الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / نوح ـ عليه السلام (1)

نوح ـ عليه السلام (1)

اعداد ـ أم يوسف
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين الى يوم الدين.
لقد عرضنا في هذه الزاوية لقصة آدم ـ عليه السلام ـ من خلال تفسير الجامع لأحكام القرآن وذلك قبل شهر رمضان المبارك ونعود فنكمل بقية قصص الأنبياء ـ عليهم السلام ـ ونتناول خلال حلقات قصة نوح ـ عليه السلام ـ من خلال عرض لتفسير آيات من سورة هود ـ عليه السلام ـ والله الموفق.
قال الله تعالى:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) (هود 25 – 27).
قوله تعالى:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ ..) ذكر سبحانه قصص الأنبياء ـ عليهم السلام ـ للنبي (صلى الله عليه وسلم) تنبيهاً له على ملازمة الصبر على أذى الكفار إلى أن يكفيه الله أمرهم، (إني) أي، فقال: إني لأن في الإرسال معنى القول، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي (أني) بفتح الهمزة أي: أرسلناه بأني لكم نذير مبين، ولم يقل (إنه) لأنه رجع من الغيبة إلى خطاب نوح لقومه، كما قال:(وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) (الأعراف ـ 145)، ثم قال:(فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ) (الأعراف ـ 145).
قوله تعالى:(أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ..) أي: اتركوا الأصنام فلا تعبدوها، وأطيعوا الله وحده، ومن قرأ (إني) بالكسر جعله معترضاً في الكلام، والمعنى أرسلناه بألا تعبدوا إلا الله (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ).
قوله تعالى:(فَقَالَ الْمَلأُ) قال أبو إسحاق الزجاج: الملأ الرؤساء أي: هم مليؤون بما يقولون، وقد تقدم هذا في (البقرة) .. وغيرها، (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً) أي: آدمياً، (مِثْلَنَا) نصب على الحال، و(مِثْلَنَا) مضاف إلى معرفة وهو نكرة يقدر فيه التنوين، كما قال الشاعر:(يا رب مثلك في النساء غريرة).
قوله تعالى:(وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا) أراذل: جمع أرذل وأرذل جمع رذل، مثل كلب وأكلب وأكالب، وقيل: والأراذل جمع الأرذل، كأساود جمع الأسود من الحيات، والرذل النذل أرادوا اتبعك أخساؤنا وسقطنا وسفلتنا، قال الزجاج: نسبوهم إلى الحياكة ولم يعلموا أن الصناعات لا أثر لها في الديانة، قال النحاس: الأراذل هم الفقراء، والذين لا حسب لهم، والخسيسو الصناعات، وفي الحديث:(أنهم كانوا حاكة وحجامين) وكان هذا جهلاً منهم لأنهم عابوا نبي الله (صلى الله عليه وسلم) بما لا عيب فيه لأن الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ إنما عليهم أن يأتوا بالبراهين والآيات، وليس عليهم تغيير الصور والهيئات، وهم يرسلون إلى الناس جميعاً، فإذا أسلم منهم الدنيء لم يلحقهم من ذلك نقصان لأن عليهم أن يقبلوا إسلام كل من أسلم منهم.
قلت: الأراذل هنا هم الفقراء والضعفاء، كما قال هرقل لأبي سفيان: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، فقال: هم أتباع الرسل، قال علماؤنا: إنما كان ذلك لاستيلاء الرياسة على الأشراف، وصعوبة الانفكاك عنها، والأنفة من الانقياد للغير، والفقير خلي عن تلك الموانع، فهو سريع إلى الإجابة والانقياد، وهذا غالب أحوال أهل الدنيا.
اختلف العلماء في تعيين السفلة على أقوال: فذكر ابن المبارك عن سفيان أن السفلة هم الذين يتقلسون، ويأتون أبواب القضاة والسلاطين يطلبون الشهادات، وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: السفلة الذين يأكلون لدنيا بدينهم، قيل له: فمن سفلة السفلة؟ قال: الذي يصلح دنيا غيره بفساد دينه، وسئل علي ـ رضي الله عنه ـ عن السفلة فقال: الذين إذا اجتمعوا غلبوا وإذا تفرقوا لم يعرفوا، وقيل لمالك بن أنس ـ رضي الله عنه: من السفلة؟ قال: الذي يسب الصحابة، وروي عن ابن عباس ـ رضي اللهعنهما:(الأرذلون الحاكة والحجامون) يحيى بن أكثم: الدباغ والكناس إذا كان من غير العرب.
قوله تعالى:(بَادِيَ الرَّأْيِ) أي: ظاهر الرأي، وباطنهم على خلاف ذلك، يقال: بدا يبدو إذا ظهر، كما قال: فاليوم حين بدون للنظار، ويقال للبرية بادية لظهورها، وبدا لي أن أفعل كذا أي: ظهر لي رأي غير الأول، وقال الأزهري: معناه فيما يبدو لنا من الرأي، ويجوز أن يكون (بَادِيَ الرَّأْيِ) من بدأ يبدأ وحذف الهمزة، وحقق أبو عمرو الهمزة فقرأ:(بَادِيَ الرَّأْيِ) أي: أول الرأي أي: اتبعوك حين ابتدأوا ينظرون، ولو أمعنوا النظر والفكر لم يتبعوك، ولا يختلف المعنى ههنا بالهمز وترك الهمز، وانتصب على حذف (في) كما قال عز وجل:(وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) (الأعراف ـ 155)، (وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) أي: في اتباعه، وهذا جحد منهم لنبوته (صلى الله عليه وسلم) (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) الخطاب لنوح ومن آمن معه.
.. يتبع بمشيئة الله.

إلى الأعلى