الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شوال وتغيير المفاهيم الاجتماعية

شوال وتغيير المفاهيم الاجتماعية

جاء الإسلام لإصلاح حركة الحياة، وتوجيه المجتمع إلى صواب الفكر، وسداد السلوك، واعتدال الخُلُق، وسلامة الطريق، وهو في كل خطواته المباركة لا يترك عادة من عادات المجتمع السيئة إلا وحاربها، أو عدَّلها، أو قوَّمها بما يصلح حياة الناس، وتقويم كل مناحي حياتهم، وفي هذا الشهر الفضيل شهر شوال، وهو الشهر العاشر من الشهور القمرية، الذي يتلو شهر رمضان الفضيل، وكان العرب لها عادة سيئة فيه، فقد كان العرب تتشاءم من الزواج فيه، فيتركون الزواج، وهو شرعة الله عز وجل، ويزعمون أن الزواج فيه لا يُفلح من أتمه فيه، وعقده ، وأنَّ مَنْ تزوج فيه ساءت حياتُه، وتعب في معاشه، وعلاقته تلك، وقد أحب رسوله الكريم )صلى الله عليه وسلم( أن يقوم هذا السلوك غير الصحيح، وأن الزواج كله خير، ولا يأتي بشَرٍّ مطلقاً، وأنه فلاح كله، إذا كان زواجاً شرعياً، يجري على سَنَن القرآن والسنة، فجاء بصورة عملية وتطبيقية، وتزوج بالسيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ في شهر شوال ليدفع هذا الظن المغلوط، والوهم الكاذب بصورة عملية، وطرق تطبيقية، ورأينا كيف كان زواجه بها زواجًا ميمونًا رأت الحياة كلها معه وبه ومن خلاله ما لم تره من قبلُ، وأجرى الله الخير على يديها، وأنزل في زواجها قرآنا يُتلَى، واختارها زوجة لحبيبه ورسوله (صلى الله عليه وسلم)، وأخذت الأمة عنها أسعد حياة زوجية، وأكرم علاقات الود والحب أحن معاملة من زوج لزوجه، فهو القائل:(خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله)، وتعلم الناس من حياتهما الشريفة العفيفة أنبلَ ألوان السعادة، وأتم وأطهر علاقة كريمة للمتزوجين، وجاءت السيرة العطرة فيها أنصعَ ما تكون.
وأكَّد الرسول (صلى الله عليه وسلم) على أن عادة العرب في تركهم الزواج في شوال، وظنهم في إتمامه وعقْده أنه وبالٌ على صاحبه، ولا يفلح فيه، وتكون عاقبته وخيمة هذه الأفكار والظنون ليست صحيحة، وأن شرعة الله في الزواج مفيدة، ونعمة ومنة، وفضل في كل وقت ومكان، وأن الطهر والعفاف لا يمكن أن يكون شراً، ووبالاً على أحد ولذلك فقد قال الإمام النووي ـ بعد أن أورد حديث الإمام مسلم في صحيحه تحت بابٍ قصد تسميتَه بعنوان: يدفع غائلة تفكيرهم، وسوء ظنهم:(باب استحباب التزوج والتزويج في شوال واستحباب الدخول فيه)، حيث روى حديث السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ الذي قالت فيه: (تزوجني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في شوال، وبَنَى بي في شوَّال، فأيُّ نساء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان أحظى عنده منِّي؟)، قال:(وكانت عائشة تستحب أن تُدْخِل نساءَها في شوَّال) ـ رواه مسلم، وعقّب الإمام النووي بعد إيراده هذا الحديث بقوله:(فيه استحباب التزويج والتزوج والدخول في شوال، وقد نص أصحابنا على استحبابه، واستدلوا بهذا الحديث، وقصدت عائشة بهذا الكلام ردَّ ما كانت الجاهلية عليه، وما يتخيله بعض العوام اليوم من كراهة التزوج والتزويج والدخول في شوال، وهذا باطل لا أصل له، وهو من آثار الجاهلية حيث كانوا يتطيرون بذلك).
وقد سنَّ الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) الزواج في شوال فعلاً وقولاً، فتزوج بأمنا عائشة ـ رضي الله عنها ـ في هذا الشهر شهر شوال الذي ظنه العرب شراً وأذى على المتزوجين فيه، فكان زواجه الشريف بالسيدة عائشة في شوال سنة إحدى عشرة من النبوة، وبنى كذلك بها في شوال بعد الهجرة المباركة بسبعة أشهر(في المدينة المنورة)، وهي بنت تسع سنوات، وكانت بكراً، ولم يتزوج بكراً غيرها (صلى الله عليه وسلم)، وكانت ـ كما يعلم الجميع ـ أحبَّ الناس إليه، وأقربَ الناسِ من قلبه، وأفقهَ نساءِ الأمة قاطبة، وأعلمهن على الإطلاق، وفضلُها عنده معروف مشهود، كفضل الثريد على سائر الطعام، وقد ورد عنه:(عائشة أحبُّ الناس إلي)، وكذلك أبوها سيدنا أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه وأرضاه، وعاشت دهراً طويلاً بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم) لتعلّم الأمة شؤون دينها، مصداقاً لقوله الشريف (صلى الله عليه وسلم):(خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء) أي: السيدة عائشة، حيث كانت من الجمال الشديد فقد جاء أنها كانت بيضاءَ مُشْرَبَةً بحُمْرَة ـ رضي الله عنها وأرضاها.
وشهر شوال هو شهر جهاد وحروب، ورجولة، وكر على أعداء الله، وحدث فيه من الغزوات الكثير، حيث خرجت كبرى الغزوات، والسرايا، وكان الجهاد على أَشُدِّه، كما اشترع فيه الرسول الكريم صيام ستٍ منه، سواء أكانت متتابعة أم متفرقة حتى تستمر الطاعة، ويستمد المؤمن فضل ربه، فالحمد لله على أن صحح الرسول الكريم سلوكيات مجتمعات المسلمين،
وخصوصاً فيما يتعلق بالزواج، وطهارة المجتمع، وعفته، وصون أخلاقياته، وأن سلوكيات الزواج في هذه الأوقات التي كان يتجنب المجتمع القرشي فيها الزواج كانت غير سديدة، وأنها ظنون وأوهام كاذبة، وأن الإسلام جاء ليغير المفاهيم، ويصوِّب الفكر، ويعدِّل السلوك، فاللهم بصِّرْنا بجمال ديننا، وجلال سيرة نبيِّنا (صلى الله عليه وسلم)، وارزقنا السَّيْر على خطاه، واقتفاء أثره ومسعاه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله، وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة ـ دار العلوم بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى