الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (32)

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (32)

5 ـ هل يشترط عدد معين للجمعة؟:
اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافاً كثيراً ، قال الحافظ في الفتح: وجملة ما للعلماء فيه خمسة عشر قولاً الأول: تصح من الواحد ـ نقله ابن حزم، والثاني: اثنان كالجماعة . وهو قول النخعي وأهل الظاهر والحسن بن حي، والثالث: اثنان مع الإمام ، عند أبي يوسف ومحمد، والرابع: ثلاثة معه. عند أبي حنيفة، والخامس: سبعة، عند عكرمة، والسادس: تسعة، عند ربيعة، والسابع: اثنا عشر، عنه في رواية، والثامن: مثله غير الإمام، عند إسحاق، والتاسع: عشرون في رواية ابن حبيب عن مالك، والعاشر: ثلاثون، كذلك، والحادي عشر: أربعون بالإمام عند الشافعي، والثاني عشر: غير الإمام عنه، وبه قال عمر بن عبد العزيز وطائفة، والثالث عشر: خمسون عن أحمد في رواية، وحكى عن عمر عبد العزيز، والرابع عشر: ثمانون حكاه المازري، والخامس عشر: جمع كثير بغير قيد.
قال الحافظ: ولعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل، ويمكن أن يزداد العدد باعتبار زيادة شرط كالذكورة والحرية والبلوغ والإقامة والاستيطان فيكمل بذلك عشرون قولاً.
قال الشوكاني: وأما اشتراط جمع كثير من دون تقييد بعدد مخصوص فمستنده أن الجمعة شعار، وهو لا يحصل إلا بكثرة تغيظ أعداء المؤمنين، وفيه أن كونها شعاراً لا يستلزم أن ينتفي وجوبها بانتفاء العدد الذي يحصل به ذلك، على أن الطلب لها من العباد كتاباً وسنة مطلق عن اعتبار الشعار، فما الدليل على اعتباره؟ (نيل الأوطار ـ 3233).
وقد احتجت كل طائفة لقولها ببعض الآثار لا تخلو من ضعف أو مقال، قال ابن حزم بعد أن ساق الآثار التي احتج بها أصحابها: فكل هذه آثار لا تصح ، ثم لو صحت لما كان في شيء منها حجة ، لأنه ليس في شيء منها إسقاط الجمعة عن أقل من العدد المذكور، إلا ما أخرجه البيهقي و أبو داود من حديث كعب بن مالك قال: أول من جمَّع بنا في المدينة سعد بن زرارة قبل مقدم النبي (صلى الله عليه وسلم) في نقيع الخضمات، قلت – أي عبد الرحمن بن كعب: كم كنتم؟ قال: أربعون رجلاً، قال ابن حزم بعد تصحيحه لهذا الخبر: ولا حجة له في هذا، لأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يقل إنه لا تجوز الجمعة بأقل من هذا العدد.
قال ابن حزم: وأما حجتنا فهي ما قد ذكرناه قبل من حديث مالك بن الحويرث أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال له:(إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما)، فجعل ـ عليه الصلاة والسلام ـ للاثنين حكم الجماعة في الصلاة.
وقال الشوكاني في النيل: واعلم أنه لا مستند لاشتراط ثمانين أو ثلاثين أو عشرين أو تسعة أو سبعة، كما أنه لا مستند لصحتها من الواحد المنفرد، وأما من قال أنها تصح باثنين فاستدل بأن العدد واجب بالحديث والإجماع، ورأى أنه لم يثبت دليل على اشتراط عدد مخصوص، وقد صحت الجماعة في سائر الصلوات باثنين، ولا فرق بينها و بين الجماعة، ولم يأت نص من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا، وهذا القول هو الراجح عندي.
ذهب ابن تيميه إلى أنها تنعقد بثلاثة، قال في الاختيارات: وتنعقد الجمعة بثلاثة، واحد يخطب و اثنان يستمعان، وهو إحدى الروايات عن أحمد، وقول طائفة من العلماء، وقد يقال بوجوبها علىالأربعين لأنه لم يثبت وجوبها على من دونهم، وتصح ممن دونهم، لأنه انتقال إلى أعلى الفرضين كالمريض، بخلاف المسافر فإن فرضه ركعتان.
6 ـ هل يشترط الاستيطان ببناء لوجوب الجمعة؟:
اشترط كثير من العلماء الإقامة في قرية مبنية بحجارة أو لبن أو قصب أو ما جرت به العادة، لا يظعن عنها صيفاً أو شتاء، وأما أهل الخيام وبيوت الشعر فلا جمعة عليهم.
قال ابن قدامة: فأما الاستيطان فهو شرط في قول أكثر أهل العلم، وهو الإقامة في قرية على الأوصاف المذكورة، لا يظعنون عنها صيفاً ولا شتاء.
