الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (والذين اهتدوا زادهم هدى)

(والذين اهتدوا زادهم هدى)

من عظمت ذنوبه في نفسه لم يطمع في الرضا وكان غاية أمله أن يطمع في العفو ومن كملت معرفته لم ير نفسه إلا في هذه المنزلة، قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ؟ قَالَ:(تَقُولِينَ: اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي).
قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو.
إن كنت لا أصلح للقرب
فشأنكم عفوٌ عن الذنب
كان مطرف يقول في دعائه:(اللَّهم ارضَ عنا، فإن لم ترضَ عنا فاعفُ عنا).
وعن أسامة قال: كان من يرى سفيان الثوري يراه كأنه في سفينة يخاف الغرق، أكثر ما تسمعه يقول:(يا رب سلّم سلّم)، وعن جعفر: دخلنا على أبي التياح نعوده، فقال: والله إنه لينبغي للرجل المسلم أن يزيده ما يرى في الناس من التهاون بأمر الله أن يزيده ذلك جداً واجتهاداً، ثم بكى.
وعن فاطمة بنت عبد الملك زوج أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ قالت:(ما رأيت أحدًا أكثر صلاة ولا صيامًا منه ولا أحدًا أشد فرقًاً من ربه منه، كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه ثم ينتبه فلا يزال يبكي تغلبه عيناه، ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشيء من أمر الآخرة فينتفض كما ينفض العصفور من الماء ويجلس يبكي فأطرح عليه اللحاف).
* المداومة على فعل الصالحات
إن أعمال المؤمن الصالحة ليست معلقة بانقضاء رمضان، بل إن رمضان يزيد من حيوية النفس المؤمنة، ويبعث فيها القوة والنشاط، فإذا انتهى الشهر، كان أنشط في العبادة، فيستمر على الطاعة ما دام حياً, قيل لبشر الحافي: إن قومًا يتعبدون في رمضان ويجتهدون في الأعمال فإذا انسلخ تركوا قال: بئس القوم قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان، وقال الحسن البصري: لا يكون لعمل المؤمن أجل دون الموت ثم قرأ (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)، واجتهد أبو موسى الأشعري – رضي الله عنه – قبل موته اجتهادًا شديدًا، فقيل له: لو أمسكت أو رفقت بنفسك بعض الرفق؟ فقال: عن الخيل إذا أُرسلت فقاربت رأسَ مجراها أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلها أقلُّ من ذلك، قال: فلم يزل على ذلك حتى مات.
فالمداومة على الطاعات هدي راشد، وجَّه إليه النبي (صلى الله عليه وسلم) ومارسه، فعن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها:(أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سُئل: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: أدومه وإن قلَّ)، وعنها ـ رضي الله عنها قالت: إن عمله (صلى الله عليه وسلم) كان دِيمة وأنه (صلى الله عليه وسلم) كان إذا عمل عملاً أثبته) .. فهل تعلمنا من رمضان الصبر والمصابرة على الطاعة وعن المعصية؟ وهل عودنا أنفسنا على المجاهدة للهوى والشهوات؟ هل حصلنا على التقوى التي هي ثمرة الصيام الكبرى، واستمرت معنا حتى بعد رمضان، فإن الصلة بالله وخوف الله هي السر في حياة الصالحين والصالحات؟! كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ:َ إِنَّ مِنْ ثَوَابِ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةُ بَعْدَهَا، فَالْعَبْدُ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً قَالَتْ أُخْرَى إِلَى جَنْبِهَا: اعْمَلْنِي أَيْضًا، فَإِذَا عَمِلَهَا، قَالَتِ الثَّالِثَةُ كَذَلِكَ وَهَلُمَّ جَرًّا، فَتَضَاعَفُ الرِّبْحُ، وَتَزَايَدَتِ الْحَسَنَاتُ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى)، وقَوْله تَعَالَى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)، فالعاقل اللبيب من جعل رمضان مدرسة لبقية الشهور بالاستمرار والمداومة على الطاعات والواجبات، ولو كانت قليلة، فقليل دائم خير من كثير منقطع.
أخي الحبيب: لا تنس أن رب شهر رمضان هو رب كل الشهور .. فاستمر على الطاعة واسأل الله عز وجل الثبات على هذا الدين حتى تلقاه، وأعلم أن نهاية وقت الطاعة والعبادة ليس رؤية هلال العيد كما يتوهم البعض بل هو كما قال الله عز وجل:(وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)، واليقين هو الموت.
قال بعض السلف: ليس لعمل المسلم غاية دون الموت، وقال الحسن: أبَى قوم المداومة، والله ما المؤمن بالذي يعمل شهر أو شهرين أو عام أو عامين، لا والله ما جعل لعمل المؤمن أجل دون الموت، وقرأ عمر بن الخطاب وهو يخطب الناس على المنبر:(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ) (فصلت ـ 30)، فقال: استقاموا والله بطاعة الله ثم لم يروغوا روغان الثعلب.
أخي المسلم: وإن ودَّعْتَ شهر الطاعة والعبادة وموسم الخير والعتق من النار فإن الله عز وجل جعل لنا من الطاعات والعبادات ما تهنأ به نفس المؤمن وتقر به عين المسلم من أنواع النوافل والقربات طوال العام ومن ذلك:
صيام ستٍ من شوال، قال (صلى الله عليه وآله وسلم):(مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) (رواه مسلم).
صيام أيام البيض (الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر) من كل شهر هجري, وصيام يوم عرفه لغير الحاج، وكذلك صيام أيام الاثنين والخميس.
قيام الليل والمحافظة على الوتر، وتأَسَّ بالأخيار (كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) (الذاريات ـ 17).
المداومة على الرواتب التابعة للفرائض اثنتا عشرة ركعة: أربع قبل الظهر وركعتان بعده وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل الفجر.
قراءة القرآن والحرص على ذلك يوميًّا ولو جزءًا واحدًا على الأقل.
احرص على أعمال البر واستقم على الطاعة، قال الله تعالى:(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ) (هود ـ 112)، وأنواع الطاعات كثيرة وأجرها عظيم قال تعالى:(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (النحل ـ 97).
فاحرص أخي المسلم على الاستمرار على الأعمال الصالحة واحذر أن يفجأك الموت على معصية .. واستحضر أن من علامات قبول عملك في رمضان استمرارك على الطاعة بعده .. والحسنة تتبعها الحسنة والسيئة تجر السيئة.
تذلل وتضرع وأدع ربك أن يحييك على الإسلام وأن يميتك عليه وأسأله الثبات على كلمة التوحيد عَنْ أَنَسٍ – رضي الله عنه – قَالَ:(كَانَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ) (صحيح رواه الترمذي).

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني

إلى الأعلى