسمى بالإعجاز العددي عند مَن يقول به حيث إن التكرارات في القرآن سواء على مستوى الكلمات أو الآيات أو ترتيب السور إنما تُعْبّر بالأعداد.
ومن الناحية الاصطلاحية: وهو ما تعارف بين المشتغلين في حقل التوافقات العددية في القرآن الكريم, فأولاً: نعرض اصطلاح المعجزة بأنه أمر خارق للعادة يجريه الله على يد نبيه مقرون بالتحدي سالم من المعارضة, والأصل في إعجاز القرآن هو النظم القرآني بدليل قوله تعالى:(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (يونس ـ 38) فلما عجز المشركون عن ذلك عَدلوا إلى محاربة القرآن ومحاربة المسلمين مع ما في ذلك من قتل لهم ومن إهلاك لهم, ويتبين إن إعجاز القرآن ذاتي إذ هو فعل من أفعال الرب وفعل الرب لا يستطيع أحد الإتيان بمثله وليس كما قال النظام وأصحاب الصرفة من المعتزلة الذين ادّعوا إن الله صرف العباد عن الإتيان بمثله , فلا يخفى إن بعض المشركين حاولوا تقليده كمسيلمة الكذاب وغيره لكن باؤوا بالفشل وخابوا وخسروا.
ومن معطيات العصر الحديث الإعجاز العلمي بما فيه من خلاف بين الباحثين الذين هم بين مؤيد ومثبط, فالعلم هو إدراك الشيء بحقيقته فهو يحمل صبغة اليقين بين جانبيه, وهو قسمان تصوري وهو إدراك الذات وتصديقي وهو يكمن في الحكم على الشيء بالإثبات أو بالنفي, والعلم إما نظري كمختلف العلوم الإنسانية أو عملي كمختلف العلوم التجريبية, والعلم إما عقلي ينال بتفكير العقل وإما سمعي يؤخذ بالنقل كالوحي والتواتر, ومن ناحية أخرى فالعلم إما الضروري هو العلم البديهي والأولي والفطري والوجداني وما ينال بالحواس الخمس كالعلم بالبحر بأنه واسع وبأن الواحد أقل من اثنين وحب المحسن وبغض المسيء والإحساس بالجوع والعطش وبالحزن والفرح .. وإما النظري ينال بالتأمل والاستنتاج العقلي كمعرفة مسألة فيزيائية أو كيمائية أو رياضية.
والإعجاز العددي جزء من الإعجاز العلمي الذي هو إخبار القرآن بحقائق أكدها العلم التجريبي البشري وهذا الحقائق محال علمها أو الإخبار بها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حيث لا وسيلة توصل إليها .. إذاً الإعجاز العلمي كان بالنظر إلى زمن الوحي لا إلى العصر التي تعرَف فيها الحقائق ومثال ذلك قلة الأكسجين في طبقات الجو مما يجعل التنفس صعباً والدليل القرآني عليه قوله تعالى:(يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ)(الأنعام ـ 125) لذلك لم يعترف به بعض المسلمين لأن قد لا يفيد العلم القطعي فإن القوانين المبنى عليه العلم قد يطرأ عليها التبديل والتغيير وإن قرآن كتاب هداية لا كتاب علوم ,وعدلوا إلى تسميته بالتفسير العلمي, والمسلمون القدامى إنما انشغلوا عن الإعجاز العلمي لثلاثة عوامل الأول لإيقانهم بأن القرآن معجَز من الناحية البيانية حيث سليقتهم اللغوية تؤكد ذلك وفي ذلك الكفاية وحيث إنهم رأوا عجز الخصم من مدافعته,إما الثاني هو انشغالهم بنشر الدعوة الإسلامية بما فيه من جهاد بالمال والنفس, والثالث إنه لا يترتب عليه عمل وهم إنما يتعلمون من أجل العمل,
إذا لا بدا حتى يكون هذا الجانب العددي معجزاً أن يفوق قدرات البشر او الخلق أجمعين وبالتالي نخلص إلى اشتمال الإعجاز العددي إلى ركنين أساسين :الأول عجز البشر عنه والثاني أن يكون المعجِز يعتمد على الأرقام والأعداد لذا نرى الإستاذ الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي يعرفه بأنه:”ما ورد في القرآن الكريم من موافقات مبنية على العد والإحصاء مما يعجز الخلق عن الإتيان بمثله”, هذا ولا يُقْصَد الإعجاز لذاته وإنما يُقْصَد للازمه من تصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن وبالرسالة.
والإعجاز العددي جاء مع اتساع مجالات الرياضيات في كثير من العلوم كمادة أساسية فيها, وهناك تعابير مختلفة ذات معاني تكاد تكون متقاربة أو متكاملة فيما بينها عن مفهوم هذا المصطلح فمثلا تعريف المهندس عبد الدائم الكحيل وهو:(العلاقات الرقمية بين حروف القرآن وكلماته وآياته و سوره والتي أودعها الله في كتابه لتكون برهاناً مادياً ملموساً لأولئك الماديين والشاكين بكتاب الله تعالى على صدق هذا القرآن وصدق رسالة الإسلام), وهذا تعريف مفصل فوق الحدّ ,فإن عبارة (لتكون برهانا ماديا ملموساً .. الخ) يمكن الاسعاضة عنها بـ (برهاناً لصدق القرآن) وذكر تعليل ومنشأ هذا النوع من الإعجاز بقوله ( العلاقات الرقمية بين حروف القرآن و كلماته وآياته وسوره) ولم يذكر إن هذه العلاقات الرقمية معجزة .. ويوجد تعاريف عدة ومن أصحها تعريف الإستاذة إيمان كاظم بأنه:”وجه من أوجه إعجاز القرآن؛ يتناول ما ورد في القرآن الكريم من إشارات تتعلّق بالروابط العددية بين حروفه وكلماته وآياته وسوره” وهو قريب جداً من تعريف الدكتور الرومي, لكن الإستاذة قامت بتفصيل المناحي التي يتواجد فيها الروابط العددية, من ناحية أخرى يوجد تعريف آخر يقول “هو كل نظام حسابي متناهي الدقة يقوم على إحصاء آيات القرآن الكريم والإحاطة بأعدادها وأحرفها وكلماتها، تظهر من خلاله الغاية القصوى في إحكام القرآن الكريم وكمال ترابط سوره وآياته لحد تعجز الخلائق عن الإتيان بمثله. قال جل جلاله:)الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) فاشتمل على حده وعلى تعليله وعلى الغاية منه .. والله أعلم.

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى