الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / العقل الفقهي والشريعة

العقل الفقهي والشريعة

يمثل العقل الفقهي جانباً مهماً من جوانب الدراسات التراثية والفكرية المعاصرة، المرتبطة بجانب حضاري لدى أمة ممن أمم الإنسان، المتأثرة بما حوله من بيئة وحضارة وثقافة، فاختلط بذلك أصل النص المغلق، أي نص الغيب، مع آثار التفكر والتأمل والاستنتاج وفق البيئة والآلة ومحتوى الثقافة، كل هذه العوامل تجعل من العقل الفقهي عقلاً بشرياً بحتاً، إذ يتحول إلى مقدس يتعصب الناس لأحزابه بعد حين، من هنا يجب أن ينزل منزلة النقد ليوضع النص الغيبي المغلق كقيم ومنطلقات ترشد التفكير البشري، وفي الوقت ذاته تفتح للعقل الفقهي أفق التفكير ليواصل الطريق وفق الزمن والمكان دون الانغلاق وسد أداة النظر والتأمل والتفكير.
والعقل الفقهي كلمتان منطلقتان من ذات الفقيه كعقل مفكر، وجسد متأثر بما حوله، وعليه العقل الفقهي عبارة عن أصل فهم الآلة في الاستنباط من النصوص التي يستند إليها، منطلقا من العقل، وبه يربط بين النص والتطبيق.
من هنا لابد أن نفرق بين النص والشريعة والفقه، فالنص أخص من الشريعة والفقه، وهو دائرة مغلقة في الأصل على القرآن والتطبيق العملي للنص، ثم توسع إلى الرواية، ثم ازداد إلى القياس وآثار السلف وشبهه، وهنا حدث التضاد، فبعد ما كان مغلقا أصبح مفتوحا تحت التأثير السياسي والمذهبي، كذلك بعد ما كان أقرب إلى الكليات العامة بحيث يعطي مجالاً واسعاً للتطبيق زماناً ومكاناً أصبح أقرب إلى التضييق ليكون أبعد عن الواقع عجزاً في الإنزال والملائمة.
وأما الشريعة فمصطلح واسع، وهي أقرب إلى التطبيق للنص، وعليه لابد من التفريق بينهما، فالنص ثابت في أصله منغلقا بدليل قطعي، والتطبيق اجتهاد بشري، وهذا لا يخالف دائرة الإلزام، فالشريعة مثلا أمرت بحفظ الأرواح والتقيد بالنظام والتعاون عليه، والتشريع البشري استنتج قوانين لذلك كما في أحكام الطرق والمرور مثلا.
والفقه أقرب إلى القانون العام للأمة، فيدخل فيه التشريع التطبيقي للنص وإعمال العقل طيلة التاريخ، ومع هذا الخلل اليوم يعود إلى نسبة الاجتهاد التشريعي والفقهي طيلة التاريخ إلى الله، وتحويل غير المقدس إلى مقدس، وتوقيف الصيرورة البشرية والعقلية الإنسانية لتقف عند الماضي، فلا تتحرك إلا ببطئ شديد نحو المستقبل.
واخترت جانب الشريعة لما حدث حوله من كلام اليوم في ظل ظهور التيارات الإسلامية، وصراعها مع التيارات اللبرالية والعلمانية، وهو جانب من جوانب النقد الفقهي التشريعي البشري، والعودة إلى النص القرآني الرباني، كإعادة قراءة لهذا النص.
فمن خلال مفهوم الشريعة ندرك مدى التأثير البشري زمانا ومكانا وتأثيره العام على عقلية الفقيه، والذي تحول بدوره إلى تراكم بشري مقدس، أضيف إليه مرويات تنسب إلى الرسول الأكرم أو من بعده ليعطى أكبر قداسة، ومن هنا سيتسع المقدس، وتصبح الدائرة الضيقة دائرة واسعة، وبعده يحدث التصارع بين الناس على تراث بشري متراكم يتصورونه مقدساً، مما يتوقف عقل الفقيه عند الماضي، ويعتبر النقد إلحاداً وكفراً وردة.
وعليه يجب بداية إطلاق العقل البشري ليكون في المكان الذي أمر الله تعالى بوضعه، وليعطى مساحته الكافية في النقد والنظر والتأمل والتدبر، وبه يفتح المجال لهذه الأمة لتساير الركب، وتنطلق إلى أفق أبعد، بدل العيش في الماضي، والصراع حول مفاهيم أضافها البشر إلى مرتبة القداسة بما كتبته أيديهم، وحبرته أقلام أحبارهم.

بدر بن سالم العبري

إلى الأعلى