الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / في رحاب الحديث النبوي الشريف

في رحاب الحديث النبوي الشريف

عن مُعاذ بن جبل ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال:(قلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعد ني عن النار، قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسًره الله تعالى عليه, تعبد الله لا تشرك به شيئاً, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان, وتحج البيت, ثم قال له: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنة والصدقة تُطفئ الخطيئة كما يُطفئ الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل, ثم تلا تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً حتى بلغ جزاء ًبما كانوا يعملون ثُم قال: ألا أُخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قُلتُ: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه ثم قال: كُفّ عليك هذا، قُلتُ: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا مُعاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) صدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
هذا الحديث النبوي الشريف فيه دعوة للعمل الذي يُدخل صاحبه الجنة ويُبعده عن النار, وهذا في حد ذاته أمر عظيم مبارك,وهل هناك أفضل من أن يبتعد العبد عن النار ويدخل الجنة؟ إنه من أجل دخول الجنة والبعد عن النار أرسل الله تعالى الأنبياء والرسل، ولذلك عندما سأل الصحابي الجليل مُعاذ بن جبل ـ رضي الله تعالى عنه ـ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك قال له رسول الله: لقد سألت عن عظيم, ومن هذا يتبين لنا مدى حرص الصحابة الكرام على أن يسألوا عن أعظم الأعمال التي بها يتقرّب العبد من خالقه سبحانه وتعالى.
والحديث كذلك يبين لنا أن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة قال تعالى:(وتلك الجنة التي أُورثتموها بما كنتم تعملون)، فالإيمان ليس بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل .إذا أخي المسلم إذا أردنا دخول الجنة فعلينا باتباع الطريق المؤدي إليها وهو يسير على من يسّره الله تعالى عليه، وقد سأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رجلاً كيف تقول إذا صليت؟ قال: أسأل الله الجنة، وأتعوّذ به من النار ولا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال (صلى الله عليه وسلم):(حولها ندندن) وقوله (صلى الله عليه وسلم):(وإنه ليسير على من يسّره الله تعالى عليه) في هذا إشارة إلى أن التوفيق كله بيد الله تعالى, فمن يسّر الله تعالى عليه الهداية اهتدى قال تعالى:(فأما من أعطى واتقى, وصدّق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذّب بالحسنى، فسنيسره للعسرى)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(اعملوا فكل مُيّسر لما خُلق له)، أما أهل السعادة فييسر لهم الله تعالى طريق الهداية, وأما أهل الشقاء والعياذ بالله تعالى فييُسر لهم طريق الضلالة والغواية، أما عن الأعمال التي تكون سبباً لدخول الجنة فهي كما بينها لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهي الإتيان بأركان الإسلام الخمسة: وهي: الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج، فمن أدى هذه الأركان الخمسة كما أمره الله عز وجل فقد التزم بما أمره الله تعالى وضمن الفوز بجنة عرضها السماوات والأرض ثم يبين لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أبواب الخير الكثيرة, التي تُقرب العبد أكثر وأكثر من ربه سبحانه وتعالى, وهي من النوافل الزائدة بعد الأركان فإن أفضل أولياء الله تعالى هم الذين يتقرّبون إلى الله تعالى بالنوافل بعد أداء الفرائض، كما جاء في الحديث القدسي:(وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل, حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به, ويده الذي يبطش بها)، أما عن أبواب الخير وأسبابه الموصّلة إليه فهي: (1) الصوم جُنّة ويجب أن يتوفر مع الصيام علو الهمة, بحيث يُحافظ على صومه فلا يخرقه بنظرة أو بكلام فاحش ويصبر على أذى الغير, وما أعظم صيام النوافل أيام الحر الشديد فثوابه مُضاعف، (2) ومن أبواب الخير (الصدقة)، فكما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(الصدقة تُطفئ الخطيئة كما يُطفئ الماء النار)، وورد أن علي بن الحسين ـ رضي الله تعالى عنه ـ كان يحمل الخبز على ظهره في ظلمة الليل ويمر به على المساكين بدون أن يراه أحدُ إلا الله ويقول:(إن الصدقة في ظلمة الليل تُطفئ غضب الرب عز وجل، (3) ومن أبواب الخير أيضاً:(قيام الليل)، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(وصلاة الرجل في جوف الليل يعني أنها تُطفئ الخطيئة)، وقد ورد في فضل قيام الليل أحاديث كثيرة منها قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل), وفي حديث آخر يرويه سلمان الفارسي أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(أتاني جبريل فقال يا محمد: عش ما شئت فإنك ميت, وأحبب من شئت فإنك مُفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزي به, واعلم بأن شرف المؤمن قيام الليل, وعزه في استغنائه عن الناس).
وقد مدح الله تعالى عباده المؤمنين الذين تتجافى جنو بهم عن المضاجع يدعون ربهم ويبتهلون قال تعالى:(تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعا ومما رزقناهم يُنفقون, فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون)، ثم يُحدثنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن رأس الأمر وعموده وذروة سنامه وهو الجهاد في سبيل الله تعالى: فبعد أداء الفرائض, واتباع أركان الإسلام الخمسة لابد أن يكون للمسلم وقفة مع الجهاد في سبيل الله تعالى، فمن مات ولم يُحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ويعني برأس الأمر (الدين الإسلامي) فأفضل الأعمال بعد أداء الفرائض هو الجهاد في سبيل الله تعالى، ثم يأتي الحديث في النهاية عن مِلاك الأمر كله: ألا وهو حفظ اللسان لأن من يحفظ لسانه عن اللغو والكلام الفاحش. فقد نجح في التغلّب على شيطانه لأن حصائد الألسنة من كلام مُحرم, وغيره مما حرمه الله تعالى هو سبب في دخول الكثير منهم في النار والعياذ بالله تعالى، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(أكثر ما يُدخل الناس النار الأجوفان الفم والفرج وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى فيها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار).
إذاً أخي المسلم: علينا أن نجتهد في أن ننفذ ما جاء في هذا الحديث النبوي الشريف ونجتهد أن نتقرب إلى الله تعالى بكل ما نستطيع من أعمال الخير من فرائض وسنن ونُحدّث أنفسنا بالجهاد حتى ولو بالكلمة الطيبة ونحفظ اللسان حتى نضمن النجاة في الدنيا والآخرة ونتقرب للجنة ونبتعد عن النار ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى .. اللهم آمين.

إبراهيم السيد العربي*
إمام وجطيب جامع الشريشة / سوق مطرح

إلى الأعلى