وفي الاختيارات: وتجب الجمعة علي من أقام في غير بناء كالخيام وبيوت الشعر ونحوها، وهو أحد قولي الشافعي، وحكاه الأزحي رواية عن أحمد.
وقال أبو العباس في موضع آخر: يشترط مع إقامتهم في الخيام ونحوها أن يكونوا يزرعون كما يزرع أهل القرية.
وذلك أن البدو الذين كانوا حول المدينة ولم يأمرهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بإقامة الجمعة مع انهم مستوطنون في أماكنهم، لكونها ليست ببناء، ولهذا إذا ظعنوا عن هذا الموطن ظعنوا ببيوتهم.
لكن إن كانت لأهلها منازل دائمة يمكثون فيها سنوات طويلة لا يحملهم على الرحيل إلا الطارئ كالمحاربة أو غيرها فهؤلاء عليهم جمعة، لأن العبرة ليست بنوع البناء وإنما بالاستيطان.
قال النووي: قال أصحابنا: يشترط لصحة الجمعة أن تقام في أبنية مجتمعة يستوطنها شتاء وصيفاً من تنعقد بهم الجمعة، قال الشافعي والأصحاب: سواء كان البناء من أحجار أو أخشاب أو طين أو قصب أو سعف أو غيرها، وسواء فيه البلاد الكبار ذوات الأسواق والقرى الصغار والأسراب المتخذة وطناً، فإن كانت الأبنية متفرقة لم تصح الجمعة فيها بلا خلاف، لأنها لا تعد قرية، ويرجع في الاجتماع والتفرق إلى العرف .. وأما أهل الخيام فإن كانوا ينتقلون من مواضعهم شتاء أو صيفاً لم تصح الجمعة فيها بلا خلاف، وإن كانوا دائمين فيها شتاء وصيفاً وهي مجتمعة بعضها إلى بعض، فقولان أصحهما باتفاق الأصحاب: لا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم، وبه قطع الأكثرون وبه قال مالك وأبو حنيفة والإباضية، والثاني: تجب عليهم وتصح منهم نص عليه البويطي .. والله أعلم.
مسألة: اشتراط المدن لإقامة الجمعة:
ولا يشترط لإقامة الجمعة أن تكون في المدن دون غيرها، بل تقام في القرى أيضاً، وقد بوب البخاري بقوله: باب الجمعة في القرى والمدن.
قال الحافظ: في هذه الترجمة إشارة إلى خلاف من خص الجمعة بالمدن دون القرى، وهو مروي عن الحنفية، وأسنده ابن أبي شيبة عن حذيفة وعلى وغيرهما، وعن عمر أنه كتب إلى أهل البحرين أن جمعوا حيثما كنتم، وهذا يشمل المدن والقرى . أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً من طريق أبي رافع عن أبي هريرة عن عمر، وصححه ابن خزيمة .. وعند عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمعون فلا يعيب عليهم، فلما اختلف الصحابة وجب الرجوع إلى المرفوع، قال الخليلي في الفتاوى:(ص 119): أمر الله سبحانه وتعالى بالسعى إلى الجمعة إذا نودي لها، ولم يخصها بمكان دون غيره ولابحال دون الأخرى، وقد صلى النبي (صلى الله عليه وسلم) الجمعة في القرى كما فعل أهل جواثى في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم)، وجواثى قيل هي قرية بالبحرين، وذلك يدل على مشروعية إقامة الجمعة بالقرى، وقد رد سماحته على من قال أن الجمعة لاتقام إلا فى نزوى وصحار (من مدن عُمان) فقال: صلاة الجمعة من الفروض الثابتة بنص الكتاب والسنة النبوية وإجماع الأمة ،وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) ما يدل على حصرها ببلدان معينة،وإذا كانت الظروف سابقاً قضت بصلاتها في نزوى وصحار من عُمان، فإن ذلك لايطرد في كل زمان، بل إننا نجد أن المسلمين لم يصلوها بنزوى في أيام الإمام الوارث بن كعب ـ رضي الله عنه ـ وقد أقامها فيها الأئمة ـ رحمهم الله ـ من بعده، كما أقامها الإمام العدل الشهيد عزان بن قيس ـ رحمه الله ـ أينما حل من أرض عُمان، وما التمصير الذي يذكر عن الفاروق ـ رضي الله عنه ـ إلا واقعة حال، وما أحسن ما قاله الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ في ذلك فقد قال في جوهره:
لأنما التمصير حال يعرض
فيستقيم تارة ويمرض
وإنما عينها الفاروق
لأنها في عصره تروق
لو كان ذا التعيين مما وقفا
عينها لنا النبي المصطفى
ولهذا يتضح أنه بعد أن رأى العلماء أن تقام الجمعة في مدن عُمان الرئيسية، وأمر بذلك سلطان البلاد،لايجوز التخلف عنها في أي بلد أقيمت، ومن صلى الظهر بدلها من غير عذر فلا صلاة له (من كتاب الفتاوى ص119 ـ 120) .. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى